سلسلة مثالب معاوية بن أبي سفيان بالأسانيد الصحيحة (1)
حديث : ( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)
استعراض طرقه ودراسة أسانيده وتخريجه من مصادر
أهل الحديث
مع مناقشة حديثية لآراء المحدثين ورد على
شبهات المنكرين
خرجه من سائر المصادر ودرس أسانيده ورجاله
حسن بن فرحان المالكي
محتويات
الكتاب:
1- مقدمة
عن موضوع الكتاب وأسباب تأليفه..
2- ملخص عن أبرز الأحاديث
الصحيحة وما يقاربها في ذم معاوية بن أبي سفيان، وهي أكثر من عشرين حديثاً أغلبها
خاص به، والقليل تشمله مع غيره، ( وسيتم إخراجها تباعاً في كتب منفصلة، وهي جزء من
كتابي: معاوية قراءة في المناقب والمثالب).
3- خلاصة عن حديث الكتاب (
إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)، وفيها معنى الصحة والثبوت، ووجوب اتخاذ منهج
مطرد في مناقبه ومثالبه، سواء من حيث الإسناد أو دلالة المتن، مع مراقبة الأثر
السياسي والمذهبي، وتقييم ذلك بالشرع وليس بالمذهب، والكشف عن محاولات البتر
والإخفاء لمثالب معاوية وأسباب ذلك..
4- إجمال
في طرق الحديث..
5- تنبيه
: في الحديث المقارن..
6- التفصيل
في دراسة طرق الحديث
7- أولاً: طريق أبي سعيد
الخدري ( من مصادر سنية)
8- تصحيح ابن تيمية لهذا
الطريق ( ولكن في أحاديث أخرى)!
9- تحسين ابن حجر لبعض طرق
الحديث ( ولكن في حديث آخر)!
10-
تصحيح المناوي صاحب فيض القدير
11-
تصحيح الشيخ المحدث محمد
بن عزوز المكي للسند بالحديث نفسه.
12-
نكتة علمية للشيخ سعيد
أيوب
13-
الخلاصة في حديث أبي سعيد
الخدري..
14-
ثانياً : طريق الرجل
الأنصاري ومجموعة معه من الصحابة ( مصادر سنية).
15-
ثالثاً: طريق سهل بن حنيف
الأنصاري ( بدري بإجماع، والمصدر سني).
16-
رابعاً: طريق عبد الله بن
مسعود ( بدري بإجماع، والمصدر سني).
17-
خامساً: طريق جابر بن عبد الله الأنصاري (صحابي كبير
مشهور، والمصدر سني)
18-
سادساً: طريق عبد الرحمن
بن سهل الأنصاري ( بدري في قول، والمصدر سني)
19-
سابعاً : طريق الحسن
البصري ( مرسلاً) من ثلاث طرق، والمصادر سنية وزيدية.
20-
ثامناً : طريق أنس بن
مالك ( المصدر معتزلي)
21-
تاسعاً: طريق محمود بن
لبيد عن بدريين ( والمصدر شيعي ناقلاً عن سني مفقود).
22-
عاشراً: طريق الحسين بن
علي ( والمصدر سني).
23-
أحد عشر: طريق أبي ليلى
الأنصاري ( المصدر إسماعيلي).
24-
ترجمة القاضي النعمان
25-
اثنا عشر: طريق أبي ذر
الغفاري ( والمصدر معتزلي).
26-
ثلاثة عشر: طريق حذيفة بن
اليمان ( مصادر زيدية وإمامية وسنية).
الملاحق
ملحق (1) ملحق الرواة المفصلة تراجمهم
1- ترجمة
علي بن زيد بن جدعان التيمي البصري
2- أبو
الوداك جبر بن نوف الكوفي
3- مجالد بن سعيد الهمداني
الكوفي
4- أبو بشر المروزي شيخ ابن
حبان
5- نصر بن
مزاحم المنقري التميمي الكوفي
6- عبد الرحمن بن سهل
الأنصاري
7- بريدة بن سفيان الأسلمي –
شيخ ابن إسحاق
8- إسماعيل بن موسى السدي
الصغير
9- يحيى بن واضح
10-
محمد
بن أحمد بن حمدان شيخ أبي نعيم
ملحق (2): ملحق الردود والتعقيبات
1- كلام
البخاري في تاريخه الأوسط عن الحديث والرد عليه
2- كلام
أحمد بن حنبل في الحديث والتعقيب عليه.
3- كلام
ابن كثير في الحديث والرد عليه.
4- كلام
الذهبي في الحديث، معتدل/ مع تعقيب يسير.
5- كلام
ابن الجوزي في الحديث والرد عليه.
6- كلام ابن طاهر المقدسي في
الحديث والرد عليه.
7- كلام
الجورقاني في الحديث والرد عليه.
8- كلام
ابن تيمية في الحديث والرد عليه
9- كلام الألباني في الحديث
والرد عليه
10-
سؤال
والجواب علي: المسئولية على الناس أم على النبي (ص)؟!
الملحق (3): نصب البصرة..
الخاتمة..
بسم الله الرحمن
الرحيم
يظن
كثير من الناس إننا عندما نصحح حديثاً في ذم معاوية مثلاً أو نثبت جريمة فعلها أحد
الأمويين إن هذا نتيجة تعصب مذهبي أو حقد على هذا الشخص أو ذاك، وهم في هذا
واهمون، فأنا شخصياً قلت أكثر من مرة، إنني لا أشعر أن في قلبي شيئاً على من لا
أثر له في ديننا ولا عقائدنا حتى ولو كان قاتل عمر أو علي أو عثمان، مع أن شعوري
هذا قد يكون خطيئة، ولكنني أتحدث عن نفسي، لا أشعر بالحقد على مشرك قتل يوم بدر
إلا إذا كان له أثر على من بعده وقام له منتصفون ومتعصبون.. هنا أعرف أن أثره لم
ينقطع بموته، وأنه ما زال حياً يعيش معي ويسلب حقي في التفكير وفي اتباع النبي
(ص).
ومن
هذا الباب قال السيد محمد بن عمر بن عقيل ( لقد ترك لنا معاوية في كل زمن فئة
باغية) فالسيد ابن عقيل هنا يشعر أنه لا يستطيع أن ينقل ما يعرفه من هدي القرآن
الكريم والسنة المطهرة، وأن الاحتجاج عليه بمعاوية وأتباع معاوية يحاصره في كل
فكرة نيرة، وفي كل دعوة للعدل أو الإنصاف أو العلم ..الخ.
وما
شعر به السيد محمد بن عمر بن عقيل أشعر به، ومن هذا الباب قد يكون في قلوبنا على
معاوية أشياء كثيرة، ليس من باب العصبية لأهل بدر الذين قتل بعضهم ولعن آخرين ( مع
أن من حقهم علينا أن نغضب لهم) ولكن الأمر أكثر من ذلك، إنه مرتبط بحياتنا ومدى
قدرتنا على الإفلات من محاصرة معاوية لنا في بيوتنا، وتكميمه أفواهنا، وإجباره لنا
على أن نترك كتاب الله وسنة رسوله جانباً، ونقبل على أحاديثه ومروياته وعقائده
وسلوكه ..الخ
هنا
يجب أن نقاوم، وأن نقبل على كتاب الله، ونتلمس ما يضارعه ويشابهه من الأحاديث
الشريفة، وأن نحذر من تلك الأحاديث التي تصادم القرآن ونفتش عن رواتها، وننظر هل
لهم علاقة بمعاوية أم لا؟ ..الخ.
فعلنا
هذا واكتشفنا العجائب!
كل يوم
نكتشف قرب معاوية من حياتنا، إن له سلطة علينا أقوى من سلطة نفوسنا! لقد وطأ
بقدميه الفاجرتين على صماخ القرآن الكريم، وطرد الرسول (ص) من أمته، وطارد
أولياءه في كل زمان ومكان.. ويستحيل أن
يكون رجل كهذا سليماً من أي تحذير أو ذم نبوي، لابد أن يكون هناك عشرات الحالات،
فهو أخطر من الدجال وأخفى من إبليس وأقدر على الدخول في بيوت المسلمين من أوسع
الأبواب!.
معاوية
بن أبي سفيان لا ننكر دهاءه ولا عقله ولا نسبه القرشي، ولا حلمه عن العجزة
والشيوخ، ولا حسن إدارته لملكه دنيوياً، ولا تذوقه الشعر والأدب، ولا صلابته في
التمسك بالمصلحة الذاتية.. ولا علمه بنفوس الناس وعمله على تناقضاتهم وقدرته
الفائقة على جذبهم لخدمة مصالحه، ولا بذله للأموال وسخاءه بحقوق المسلمين، ولا غير
ذلك، ولا ننكر أن له مستشارين دهاة يستطيعون التهام الأمم والشعوب بدهائهم، كعمرو
بن العاص والمغيرة بن شعبة وزياد بن أبيه ومنصور بن سرجون الرومي وأمثالهم، ممن
يستطيعون أن يديروا الناس كما يشاؤون بما فضل من عقولهم، ولولا هذه الصفات في
معاوية ومستشاريه ونصحائه، لانصرف الناس عنه إلى غيره، فأكثر الناس مع الدرهم
والدينار والمصالح الدنيوية، ( وقليل من عبادي الشكور).
وإنما
نحن نقول إن طاقاته العقلية والنفسية إنما جعلها في مصالحه الذاتية، واستبد وظلم
وعسف، والتهم الدنيا، وسنن السنن، وحرف الدين ليكون من جملة الخدم والموالي.. وغير
ذلك من عمليات الدهاء والخداع التي لم تمت بموته وإنما استمرت بعد وفاته..
فقد زرع ديناً مكان دين، وقدوة مكان قدوة،
وكتاباً بدلاً من كتاب، وصحابة بدلاً من صحابة، ومباديء طردت مباديء أخرى..
وهكذا.. ولولا أثره العظيم في الفكر لما انشغلت السلفية بالدفاع عن الطلقاء مع
إهمالها أهل بدر بين مهجور ومجهول ومتهم بالنفاق إلا من يحتاج معاوية إليه منهم
فيظهر على السطح وبغلو فج.
بعد
هذا كله نستطيع بارتياح أن نقول هنا خطورة معاوية..
خطورة
معاوية لا يعرفها السلفية لحماقتهم ولا الشيعة لتعصبهم.. إنما يعرفها من عرف
القرآن أولاً، وعرف النبي (ص) ثانياً، وكان عنده الوعي التاريخي والسياسي الذي
يستطيع به معرفة أثر السلطة والتاريخ في الدين والفكر والسلوك.
وإذا كان معاوية بهذه الخطورة الكبيرة فهل يعقل
ألا نجد في الكتاب العزيز تحذيراً من أمثاله ولو بالوصف؟ وهل يعقل ألا يبين النبي
الكريم ما أجمله القرآن من علامات المنافقين وأشخاصهم المستقبليين، هل يعقل أن
يخلو الشرع من التحذير من هذا الخطر الذي تفوق خطورته خطورة الدجال أم لا؟ هل يعقل
أن يذهب النبي (ص) من هذه الدنيا ولم يبين لنا ما نتقي وما نحذر منه، سواء أكان
ذلك أفعالاً أم أشخاصاً؟ هل تركنا - كما
نردد – على المحجة البيضاء لا يزيغ عنها إلا هالك؟ أم لا؟
لا
يمكن الجواب على هذه الأسئلة إلا بعد البحث والتنقيب والتعب وتلمس الحق وطلب
الهداية من الله وحمل النفس على الإنصاف ما أمكن، فلا إفراط ولا تفريط.. لا جمود
ولا خرافة.. لكن لا يمكن أن نترك المنافقين ليفسدوا علينا ديننا بعدما أفسدوا
دنيانا بدعوى الورع والكف عما مضى، وأن معاوية قد ذهب إلى ربه! نعم، هو ذهب بجسمه
وبقي بأثره في كل شيء، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ودينياً، .. لقد
بقي منه في الأمة أكثر مما بقي من النبي (ص) للاسف، ومن هنا وجب شرعاً تحطيم هذا
الصنم الكبير ليرى الناس دينهم وصالحيهم ويرجعوا إلى عقولهم ونفوسهم وعدلهم
وقرآنهم ورسولهم وصالحي أمتهم..الخ[1]،
خطورة معاوية لم تنته بزمنه ، كما هو حال فرعون وأبي جهل وأبي لهب وبابك الخرمي
وهولاكو وأمثالهم، كلا، هو معك أيها المسلم في قلبك وعقلك، وبيتك ومسجدك.
إذن لا
بد من مخرج وبيان في القرآن الكريم والسنة المطهرة والتاريخ الكاشف.
وعندما
بحثنا .. وجدنا القرآن الكريم - قبل النبي (ص) – قد أخبرنا عن صفات هؤلاء المريبين
الذين قد يغتر بهم المسلمون ويسمعون لهم يصدقونهم ويحبونهم.. الخ، تابعوا صفات
المنافقين في القرآن الكريم، ستجدونها متحققة في معاوية أكثر من تحققها في عبد
الله بن أبي بن سلول وأمثاله.
في
كثير من الآيات لو نسردها الآن لدخل هؤلاء في الجدل في دلالاتها .. وأنها إنما
نزلت في قريش حال كفرهم، أو في المنافقين وأن معاوية ليس منهم ..الخ.
إذن
فلننطلق إلى السنة ثم نعود منها إلى القرآن، مادام أن هؤلاء المتعصبين لمعاوية لن
يفهموا القرآن إلا بالسنة – في زعمهم-
فلننطلق إلى السنة، ثم إذا زعموا أنهم لا يفهمون السنة إلا بفهم السلف
سنذهب معهم إلى فهم صفوة هؤلاء السلف من أهل بدر والرضوان، كعلي وعمار وأبي ذر والمقداد وعبادة بن الصامت
وشداد بن أوس و أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وقيس بن سعد بن عبادة وغيرهم
كثير وكثير وكثير.. فلا تستعجلوا.. فأهل بدر الذين قاتلوا معاوية ووصموه بالنفاق
بل بالكفر كانوا أتباع عمار بن ياسر، ورأيهم رأيه، فإنه ما سلك وادياً من أودية
صفين إلا تبعوه كأنه لهم علم.
وإن رفضوا فهم هؤلاء السلف الكبار من أهل بدر في
صفين، وأرادوا الانصراف إلى الأقلية فضلاً وعدداً من الذين اعتزلوا علياً ومعاوية –
مع ندمهم على ذلك- ولكن لو أرادوا أن نذهب
إليهم لأنهم في نظرهم أبعد عن التعصب من رسول الله ومن أهل بدر، فسنذهب معهم إلى سعد
بن أبي وقاص وابن عمر وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وعائشة أم المؤمنين.. مع أنهم
أقل فضلاً وعدداً من مقاتلي معاوية في صفين – علماً بأن نصف هؤلاء سمه معاوية أو
قتله أيضاً!-.
فإن
رأوا بعد البحث أن هؤلاء الصحابة كلهم قد ابتلوا بالفتنة ولن نتبع أحداً من الصحابة
وإنما سنذهب إلى التابعين الذين هم أسلم من الصحابة في هذه الفتن حتى نعرف رأيهم
في معاوية..
فسنذهب
معهم إلى فهم سادة التابعين وصلحاؤهم، كأويس القرني ( خير التابعين) والحسن البصري
وعلقمة بن قيس وكميل بن زياد وسعيد بن المسيب ومحمد بن الحنفية وسلمة بن كهيل وزيد
بن علي والباقر والأعمش وأبي حنيفة
وإبراهيم النخعي وأغلبية التابعين..
فإن
رفضوا إلا أن يحصرونا في أربعة أو خمسة من علماء السلطة و النواصب في القرن الأول
تبعهم عشرات في القرن الثاني ثم تبعتهم السلفية كلها في القرن الثالث، فليسمحوا
لنا هنا، أننا لن نترك كتاب الله وسنة رسوله والسلف الصالحين بحق وراءنا؛ ونذهب
معهم إلى ابن سيرين وزميله أبي قلابة، ثم أيوب السختياني وزملائه الثلاثة، ثم حماد
بن زيد ويزد بن زريع وزملائهم العشرة، ثم أحمد بن حنبل ودولته، فهذا اختيار ناقص،
وترك شبه كامل للقرآن والسنة التي هجرها هؤلاء إما إخفاءً أو تأويلاً أو جهلاً أو
فتنة، ومع هذا فقد بقي فيهم خير كثير، حتى أتى ابن تيمية وأعدم بقية هذا الخير،
وأصبحنا بهذا إسماً بلا مسمى، وعنواناً بلا مضمون، وأمة بلا هوية.
هنا
نقول لهم ارجعوا معنا لبحث من البداية، ولا تستصعبوا الطريق ولا وحشته ( والذين
جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).
فمن أقبل على طلب الهداية من الله وكان مخلصاً
فسيؤتيه الله إياها، فالله كريم مطلق الكرم، وليس أسهل عليه من إجابة دعوة عبده
إذا دعاه بإخلاص أن يريه الحق وأن يعينه على اكتشافه، فإن الإخفاء كثير، والكذب
كثير، والتعصب يحمل الأمرين.. فالعصبية معصية إبليس الأولى، ولا بد أن يخلفها في
أوليائه ويعلمها أصحابه، جنبنا الله وإياكم
سبل إبليس، ما أمكره وأخبثه وأهلكه لقلوب الرجال إلا قلة من الناس.
إذن
فسنة النبي (ص) لعلها دعوى الجميع، فهل
ورد على لسانه من تحذير من الفتن، وإعلامنا برموزها وقادتها، والفتنة هنا
لا تعني القتال، بل عندما يعرض عليك الحق والباطل فلا تدري أيهما تركب، فتن كوجوه
البقر لا يدرى أيها من أي؟
ومن
هذا الباب يمكننا أن نبدأ بالصحيح المتفق عليه، مما نجزم بصحته ثم ننتقل منه إلى
ما يشبهه مما لا نجزم بصحته، ولا أظن سلفياً لا يعرف حديث عمار، إنما عندي شك بأن
المذهب قد أخذهم في تفسيره إلى مكان قصي لا نستطيع أن نلاحقهم فيه، حتى جعلوا ذلك
الحديث من علامات أجر معاوية وفضله،.. فهذا إذن سنتركه إلى وقت لاحق، وننظر
الأحاديث التي هي أصرح وأبلغ مما يشهد لمعنى الأحاديث التي يصححونها.. فأفضل فهم
للسنة هو فهم السنة بالسنة نفسها، والنبي ( ص)
أقدر على فهم كلامه من فهم آخرين لكلامه صلوات الله عليه.
ومن
هذا الباب سنستعرض الأحاديث التي وردت في مثالب معاوية ، فنعرض طرقها وأسانيدها
ونكشف التعصبات في محاولات إبطالها سنداً أو دلالة، فإن الإنصاف ليس أدل على الحق
من دلالة التعصب عليه، هذا عند أصحاب العقول.
وفائدة
هذه الأحاديث لا ينكرها مسلم، أعني ليس هناك مسلم يظن أن بعض الأحاديث لا داعي
لها، فكل ما قاله النبي (ص) أو عمله له هدف وفائدة ويجب الاستفادة منه، بشرط
التحقق من أنه قاله، وهذا التحقق قد يفضي إلى يقين إلى ظن راجح ( وهذا مبحث أصولي
حديثي ليس هنا مكان مناقشته).
وعلى
هذا فاليقين حاصل عند كل مسلم تقريباً بأحاديث وروايات تشكل حماية نفسية من تأنيب
الضمير أو الورع السلفي الزائد المزيف الي يقف عند حدود الظالمين ولا يذمهم
وبالتالي يقر سنتهم وفكرهم ويتبنى لاحقاً سلوكهم.
ملخص عن أبرز الأحاديث في ذم معاوية التي سنتناولها بالدراسة لاحقاً:
وهذه
الأحاديث ستخرج إن شاء الله تباعاً في كتب مفردة، وقد يخرج مجموعة من الأحاديث في
كتاب، حسب طرق الحديث وأهميته .. وتلك الأحاديث التي رواها أهل السنة- وصححوا
أكثرها- في ذم معاوية ما يلي[2]-
فمن أهمها:
1- حديث: (ويح عمار
تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار) وهو متواتر ويتناول معاوية بالدرجة الأولى،
ويستطيع السلفي الصادق مع سنة النبي (ص) أن يتخذ هذا الحديث أصلاً لكل حديث صح
سنده في ذم معاوية حتى وإن بقي عنده شك في الثبوت، وهذا الحديث وضعت فيه كتاباً
متوسطاً قد يتجاوز الأربع مائة صفحة، في طرقه وأسانيده ومواقف الناس منه، مع توسع
في حرج النواصب منه ومحاولاتهم الكثيرة
لإبطال معناه والرد عليها، وهو من دلائل
النبوة الكبرى.
2- ويتصل به حديث : ( قاتل عمار وسالبه في النار)، له أسانيد قوية،
وقد صححه الألباني، ولا ريب أن من وضع الجائزة لمن يأتي برأس عمار هو مشارك في
القتل، وقد اختصم القتلة في رأس عمار بين يدي معاوية، فيشمله الحديث من باب
الأولى، ولأن قتل عمار وتخصيص جائزة لمن
قتله ليس لنكايته في الحرب، فقد كان عجوزاً فوق التسعين، وإنما لاستبطان نفاق ضد
هذا الصحابي الكبير العريق في الإيمان ونصرة النبي (ص).
3- ويتصل به حديث : ( أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين)
ومجموع طرقه تفيد الصحة، وله طرق كثيرة، وصححه حتى الغلاة من السلفية كالألباني في
تحقيقه السنة لابن أبي عاصم، ومعاوية رأس القاسطين، وتنظروا حكم القاسطين في
القرآن الكريم.
4- حديث ( أول من يبدل سنتي رجل من بني أمية) وقد صححه
الألباني، واختلف في المراد به بين ثلاثة من بني أمية ( عثمان بن عفان، ومعاوية،
ويزيد) والراجح أنه معاوية، لأن الغالب على عثمان حسن السيرة، ولأن يزيد لم يأت
بجديد، وإنما معاوية هو المراد بهذا، ويشهد له حديث ( يموت معاوية على غير سنتي)
وهو أحد لفظي هذا الحديث، لأنه قد روي بلفظ ( على غير ملتي) والسنة والملة واحدة،
لأنه لا يقصد منها أن معاوية غير بعض السنن الصغيرة، بل السنة كلها، والسنة كلها
تعني الملة.
5- وحديث ( الخلافة ثلاثون عاماً ثم يكون الملك العضوض)
بمعناه، وهو عندهم حديث لا يقل عن رتبة الحسن، وللملك سياسة تختلف عن سياسة
الخلافة، والعضوض، أو العاض يعني الظالم.
6- حديث: (يموت معاوية
على غير ملتي ( أو على غير سنتي) في لفظين، ولفظه المطول ( يطلع عليكم
من هذا الفج رجل يموت على غير ملتي، فطلع معاوية) وهو صحيح الإسناد وفق منهج أهل
الحديث، إلا أن بعضهم إذا لم يلتزم بمنهجه الذي ارتضاه فهذا شأنه، كأي جماعة أو
دولة، فإذا وضعت دولة لها قانوناً فيه معايير الفساد ثم لا تطبقه على الفاسدين
فهذا شأنها، ولا يعني أنهم غير فاسدين!
والحديث قد روي بأسانيد على شرط الصحيح، في قوة الرجال والاتصال في السند،
ورجاله كلهم رجال الشيخين، وأشهر طرقه طريق عبد الله بن عمرو بن العاص ( وأرجح أنه
أذاعه بعد موت معاوية وبعد توبته على يد الحسين بن علي بمكة في أواخر عهد معاوية)،
وقد روي بأسانيد أقل صحة عن جابر بن عبد الله وعبد الله بن عمر، وله شواهد من طريق
آخر عن ابن عمر ( وبسبب ذلك هدد معاوية بقتل عمر عمر)، ولو كان هناك إنصاف لكان من
علامات النبوة.
7- حديث: (لعن الله الراكب والقائد والسائق) ورد في معاوية وأبيه وأخيه، وله طرق كثيرة
جداً، أغلبها صحيح لذاته، وفق منهج أهل الحديث، بل قد يصل هذا الحديث للتواتر، فهو
مروي من طرق سفينة والحسن بن علي والبراء بن عازب وعاصم الليثي وابن عمر والمهاجر
بن قنفذ، وكل هذه الطرق صحيحة الأسانيد مع
أقرار بعض أصحاب معاوية كعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة، فالحديث يقترب من
التواتر لأن الطرق كلها بين الصحيح والحسن، وسيتفاجأ هؤلاء الغلاة قطعاً بصحة الأسانيد، وإذا ضعفوها فأنا معهم
بشرط أن نطرد ذلك ثم ينظرون هل يبقى لنا حديث كثير بعد هذا التشدد، وأنا من
المطالبين بالتشدد في قبول الأحاديث، وهل أفسد غلاة السنة والشيعة إلا التساهل في
قبول الحديث؟ .
8- وحديث : الدبيلة : رواه الإمام مسلم في صحيحه، وفيه
إشارة واضحة لنفاق معاوية، ولا يعرف هذا إلا من تدبر الحديث بهدوء، فقد قاله عمار
وهو متجه إلى قتال أهل الشام جواباً على قيس بن عباد، والحديث يفيد التخليد في
النار، لأن فيه ( لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) والحديث في صحيح
مسلم، وسيأتي في بحثي هذا الحديث ما يثبت بما لا يدع مجالاً للشك عند كل ذي إنصاف
أن معاوية من هؤلاء الاثني عشر منافقاً، وهو رأي راوي الحديث عمار بن ياسر، وبه
احتج وهو منطلق لقتال معاوية.
9- حديث : ( لا تذهب الدنيا حتى تصير للكع بن لكع لا يؤمن بالله
ورسوله) ..( وهما يزيد بن معاوية وأبيه) ، والقرائن على ذلك قائمة في
الأحاديث نفسها من كون ذلك اللكع الثاني ( يزيد) سيأتي على رأس ستين! ومعنى لكع بن
لكع، يعني متهم ابن متهم، أو منافق ابن منافق، أو ملعون ابن ملعون، أو خبيث ابن
خبيث، أو لئيم ابن لئيم، على اختلاف بين أهل العلم في تفسير ذلك، روي من طرق صحيحة
عن أبي هريرة ( عند الإمام أحمد في المسند
بسند صحيح) وعن أبي بردة بن نيار (عند ابن أبي شيبة وابن أبي عاصم بسند قوي) وروي
عن أنس بن مالك ( في صحيح ابن حبان بسند صحيح)، وهو مروي عن أم سلمة وابنتها زينب
وعمر وحذيفة وأبي ذر بأسانيد جيدة وفي بعضها ضعف غير شديد، وأخرج هذه الأحاديث
الإمام أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وابن أبي شيبة في المصنف والترمذي في
سننه والطبراني في معجمه الكبير والبخاري في التاريخ الكبير، ومصادره كثيرة
جداً، وهذا الحديث يقترب من التواتر
أيضاً.
10- حديث ( اللهم اركسهما في الفتنة ركساً ودعهما إلى النار دعاً)
في معاوية وعمرو بن العاص، روي من طريق أبي برز الأسلمي ( وسنده صحيح) وله شاهدان
عن ابن عباس والمطلب بن ربيعة والأسانيد باللفظ نفسه، وللحديث شاهد بغير لفظه من
ثلاث طرق عن الإمام علي وهو حديث (شدخ الرأسين)، وقد حاول أحد النواصب (
وهو سيف بن عمر) اختراع اسمين لهذا الحديث زعم أنهما من المنافقين كعادته، وهذا من
شواهد شهرة الحديث في القرون الأولى حتى اضطر النواصب إلى تغطيته بأسماء مخترعة،
وسيف بن عمر التميمي له أكثر من حادثة يحاول فيها وضع بدائل من الضحايا، لكن سيف
متهم بالزندقة والوضع في الحديث، ودلائل التهمتين على رواياته ظاهرة جداً ولي مع
سيف بن عمر قصة طويلة، وقد يستشكل البعض بقوله: لماذا ولى عمرو بن العاص مثلاً إذا
صح هذا الحديث؟ يقال: هل قال الحديث بعد توليته ذات السلاسل أم بعدها؟ وهل أعطاه
النبي (ص) فرصة ليكفر عن ماضيه ففشل في التقاطها؟ وهل وهل .. كل هذا سيأتي في
الدراسة الموسعة عن كل حديث، ولا ريب أن ألأحاديث تتفاوت في صحتها وضعفها، ولا
نجزم بهذا الحديث كما نجزم بحدث عمار مثلاً.. ولكن الأحاديث كلها يتبع ضعيفها
قويها، ويدل قويها على ضعيفها، وكأنها خرز منظوم، فيه الخرزة الكبيرة والصغيرة،
فإذا ذهبت خرزة أو خرزتين فلا يضر العقد ذلك.
11-
حديث
عبادة بن الصامت: في أمراء السوء الذين حذر منهم
النبي (ص) وقسم عبادة أن معاوية منهم، وسنده حسن، وعبادة بن الصامت
بدري كبير، ليس من الطلقاء ولا الأعراب ولا المنافقين حتى نتهمه في روايته أو
تفسيره للحديث، وعلى كل حال فإذا لم يكن فهمه لهذا الحديث من فهم السلف الصالح
فأين سنجد فهم السلف الصالح؟ والحديث رواه الشاشي في مسنده والحاكم في المستدرك
كاملاً ورواه أحمد مبتوراً ( قام أحمد ببتر الحديث حماية لمعاوية، مثلما بتر حديث:
لا اشبع الله بطنه، إذ روى الحديث وبتر منه هذا الجزء! وثقات السلفية يفعلون هذا،
وخاصة البخاري وأحمد وأبو داود وقبلهم مالك بن أنس وسفيان بن عيينة، وأما الأمانة
التامة في النقل فستجدونها عن ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وابن سعد ومسلم والنسائي
والترمذي وابن ماجة والحاكم وابن حبان والطبري وأغلب أهل الحديث، فالمجترئون على
حماية معاوية قليل داخل أهل السنة).
12-
وحديث : (
معاوية فرعون هذه الأمة) من حديث أبي ذر وله شاهد من حديث ابن عمر من
ثلاث طرق عنه، وأسانيده صحيحة في الجملة، وهي أصح من تلك التي في أبي جهل على
الأقل، مع توفر الدواعي على كتم الأولى ونشر الثانية، ثم له شواهد كحديث التابوت
والموت على غير الملة والدعوة إلى النار ..الخ وكل مثالب معاوية تشهد لبعضها، كلها
نفاق وبغي ونار وظلم وفرعنة..الخ ، وقد حاول بعض أهل الحديث زحلقة هذا الحديث إلى أبي جهل والسند في ذلك منقطع، وأبو جهل لا
يشبه فرعون لا في سلطانه ولا سحرته! وليس له أثر في الأمة، إنما ذلك معاوية، خاصة
مع صحة الأسانيد في ذلك، ويمكن للتحقق من ذلك استعراض الآيات التي تحدثت عن فرعون،
ثم النظر في سيرة معاوية، وسيندهش المتدبر! ولا يمنع السلفية من التصحيح إلا
ألفتهم للمألوف ووحشتهم من الغريب، مع اعترافهم بأن الحق سيعود غريباً مع غربة
الإسلام نفسه، فالغربة قد تكون من معايير الصحة وليس العكس، وقد فهم النواصب هذا الحديث في معاوية، فلذلك فحاول
بعضهم معارضته وتشبيه علي بفرعون بدلاً من معاوية؛ كما فعل ابن تيمية في منهاج
السنة ( 4/ 292)! وهذه طريقة ابن تيمية، فكل الأوصاف التي عاب بها علياً في منهاج
السنة إنما وجدها وتحقق أنها في معاوية، فلذلك أراد قطع الطريق على من تسول له
نفسه اتهام معاوية، بتهديده بأن هذا الوصف أو ذاك أقرب إلى علي بن أبي طالب، فآذن
الله بالمحاربة كمعاوية، حاربه معاوية بالسيف بدعوى دم عثمان وحاربه ابن تيمية
بالقلم بدعوى السلفية، والاثنان من الدهاة، أخذ الأول أكثر الأمة في القرون
الأولى، وأخذ الثاني نصف الأمة في القرون الأخيرة! فإذا كان هذا دهاء الفقيه -
الذي ليس معه دولة - وهو ابن تيمية في
محاربة الإمام علي، وقد أخذ نصف الأمة معه،
فكيف بدهاء المنافق الذي بيده الدولة وعلمائها وقصاصها وجيوشها؟ لا بد
أن يكون أثره كبيراً جداً عند أكثر الأمة
ولو بمستويات متفاوتة، ومن هنا أتى واجب التأليف في مثالب معاوية التي وردت متواترة
أو صحيحة الأسانيد، فنحن لا نفتري على أحد، هذه هي المصادر السنية، وهذا هو الجرح
والتعديل، وهذا هو التاريخ، وقبل هذا وذاك، هذا كتاب الله ينطق في سورة الكافرون ويس والبقرة والأحزاب
والتوبة! ( وهذه قصة أخرى لها مناسبة أخرى، لكن الهداية ليست في السنة فقط، بل
القرآن الكريم أس الهداية وبدايتها ومنطلقها، ومثلما يسرد النواصب الآيات في فضائل
معاوية! بحجة أنه صحابي! فيستطيع المعارض
له أن يسرد آيات أولى بمعاوية وأبيه قد أخبرت بأحوالهم بل ومآلهم، وهي ألصق بهم من
سائر الناس)، إن حالة النفاق التي أوجدها معاوية ما زالت إلى اليوم تفتك في القرآن وتعاليمه والنبي وسيرته فضلاً
عن الإمام علي وأهل البيت.
13-
حديث
عمرو بن الحمق الخزاعي ( معاوية آية النار)
..
14-
حديث
: ( لا أشبع الله بطنه ) وما فيه من
مثالب، منها التأخر عن إجابة النبي (ص) والاستكبار في ذلك، ومنها هذا الدعاء نفسه
سخطاً عليه، والحديث في مسلم، وقد روى أحمد شطره الأول وبتره شطره الثاني.
15-
وحديث : (إذا
رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه ).. وهو موضوع كتابنا هذا.
16-
حديث : العمالقة
( وهو من شواهد حديث فرعون هذه الأمة)
17-
ومن الحواضن الجامعة
لمثالب معاوية حديث ( لا يحب علياً إلا مؤمن ولا
يبغضه إلا منافق) وهو في صحيح مسلم، وهو من الأحاديث الخمسة الكبرى في
الإمام علي[3]،
ولا ريب عند مسلم صحيح العقل والقلب، أن معاوية كان أكبر مبغضي علي عليه السلام،
ولا أدل على ذلك من تشريعه لعنه على المنابر فوق منابر الإسلام، وبغض معاوية لعلي
ليس حدثاً عرضياً يتعلق بخصومة آنية، حتى
نقول إن البغض لخصومة آنية لا تدخل في الحديث، كلا، بغض معاوية لعلي يختلف عن كل
من اختلف مع الإمام علي، والنبي (ص) وضع علامات كبرى حتى نرى معاوية كما هو،
فالحديث يتناوله قطعاً.
18-
وفي المعنى حديث الموالاة
وفيه ( اللهم وال من ولاه وعاد من عاداه) وهو حديث كثير الطرق صحيحها، ومجموعها يفيد
التواتر، وليس هناك على وجه الأرض أشد معاداة للإمام علي من معاوية، فالحديث
يتناوله قطعاً.
19-
ومن
الحواضن حديث ( لا يحب الأنصار إلا مؤمن ولا
يبغضهم إلا منافق) وكان معاوية من اكبر مبغضي الأنصار، وله معهم مواقف
كثيرة في قطع العطاء وذمهم وهجائهم وظلمهم والوصية بسفك دمائهم التي كان من
نتائجها مجزرة الحرة.
20-
ومعظم
فضائل علي والأنصار من الحواضن وتتناول معاوية بالدرجة الأولى: مثل ( من
آذى علياً فقد آذاني) ، ( من سب علياً فقد
سبني)، و ( الويل لمن أبغضك بعدي)، و(يقاتكم على تأويل القرآن كما قاتلتكم على
تنزيله)، وأحاديثه في الأنصار غير ما تقدم مثل : ( سترون بعدي أثرة) وقد جبهوا به
معاوية فسخر منه وقال ( اصبروا حتى تلقوه على الحوض، لعلكم تلقونه هناك)! وبهذه
السخرية مالت المعتزلة إلى تكفير معاوية، وهو مذهب قديم لبعض كبار الصحابة.
21- ومن
الحواضن حديث: الأغيلمة السفهاء الذين يكون فساد الأمة على أيديهم: رواه البخاري وغيره..[4] فهذا الحديث إن كانوا يصدقونه فهو يرشد إلى أن
فساد الأمة سيكون على أيدي بني أمية، وقدوتهم معاوية فهم سائرون على نهجه، وهو من
سن لهم الظلم، فظلمهم في صفحته، ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عما بها
إلى يوم القيامة.
22- وكل حديث في ذم بني أمية هي من
حواضن مثالبه وقرائنها وعواضدها وشواهدها.
إذن فهذه عشرون حديثاً
معطلة، عطلها حماة السنة ودعاتها! وليس القرآنيون ولا المعتزلة.. عطلوها وتكتموا
عليها، وتمنوا لو أن النبي (ص) سكت، فلم يخبر بشيء ولم يحذر من شيء، وهذا نفاق،
لأنه من التقدم بين يدي الله ورسوله، بل هو أسوأ، إن هذه الكراهية لبعض ما جاء به
النبي (ص) يحتوي على ناقضين من نواقض الإسلام العشرة التي أوردها الشيخ محمد بن
عبد الوهاب[5]، لا لشيء إلا لأنها وردت في حق إمام عقائدهم
وتاريخهم وشخصياتهم ومنهجهم وسلوكهم.. والحمقى يقصرون عن اكتشاف دوافع الدهاة وقوة
مكرهم؛ فيقعون ضحايا تتساقط بسهولة أمام أقدام هؤلاء دهاة الطغاة، ويقدمون لهم
الإسلام على طبق من ذهب، ليخدمهم في أي أمر أو نازلة.
خلاصة
دراسة الحديث
حديث (إذا
رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) حديث له عدة أسانيد صحيحة، وأقصد بالصحة هنا
الصحة العامة التي يدخل فيها الحسن والحسن لغيره، والآحاد الظنية الثبوت دون
المتواتر القطعي الثبوت، وأسانيد هذا الحديث – كسائر الأحاديث في ذم معاوية- هي
أصح من كل الأسانيد في فضائله الموضوعة من قبل النواصب لمواجهة ما تواتر من سوء
سيرته أو ما صح من الأحاديث في ذمه ،
وعندما نقارن مثل هذا الحديث، الذي قد يظنه أكثر الناس – لأول وهلة –
مكذوباً موضوعاً!، عندما نقارنه مع أي حديث في فضل معاوية فسنجد أنه أقوى من تلك
الفضيلة وفق المنهج العلمي الحديثي التقليدي
( منهج الجرح والتعديل عند أهل الحديث)، وإنما يحتاج الأمر لوعي سياسي
بسيط، وعلى هذا يلزم المتساهل في تصحيح فضائل معاوية أن ينظر إلى الأحاديث في ذمه
أولاً .. وسيجدها أقوى بكثير من الأحاديث في الثناء عليه، والواجب على الناصبي والسلفي
القريب منه أن يدفع هذا بهذا على أقل تقدير، أما أن نرى النواصب ومن شايعهم واغتر
بهم من غلاة السلفية متحمسين لتصحيح الأكاذيب في فضل معاوية وإعراضهم عما هو أصح
منه بالإجماع وبالمنهج نفسه الذي يعتمدونه، فهذا دليل هوىً وتعصب لأشهر ظلمة
التاريخ الإسلامي وأعمقهم أثراً في السياسة والثقافة.
ثم عندما نقول إن الأحاديث في ذم معاوية صحيحة
فإننا نأخذ في الاعتبار تلك الظروف السياسية وذلك الرأي العام المسيطر على أغلب
أهل الحديث فقد لحقهم من النصب ما لحقهم وليس أدل على ذلك من فتح أعينهم على أدنى
تشيع؛ كتفضيل علي على عثمان، وإهمالهم لأكبر نصب؛ كلعن الإمام علي على المنابر، فتراهم يتوجسون من أحاديث
الأول ولو كان صحابياً كأبي الطفيل، وينهلون من أحاديث الثاني ولو كان ظالماً
متهتكاً كمعاوية أو مروان أو حريز بن عثمان أو غيرهم ممن ثبت أنهم كانوا يلعنون
علياً.. فهذا الوضوح وهذه الفجاجة في النصب لا تخفى إلا على من أضله الله بهواه،
وأعمى بصره وبصيرته لكثرة إعراضه عن الحق، والله لا يضل إلا من يستحق الضلالة
بإعراضه عن الحق، ولا يهدي إلا من جاهد في الله، وليس من جاهد في نصرة مذهب أو شيخ
..
إذن
فنحن نأخذ في الاعتبار تلك الظروف السياسية التي تحولت مع الزمن إلى ظروف مذهبية
جعلت أكثر أهل الحديث يخشون زملاءهم وطلابهم أكثر من خشيتهم الله، وأصبح هناك
عقيدة ثابتة يجب نصرتها ولو عاندت النصوص الشرعية، وعن هذه العقيدة تفرع كثير من
الجرح والتعديل، فتم تكذيب الصادق، وتصديق الكاذب، وتخوين الأمين، وائتمان
الخائن،وهكذا تتفرع الأمراض المميتة من مرض قديم لم نحسن دراسته وتحليله وتقييمه
وتقييم آثاره على الثقافة بما فيها من عقائد وفقه وحديث وجر ح وتعديل ..الخ.
وتلك الظروف لا يظنن أحد أنها انتهت بنهاية
الدولة الأموية، كلا .. فالأفكار تبقى بعد سقوط الدول، وهاهو الإمام السني الكبير
أبي عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي صاحب السنن يقتله النواصب سنة 303هـ بعد سقوط
الدولة بأكثر من (170) سنة، لأنه لم يوافق على افتراء حديث في فضل معاوية! ولو أن
الشيعة هم الذين قتلوه لصنفت السلفية في فضله والحزن عليع المصنفات، وهاهو الحاكم
( 405هـ) يضرب ليفتري حديثاً في فضل معاوية بعد سقوط الدولة الأموية بنحو ثلاثة
قرون.. وهكذا فالأمثلة كثيرة جداً..
فالظروف التي أحاطت بأهل الحديث والعقائد
السلفية لم تتح لهم أن يروا الأمور بتجرد حتى لو أرادوا، هذه الظروف هي التي تضغط
ضد رواية مثل هذه الأحاديث في ذم معاوية، لأنه إذا كان بعض أهل الحديث قد قتل وجلد
لأنهم لم يضعوا أحاديث في فضائل معاوية، فكيف بمن روى في ذمه؟ بل إلى اليوم يجد
الباحث صعوبة في ترديد حديث متواتر في ذم معاوية ( كحديث عمار) بينما يجد الثناء
والترحيب إذا صحح أكاذيب في فضله..
ومع
ذلك يجب أن ننصف أهل الحديث حتى لو اختصروا أو جعلوا لفظة ( فلان) بدلاً من لفظة (
معاوية) لأن الشعور بالغربة الاجتماعية شديد على النفس، ولا يتحمل هذه الغربة
الاجتماعية إلا القلة ممن وفقهم الله لمراقبته فقط وعبادته فقط.. وهؤلاء قليل (
وقليل من عبادي الشكور) ولا أرى نفسي من هؤلاء، ولكن نزحف ونحاول، والله يعفو عنا.
لكن
يبقى التأكيد على أن الرواة لمثل هذه الأحاديث من أهل الحديث، يشكر لهم روايتها
لأنهم بروايتها يكونون قد ضحوا بكثير من سمعتهم ومكانتهم في سبيل رواية ما سمعوا،
بينما الوضاعون للأحاديث في فضائل معاوية كانوا في وضع مريح سياسياً واجتماعياً
ومذهبياً..
ثم إن
المتقدمين من أهل الحديث كانوا أكثر إنصافاً من متأخريهم، لذلك لا بد أن نسجل
غرابتنا من محاولة أهل الحديث حشر كل هذه الأحاديث بتكلف شديد في كتب الأحاديث
الضعيفة والموضوعة، بينما هم أنفسهم يصححون بتلك الأسانيد أحاديث أخرى في موضوعات
أخرى، فهذا تحكم وعصبية فرضتها العقائد المستقرة، ولم يفرضها العلم والإنصاف،
فلذلك لا يستغرب القاريء أن يكون معظم الأحاديث في ذم معاوية لن نجدها إلا في كتب
الضعفاء والموضوعات!
إذن على التنزل بأن هناك أحاديث في فضل معاوية
وفي ذمه، مع إيماني المطلق بأنه لم يرد في فضله حديث، وأن كل الأحاديث في فضله
موضوعة مكذوبة على رسول الله، إلا أنه عند التنزل لو اعتبرنا أن بعضها صح إسناداً،
فهنا إن أمكن الجمع فهذا جيد، كأن يقال بأن هذا الفضل كان دعاء والدعاء لم يستجب،
بينما مثل حديث عمار إخبار – مع تواتره- والخبر مقدم على الدعاء.
وكذلك الإخبار بأن معاوية يموت على غير ملة
الإسلام ( وهو أقل صحة من حديث عمار بلا شك، إلا أنه أقوى من جميع فضائل معاوية
مجتمعة) فهنا يقدم الخبر على الدعاء.
وإن لم يمكن الجمع فإنه عند التعارض يجب تقديم
الأقوى، والقوة لا تقتصر على قوة الإسناد فقط بل يجب أن يضاف إليها الأصعب ظروفاً
والأكثر تحملاً للظروف السياسية والمذهبية على الضعف والأكثر راحة سياسياً
ومذهبياً، فكيف إذا توافقت هذه القوة مع قوة الإسناد، فالقوة هنا تتضاعف.
قد لا
يقتنع كل الناس بأي أثر للاضطهاد السياسي وأثره على الأحاديث تصحيحاً وتضعيفاً،
إلا بعد تجرد نية وبحث جاد، لذلك سنقتصر على دراسة الأسانيد والمقارنة بينها فقط
إلا ما دعت الضرورة للإشارة إليه.
الحديث ومحاولات إخفائه من المصادر
أو تحريفه:
وحديث ( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) قد
روي بأسانيد بعضها حسن لذاته ولا ينـزل الحديث بهذه الأسانيد عن رتبة الحسن عند
المتشددين من المحدثين وهو مروي من أكثر من عشر طرق، وقد بدأت تتناقص وتختفي مع
الزمن، بل حذف الحديث من بعض المصادر القديمة كمصنف ابن أبي شيبة أو مسندة، ولم
نجده إلا في بعض الكتب الناقلة عنه كالمطالب العالية، وما زال تتبع الأحاديث التي
في ذم بني أمية وحذفها أو تضعيفها أو تحريفها قائم إلى اليوم والأمثلة كثيرة جداً،
كما أن هناك محاولات قديمة لنقله من المرفوع إلى المرسل والتشويش على ذكر اسم
معاوية ( كما فعل البخاري، وسيأتي نقد كلامه)، فلا بد أن نستحضر هذه الظروف التي
حاربت هذا الحديث وأمثاله من الأحاديث في ذم أعلام من بني أمية، وهؤلاء الأعلام
كانوا سلف ( حقيقي) لغلاة السلفية، فلذلك نجد الحرص الشديد عند غلاة السلفية
لحماية سلفيهم من النبي (ص)، ولكن الله متم نوره ، ومن فضل الله أنه يجعل الخذلان
والتناقض في كلام هؤلاء، فلا يقولون حجة في مكان إلا نقضوها في مكان آخر، وما
ضعفوا راوياً هنا إلا صححوا له هناك! ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، وإني
لأعجب من بعض هؤلاء على علمهم كيف يختارون إخفاء ما بينه النبي (ص) تحذيراً للأمة
من الفتن بعده، وكأن النبي (ص) كسائر العلماء يؤخذ من قوله ويترك! وهذا نفاق، ولا
يبغض علياً إلا منافق، كما أنه لا يحب المنافقين إلا منافق، ولا يحب الظالمين إلا
ظالم، ومتى انحرفنا عن الهدى الذي أتى به النبي (ص) فلن نجد أهدى منه لا عند ابن
تيمية ولا غير ابن تيمية، وعلى كل حال سيأتي أثناء نقد المعارضين لهذا الحديث
البيان الكافي الشافي على أن أهل الأهواء من النواصب هم من أكثر الفرق امتعاضاً
لبيان النبي (ص) ويظهر هذا الامتعاض في صور شتى سترونها أثناء استعراضنا للأحاديث
في ذم معاوية، ولو اتفق المسلمون على ذم من ذمه الله ورسوله (ص) لانتهى أكثر الخلاف،
ولأمكن اكتشاف ذلك التحريف الكبير الذي صدر أدخله هؤلاء المذمومين في دين الله،
وهو تحريف كبير جداً لن يكتشفه من يحب الأبالسة، لأنهم يشكلون الغطاء الأكبر على
القلوب، حتى أصبح قتل النفس المحرمة من أحب العبادات عندها! والأمثلة كثيرة في
التاريخ وفي عصرنا الراهن، فمن أين أتى كل هذا؟ أتى من الإعراض عن الأنبياء
وتحذيراتهم والإقبال على مناهج إبليس وأوليائه ومن يحسن الظن بهم! وقد حذرنا الله
في قوله (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) لكننا
لم نوافق على الالتزام الحرفي بهذا التحذير الإلهي، ولسان حالنا يقول لا بد أن
يكون لنا شيء من الأمر، نعوذ بالله من الهوى المضل عن سبيل الله ورسوله.
إجمال في طرق الحديث:
وطرق هذا الحديث هي:
1-
حديث أبي سعيد
الخدري ( رواه عنه ثقتان، أبو نضرة وأبو الوداك، ويحتمل أن الحسن البصري رواه عنه
أيضاً كما في بعض الطرق إلى الحسن البصري)
2- حديث رجل من الأنصار – في أحد إسنادي أبي سعيد
أيضاً-
3- حديث سهل بن حنيف ( من رواية ابنه أبي أمامة
عنه)
4-
حديث عبد الله بن مسعود (رواه عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عنه)
5- حديث جابر بن عبد الله ( وعنه أبو الزبير، ولكن أحد النواصب حرف لفظه )
6- حديث جماعة من أهل بدر ( رواية الحسن البصري عنهم في أحد الطريقين
إليه)
7- حديث عبد الرحمن بن سهل الأنصاري ( بدري =
لأبقرن بطنه) من رواية محمد بن كعب القرظي عنه.
8- حديث أبي ليلى الأنصاري ( فابقروا بطنه)
9-
حديث محمود بن لبيد عن بدريين من بني عبد الأشهل
10-
حديث أنس بن مالك ( فابقروا بطنه)- من رواية الأعمش عنه
11-
حديث الحسين بن علي ( فابقروا بطنه)
12-
حديث الحسن البصري مرسلاً: رواه عنه إسماعيل[6] والأعمش (
عند البلاذري) ويونس بن عبيد ( في علل أحمد)
وعمرو بن عبيد ( عند ابن عساكر وابن الجوزي وابن عدي وغيرهم) ( وفي بعض طرقه
أن روايته تلك عن جماعة من أهل بدر، وفي بعض الطرق ما يشير إلى أنه رواه عن أبي
سعيد الخدري وحده، فإن صح هذا فيكون قد رواه عن أبي سعيد الخدري ثلاثة من
التابعين).
13-
حديث حذيفة بن اليمان ( من رواية بلال العبسي
عنه)
14-
حديث أبي ذر.. من رواية جلام الغفاري..
تنبيه مهم: الحديث المقارن:
سيلحظ القاريء الكريم أنني في هذا الحديث
والسلسلة القادمة، سأنظر مدى اتفاق السنة والشيعة على رواية هذه الأحاديث، وهل هي
عند الشيعة بطرقهم أم بطرقنا، لأنني وجدت كثيراً من الناس في هذا الزمن تعجبهم
الدراسات المقارنة في الفقه والحديث والعقائد.. مع أن الأصل هو البحث في مصادر أهل
السنة، ولا نعول على شيء انفرد به الشيعة لا الإمامية ولا الزيدية مع احترامي
للمذهبين، فإذا انفردوا بحديث لا ألتفت إليه.. سواء كان فعلي صواباً أو خطأً، إلا
أنني أؤمن بألا يخوض الإنسان إلا فيما يعلم، ومجرد الاطلاع على كتب مذهب من
المذاهب عقيدة كانت أو فقيهة أو سلوكية أو فلسفية لا يعني هذا العلم، وإنما مجرد
اطلاع قد يسمح لك بشيء من المقارنة، ولا أستحي إذا قلت إنني أجهل كثيراً من رجالهم
ومنهجهم في الجرح والتعديل.
ولكن مع هذا ليسمح لي أبناء المذهبين بعتب من أخ
لهم، وهو أنني لا أرى لهم اهتماماً كافياً بعلم الرجال، إضافة إلى أن الأخوة
الإمامية لا أرى لهم اهتماماً بحفظ القرآن الكريم، حتى أن بعض علمائهم الكبار
يخطئون في الآية والآيتين عند تلاوتها، وهذا يدل على انكباب على الرواية وإهمال
القرآن الكريم، أما الزيدية فهم ألصق الفرق بالقرآن الكريم يعرف هذا من قرأ كتبهم،
إلا أنهم يشاركون إخوانهم الإمامية بالضعف في علم الرجال.
بينما هناك كثافة سنية هائلة في علم الرجال
والعلل، مع حفظ للقرآن الكريم إلا أنه صاحب ذلك ضعف شديد في التدبر، بل قد يرد
أحدهم خمسين آية بحديث حسنه الألباني أو الهيثمي! وهذا غلو في التمسك بالحديث،
كغلو الإمامية تماماً، إلا أن السلفية أكثر حفظاً للقرآن الكريم.
وهجر القرآن الكريم مع المبالغة في الإقبال على
الراوية مصيبة عامة يشترك فيها الإمامي والسلفي في الغالب - وفي المذهبين
استثناءات- بينما تتفرد الزيدية بالتصاقها بالقرآن الكريم أكثر من السنة
والإمامية، وخاصة في المتقدمين، هذا ما أراه والله أعلم وما قلت هذا إلا من باب
الشهادة أولاً ثم النصيحة للجميع بتسديد النقص.
والدعوة عامة للمراجعة والنقد الذاتي، فأنا
أؤمن أنه داخل كل مذهب هناك مساحة واسعة للنقد الذاتي، وعلم الرجال إذا اقترن
بالاهتداء بالقرآن الكريم ثم مع توفر الوعي التاريخي ثم العلم الدقيق بالمؤثرات
الخارجية على الجرح والتعديل فإنه يمكن أن ننتقل من حالة التقوقع التي يعيشها
المسلمون إلى حالة أفضل من التواصل والانفتاح العلمي.. وإذا كان الانفتاح على
الثقافات الإنسانية وطرق البحث العلمي عند الأمم، فمن باب أولى انفتاح المسلمين على ثقافاتهم ومناهجهم في
الحديث وغير الحديث.
وهذا
لا يعني أنني سأمزج بين الجرح والتعديل عند الشيعة والسنة، كلا.. سأقتصر على الجرح
والتعديل السني لكن بروح منفتحة تدرك الأثر السياسي على الوضع المذهبي ثم تدرك
الثر المذهبي على تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وهذا المنهج أولى من التعجل في (الجرح
والتعديل المقارن) إن صح التعبير.
ويمكن
للباحث السني الحر – كما أصنف نفسي وأعرفها- أن يقول الحجة بنفسه ولا يخشى في الحق
لومة مذهب ولا سلطة سياسية أو دينية، هنا يكون عبداً لله لا للمذهب.. وأن يأخذ
الحق ممن أتى به .. ولا يغتر بكثرة الخبيث
ولا قلة الطيب، فقليل من الطيب من القول، أولى من كثير من الخبث، ولو
أعجبنا هذا الخبث واستظهرنا به على الناس، واستطلنا به على عباد الله، وجولة الحق
خير من دولة الباطل.
هذه
المباديء والمنطلقات السنية العظيمة لم يشوهها إلا أبناؤها، بتعصبهم واغترارهم
بالكثرة ونفورهم من الإنصاف، وخشيتهم أنهم إن أنصفوا كان هذا الإنصاف حجة للشيعة،
وأن الوقت وقت صراع وليس وقت علم وإنصاف.. الخ، وأنا آسف عندما أرى أن هذه الأعذار
العجيبة تسري بين عقلاء من أهل السنة، وكأن الله يطالبنا بالصراع مع الآخر، وليس
الشهادة لله.. وكأن الآخر إن أفحش وظلم السابقين فإن علينا أن ننصر الظالمين!
ماهذا؟ أين وصل تفكيرنا وديننا ونظرياتنا؟ وإلى
أي منحدر نأخذ الشباب السني؟ هل نريد أن يشعر شبابنا بالسأم والملل من ضيقنا
بالرأي ومناقشته؟ والرد عليه بعلم إن كان باطلاً ؟ وقبوله إن كان حقاً؟.. ما أدري
ماذا أصاب أهل السنة اليوم؟ لا أكاد أرى عالماً سنياً يناقش إلا ونفسه مضطربة
حرجاً كأنما يصعد في السماء! هذا إن قبل بالحوار أصلاً! ويظنون أن الاستنصار
بالعامة والاقتصار على الظهور في القنوات وكتم الرأي الآخر سيدفع الشباب للسير
معهم؟
كانت
هذه شقشقة باحث سني حر يؤسفه ما عليه قومه من الانحدار نحو المذهبية للمذهب فقط،
والعصبية للعصبية فقط.. وهذا أمر مخيف، وهذا لا يعني أن الآخرين ليس فيهم من
العصبية ما فينا، بل لعل عصبيتهم أعظم، ما أدري – يحتاج الأمر إلى دراسة- إلا أنني
إن رأيت علماء ألآخرين وهدوءهم في المناقشة أعرف الفرق.
ها
أنذا في الرياض منبع السلفية الحديثة، وأعرف كيف يتحاور الناس – حتى وهم أصحاب فرع
من مذهب- وكيف يتعادون ويتباغضون ويشيدون الاصطفافات التفصيلية، فلم يعد الأمر
فرزاً بين السلفية والأشاعرة أو الصوفية، وإنما أصبح الباحث لا يستطيع أن يدرك
كثرة التفريعات والتصنيفات داخل كل فرع من فروع السلفية، وهذا نتيجة للظلم القديم،
ورفض التصحيح، والخشية من الانفتاح، وضعف مناهج التعليم..الخ.
التفصيل في دراسة طرق الحديث:
وهذا
هو التفصيل في طرق الحديث:
الطريق الأول: حديث أبي سعيد الخدري..
وروي عن أبي سعيد من طريقين – بل أحدهما يصححه ابن تيمية إذا أتى بأحاديث
أخرى!
وأقوى الطريقين وأشهرهما طريق علي بن زيد بن
جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري،
وهذا الطريق مشهور عند أهل الحديث رووا من طريقه عشرات الأحاديث في الأحكام
والعقائد، وصححوها[7]، والأحاديث
عن علي بن زيد بن جدعان وحده – وهو أضعف رجل في الإسناد عندهم- كثيرة جداً، تبلغ
نحو ثلاثة آلاف حديث بالمكرر، وهذا عدد ضخم، ومن الصعب ألا نستبعد من أحاديثه إلا
هذا الحديث في ذم معاوية! فهذا تحكم وعصبية، لا سيما وأنه توبع ولم ينفرد به، لا
هو ولا شيخه ولا شيخ شيخه، بل له طرق شتى رويت في زمن صعب، ولاستفاضتها وكثرتها
فقد فرضت نفسها على كل الظروف السياسية والمذهبية والبلدانية ووصلتنا عبر هذا
الزمن المليء بالحصار والتحريف والبتر والإخفاء والتحفظ والاستنكار .. وما زال الإرهاب
الفكري يطارد رواتها ومصححيها إلى اليوم، وهذا جزء من الابتلاء المصاحب للحق
وأهله، وأرى أن هذا الحديث يندرج تحت أصل عام وهو : هل حذر النبي (ص) أصحابه من
الفتن بعده؟ وهل أوضح لهم ما ينجيهم وضوحاً تاماً لا يزيغ عنه إلا هالك؟ أم أن
تحذيره كان عاماً لا يمكن أن يعطي هداية ولا يرفع شكاً.. الخ.
أنصار
معاوية يعترفون مثلما يعترف بقية المسلمين بأن النبي (ص) لم يتركهم سدى، وانه قد
أبان لهم المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، ومن تمام ذلك
البيان وكماله أن يخبرهم برؤوس الشر بعده، وأن يكون هذا الإخبار واضحاً لا لبس
فيه، حتى تقوم الحجة على من خالف ذلك.
وهناك
شبهة يقولوها البعض وهي: لماذا إذن لم يقتل النبي (ص) هؤلاء الأشرار الذين سيفسدون
في أمته ويحرفون دينه فيريح الأمة منهم؟
وهذا
السؤال لا يطرحه إلا مستكبر أو أحمق.. لأن الله أقدر على إماتة هؤلاء فلماذا لم
يتوفهم قبل أن يفسدوا في الأمة؟ إن لله حكمة في عباده بأن يبقى الابتلاء والاختبار
إلى يوم القيامة ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون؟) فالابتلاء
غاية من غايات الخلق، ولن يتحقق إلا بوجود إبليس وأوليائه بما معهم من زخرف الدنيا
والقوة، وفي الجانب الآخر يكون الدليل والبرهان والعقل والعدل وسائر الفضائل.. ثم
أنت أيها الإنسان في الوسط وتختار.. بين الدنيا وزينتها وبين البرهان وتلك
الفضائل.. وأكثر الناس بلا شك يختارون الدنيا والكثرة والمال والسلطة والمصلحة،
وهذه الأكثرية الضالة قد أخبر الله بها في كتابه فلا مجال للشك فيها، وهذا هو ما
نراه في الواقع، فالكثرة الحديثة مع الكثرة القديمة، في الإعراض عن الهدي القرآني
قبل الهدي النبوي..
فلذلك
نرى أن مثل هذه الأسئلة الاستكبارية لا يطرحها أهل العلم بالله وسننه في خلقه،
وإنما يطرحها الحمقى والمستكبرون، ولكن الحمقى يطردون في الأسئلة، فيقولون: لماذا
لم يقتل الله إبليس ويهلك الظلمة ويزلزل الدول الاستكبارية ويخسف بإسرائيل.. الخ وهؤلاء حمقى لا يعرفون
غايات الله في خلقه كالابتلاء والاختبار .. ولا يقفون عند الآيات الكريم ( ليبلوكم
في ما آتاكم) .. ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً..) ونحو هذا من الآيات التي تخبرها
بأسباب بقاء الشرور في هذا العالم..
كانت
هذه مقدمة استباقية تمنع الحمقى والمستكبرين من طرح الأسئلة المفسدة للقلوب
والعقول، حتى يقرأ القاريء هذه الأحاديث ويصلي على النبي (ص) بأنه قد حذر أمته من
كل ما يضرها وأرشدها إلى كل ما ينفعها .. لم يكتم خيراً إلا دلهم عليه، ولا شراً
إلا حذرهم منه وأمرهم بمقاومته.. وهذا الحديث هو جزء من تلك التحذيرات الكثيرة
التي لم يطبقها أكثر الناس، وإنما هابوها ثم تأولوها ثم أهملوها ثم ضعفوها .. كما
تأولوا غيرها وهابوا غيرها وضعفوا عن غيرها ..الخ، ولو كان الجيل الأول مطبقين لكل
أوامر النبي (ص) لما تنافسوا في الدنيا ولا تقاتلوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا
..الخ، وهذا كله حصل باعتراف الجميع كما أن تحذير النبي (ص) لأمته هذه التحذيرات
صحيحة بإجماع الجميع أيضاً، كما أن مخالفتها ثابتة بإجماع الجميع، فلم يبق لحديث
معاوية خصوصية حتى نحرقه بالأسئلة، وكأن الصحابة نفذوا جميع الأوامر إلا في موضوع
معاوية..
كلا
.. النكوص عن أوامر النبي (ص) ونواهيه كان كثيراً وفي كثير من الموضوعات.. ومن شاء
أن يعرف ذلك فهذه كتب الحديث ملأى بتحذير الصحابة من أمور وأمرهم بأمور أخرى .. ثم
انظروا كيف كان الواقع مع هذه الأوامر والنواهي، واجعلوا الأمر بقتل معاوية في ذيل
تلك الأوامر، فإن وجدتم أن الأوامر الأخرى قد طبقها الصحابة فارفضوا عندئذ هذا
الحديث وضعفوا كل من رواه وردوا على كل من صححه، وأما إن وجدتم أن إهمال الأوامر
هي الأصل فلا يجوز استثناء موضوع معاوية بعد تحقق أمثاله وصحة أسانيده.
مصادر وطرق وألفاظ حديث أبي سعيد:
وهذا
الطريق لحديث ( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) من رواية أبي سعيد، له طرق
كثيرة صحيحة عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد.. فقد رواه عن علي بن
زيد بن جدعان كل من سفيان بن عيينة وجعفر بن سليمان الضبعي وحماد بن سلمة،
وثلاثتهم ثقلت مع تنوع مذهبي، فابن عيينة وحماد بن سلمة ميولهم حديثية سلفية
عثمانية أقرب لبني أمية منها إلى آل البيت، وجعفر بن سليمان الضبعي محدث له ميول
شيعية، وثلاثتهم ثقات، ومن أهل البصرة، تلك البلدة العثمانية المنحرفة عن الإمام
علي[8]، فاتفق السنة
والشيعة في مدينة عثمانية ناصبية على رواية هذا الحديث عن علي بن زيد بن جدعان،
فيبقى التحقيق في علي بن زيد وشيخه أبو
نضرة إذ هما محل البحث.
أما
رواية الثلاثة الثقات عن علي بن زيد به؛ ففي هذا الطريق الذي أخرجه ابن عساكر
الدمشقي في تاريخ دمشق (59/ 155-156) من طرق عن حماد بن سلمة وجعفر بن سليمان
الضبعي وابن عيينة ثلاثتهم عن علي بن زيد بن جدعان بالإسناد والمتن ولفظه ( إذا
رأيتم معاوية على منبري، - وفي لفظ : على هذه الأعواد- فاقتلوه).
وكذلك رواه ابن عدي رواه من طرق عن علي بن زيد بن
جدعان به كما في الكامل لابن عدي (2/146) – انظر ترجمة جعفر بن سليمان الضبعي-.
ولفظ الحديث كما عند ابن عساكر في (تاريخ دمشق -
(ج 59 / ص 156): من طريق عبد الرزاق أنا جعفر بن سليمان عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن النبي ( صلى الله عليه وسلم
) قال : ( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)
ثم نقل عن ابن عدي قوله: ( وهذا الحديث إنما رواه عبد الرزاق عن ابن عيينة عن علي بن
زيد وهو بجعفر أشبه).
قلت: لا يحتاج الأمر لتخيير بينهما، فكلاهما قد
روى الحديث عن علي بن زيد، وتابعهما حماد بن سلمة، وروي عنهما وعنه من طرق صحيحة،
وكأن ابن عدي يلمح إلى أن جعفر بن سليمان متشيع وسفيان بن عيينة سلفي فيه نصب،
وعلى هذا فالحديث أشبه بجعفر بن سليمان، وهذا صحيح، ، لكن سفيان بن عيينة في آخر
الأمر صاحب حديث، وأهل الحديث تدفعهم شهوة الحديث أحياناً إلى رواية ما لا يعجبهم،
وخاصة إذا وثقوا في الإسناد، وتأخر زمنهم وعلت أسانيدهم، وشيخه علي بن زيد متقدم (
توفي نحو 131هـ) فهو قديم وسفيان بقي إلى أن علا إسناده فروى كل ما سمعه من الشيوخ
المتقدمين.
ثم أورد ابن عساكر من طريق ابن عدي نا محمد بن سعيد
بن معاوية النصيبي نا سليمان بن أيوب أبو عمر الصريفيني نا سفيان بن عيينة عن علي
بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )
قال : (إذا رأيتم معاوية على منبري فارجموه).
وساق
ابن عساكر من طريق ابن عدي عن الفضل بن الحباب نا محمد بن عبد الله الخزاعي نا حماد
بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد: أن رسول الله ( صلى الله عليه
وسلم ) قال : (إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه) قال فقام إليه رجل من الأنصار وهو يخطب بالسيف فقال أبو سعيد ما تصنع؟
قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول : ( إذا
رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه)، فقال له أبو سعيد إنا قد سمعنا
ما سمعت ولكنا نكره أن يسل السيف على عهد عمر حتى نستأمره فكتبوا إلى عمر في ذلك فجاء
موته قبل أن يجئ جوابه) اهـ وهذه أكمل رواية للحديث ومناسبته.
إشكالات على مناسبة الحديث والجواب:
هنا في الحديث أن معاوية خطب في حياة عمر فأين
كان ذلك؟ وأنهم أرادوا قتله، وأن عمر مات في تلك الساعات.. متى كان هذا؟ وأين؟ لا
سيما وأن المشهور أن معاوية في الشام وعمر في المدينة؟ وكذلك أبو سعيد لم يفد إلى
الشام على عهد عمر حتى تقع القصة في الشام؟
كما أن ظاهر الحديث أن خطبة معاوية كانت أيام وفاة عمر ولم يكن بين
الح=خطبة وموت عمر كبير فرق؟ وربما كانت الوفاة قبل الخطبة بيسير من الوقت؟ هذه
كلها ألغاز وإشكالات لا يعرفها من لم يدقق في التاريخ.
والجواب: أن هذه الواقعة قد حدثت في المدينة أيام مقتل
عمر أواخر عام 23هـ بعد الحج مباشرة، وقد كان في ذلك العام أن حج
الأجناد وأمراؤهم مع عمر، ومعاوية من هؤلاء الأمراء، وهذا ما يرجح بأن لمعاوية
دوراً كبيراً في مقتل عمر، فمقتل عمر - في بحث لي خاص- أرى أنه تم بتخطيط من
معاوية والمغيرة بن شعبة – على ما يظهر لي مما لم تنطق به الروايات- فأبو لؤلوة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة لا
يعقل أبداً أن يقدم على قتل خليفة المسلمين من أجل ثلاثة دراهم زادها عليه المغيرة
بن شعبة! فهذا جنون لا يفعله عاقل إلا بعد ترتيب ووعد بالحماية وتحريض وتهديد..
والغريب أنهم زعموا أن أبا لؤلؤة نحر نفسه! (
وهذا عجيب أيضاً! ومن الصعب أن ينحر الرجل نفسه، فلعلهم قتلوه حتى يختفي السر، فلا
أعلم أحداً نحر نفسه لا قبله ولا بعده).
أما القصة المعقولة عندي فخلاصتها أن معاوية والمغيرة وقريش وحلفاءهم قرروا
التخلص من عمر بن الخطاب جسدياً بعد أن ضيق على الرأسماليين وبدأ يحاسبهم ويشك
فيهم، وكان قد عزم على السفر إلى الشام بعد الحج مباشرة والبقاء فيها حولاً كاملاً بعد أن وصله عن
الشام وأميرها كثير مما يوجب الريبة والمراقبة والاطلاع على عمله عن قرب، فهذه
وصلت معاوية! ووصله أمر آخر أكثر خطورة
وهو أنه علم – عبر جاسوسه المغيرة
بن شعبة- أن عمر يرجح علياً للخلافة بعده لقوله للمغيرة : ( لو ولوها الأجلح –
يعني علياً - لسلك بهم الطريق ولو كان
السيف على عنقه) فاجتمع هذا السبب مع عزمه السفر إلى الشام والنظر في أحوال أهلها
وصالحيها بعد أن أبلغه عبادة بن الصامت عن معاوية وأعماله فيها! كانت أسباباً
كافية لمعاوية لتصفية عمر جسدياً، إضافة إلى ما شاع عن عمر من تنقصه لمعاوية وندمه
على توليته ووصيته أن يبعد الطلقاء عن الخلافة والشورى في أمور كثيرة تدل على توجس
عمر من معاوية شراً وكان عمر قوي الفراسة، إلا أن دهاء معاوية كان عظيماً جداً
فتغلب دهاء معاوية على فراسة عمر وسارعت بقتله، ولم يكن معاوية وحده، فقد كان معه
جل قريش من الطلقاء وحلفائهم، وكانت معه ثقيف
بأعورها الداهية الآخر ( المغيرة) الذي قيل عنه أنه يستطيع أن يخرج من
أبواب المدينة الثمانية كلها بمكر واحد! مع حلفاء أقوياء من قريش وخاصة بني مخزوم
وبني عبد شمس وقريش الظواهر كلها وكل بني سليم بزعامة أبي الأعور السلمي وحلفاء
آخرين أقل قوة كالأزد ومنها دوس وكذلك ثقيف وبجيلة..الخ، إضافة إلى نصارى الشام من
قبائل العرب وغيرهم كقبائل كلب وحمير وسائر قضاعة..فكان مع معاوية ما يستطيع به أن
يطمئن على مركزه، فلذلك جرى ما جرى من تخطيط لقتل عمر بعد وعدهم أبي لؤلؤة أنه لن
يصيبه مكروه وأنه سيكون بجانبه من يخرجه من المسجد ويخرجه من جزيرة العرب بأمان
إلى بلاد فارس أو العراق، وإن لم يفعل فعليه الويل والثبور له ولعائلته التي معه
في المدينة، وكان أبو لؤلؤة ساذجاً ففعل فعلته النكراء، ولما شعر بأن حماته أرادوا
قتله طعن منهم من طعن، وطعن غيرهم، وكان عدد من قتلهم نحو العشرة ثم ذبحه محرضوه
ليختفي الدليل، ثم زعموا أنه نحر نفسه!
وكان معاوية قد رتب من يذيع لعبيد الله بن عمر
بن الخطاب بأن الهرمزان هو قاتل عمر ( وكان عبيد الله بن عمر ربيب معاوية) وأن بعض
المهاجرين قد أعان الهرمزان، وكأن معاوية والمغيرة يريدان اتهام المهاجرين ومنهم
علي وسعد وعبد الرحمن بن عوف حتى يفقدون حظوظهم
في الخلافة!
فكانت
أمور لم يتم فيها التحقيق الجدي في من أشار على أبي لؤلؤة؟، ولم يتم استجواب
المغيرة بن شعبة؟ ولا سؤال أهل المغيرة عن أحوال مولاه أبي لؤلؤة؟ ومن آخر الناس
عهداً به في الأيام الأخيرة؟ وخاصة بعد شكواه لعمر من فعل المغيرة إن صحت القصة
أصلاً! ولم يتم كل هذا، وإنما مات الخبر بقتلهم لأبي لؤلؤة..
ولكن ما تحت السطور وما فوقها يدل على أن مقتل
خليفة كعمر .. لن يقوم به مولى من تلقاء نفسه، ولن يقوم به رجل من كبار المهاجرين
يؤمن بعصمة دم المسلم فكيف بالخليفة العادل الذي وقف حجر عثرة أمام أطماع قريش
وحلفائها في البذخ والأموال والولايات..الخ، فالخلاصة أنه يوم موت عمر كان معاوية
نفسه في المدينة هو وسائر أمراء الأمصار مع أجنادهم، وكأنه لما علم من الطبيب أن
عمر سيموت قريباً انتظر معاوية حتى علم بموت عمر قبل الحاضرين فقد كان ربيبه (
عبيد الله بن عمر بن الخطاب من أهل بيت عمر) فلما علم بموته قبل أكثر الناس صعد
المنبر النبوي وخطب، فهنا تذكر من تذكر من الصحابة كابي سعيد وذلك الأنصاري – ولعل
أكثرهم لم يكن في المسجد كانوا مذهولين أو غياباً ولا يمكنهم أن يبقوا معسكرين في
المسجد النبوي ولعل خطبة معاوية كانت في غير وقت الصلاة .. وكانت خطبة سياسية –
إذن
لما رآه أبو سعيد وغيره من الصحابة ممن أراد قتل معاوية أرادوا تنفيذ الأمر النبوي، وكان سر الأمر
النبوي بقتل معاوية أنه في ساعة صعوده إلى المنبر كان مستحقاً للقتل، ولأنه سيحكم
دولة عثمان و لأنه قاتل عمر بالتوجيه والأمر والإكراه والإطماع لمولى حليفه المغيرة، ويكون صعوده على المنبر
في ذلك اليوم يوم مقتل عمر بداية التحول في مسيرته من السرية إلى العلنية، وكان
عمر باب الفتنة – كما في حديث حذيفة- ذلك الباب الذي كسره معاوية ليدخل الناس في
الفتنة عبره، تلك الفتنة لا يدري فيها المسلم أيركب الحق أم الباطل! فتن كوجوه
البقر لا يعرف أيها من أي؟! كما قال حذيفة أيضاً.
وما زلنا إلى اليوم في الفتنة الكبرى من ذلك اليوم الذي صعد فيه
معاوية على المنبر النبوية وهو اليوم الذي مات فيه عمر بمؤامرة معاوية مع المغيرة
بن شعبة وغيره من أصحاب المصالح، ونكوص الناس عن قتل معاوية دليل على تمكن معاوية
وحلفائه من الأمر ، وأن الصحابة قد أصبحوا في قلة وذلة لا يستطيعون أن يجبهوا
أجناد تلك الأمصار، وخاصة جند الشام الذين كانوا يحيطون بمعاوية وهو يخطب،
وباستطاعتهم منع أي صحابي من تحقيق أمر النبي (ص) بقتل معاوية، لأنه لو قتل في ذلك
اليوم لكان القصاص أولاً من قاتل عمر الحقيقي، ولأمكن المسلمين تجنب الآثار السيئة
العظيمة التي خلفها معاوية على الفكر والدين والسياسة والعقل .. والحديث في إثبات
هذا واستنتاجه يطول جداً، لأن الحقيقة مفرقة مبعثرة في الروايات، ولا ينقصها إلا
طرح الأسئلة! وها
نحن طرحناها مع بعض الأجوبة، ومن دقق في التاريخ وجد شواهد أخرى ..
عودة إلى أسانيد الحديث:
إذن
فكان بيان هذه المناسبة ضرورياً لفهم هدف الحديث ومعناه وظروفه..
ثم
ذكر ابن عساكر طرقاً أخرى للحديث عن جابر وابن مسعود وغيرهما، وستأتي إنما كلامنا
هنا في حديث أبي سعيد، ويتركز البحث في ترجمة علي بن زيد بن جدعان، لأن الطريق
إليه صحيحة، وهو المتهم الأول عند المدافعين عن معاوية، ثم يتم التركيز بدرجة أقل
على شيخه أبي نضرة الراوي عن الصحابي أبي
سعيد الخدري، إذن فلا يحتاج أن نبحث في تراجم من قبل علي بن زيد من الرواة، أعني
الرواة عنه كحماد بن سلمة وجعفر بن سليمان وسفيان بن عيينة لثقتهم وكثرتهم وتباين
مذاهبهم واتفاقهم في الرواية لفظاً وإسناداً، على خلاف طفيف ففي بعض الطرق (
فارجموه) بدلاً من ( فاقتلوه).
وليس مناسباً أيضاً أن نبحث كثيراً عن من بعد
علي بن زيد بن جدعان، لأن شيخه أبا نضرة ثقة باتفاقهم وشيخه صحابي.
مع أنني رأيت لبعض المتعالمين الصغار من غلاة
السلفية يتعبون أنفسهم في الطعن في كل إسناد على حدة بأدنى جرح، حتى طعنوا في عبد
الرزاق وجعفر بن سليمان الضبعي، واستشكلوا ما لا يشكل، ونقول لهم إنه بالمنهج نفسه
الذي ينتهجه النواصب مع مثالب معاوية وتشددهم في جرح الكبار - حتى وصل بهم الأمر
لجرح أمثال عبد الرزاق- يمكننا بهذا
المنهج تضعيف كل فضائل الشيخين وكل فضائل عثمان وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم،
فلا يجربوا جمع شواذ الأقاويل واستحلاب الشكوك، فهذا منهج وعر، قد يكون لك اليوم
في مسألة، ولكنه سيكون عليك غداً في عشرات المسائل، وليبقونا في منهج وسطي، يعتمد
منهج أهل الحديث في الجملة، دون إفراط ولا تفريط، لأن منهج أهل الحديث هو عدة
مناهج عند التحقيق، فلكل محدث منهجه وثقافته وعلمه وجهله وإنصافه وتعصبه..الخ ،
ومنهج أهل الحديث - وخاصة المسائل المستقرة فيه – هو حاكم على أهل الحديث، وهم
محكومون به، وليس العكس، أعني عندما يقررون أن استقراء مرويات الراوي هو الطريقة
المثلى في الحكم على الراوي، وإذا قرروا أن الجرح غير المفسر بما يثبت الجرح غير
لازم، وعندما يقررون أن بعض الجرح هو للعصبية والحسد والمذهب، كما أن بعض التوثيق
هو للموافقة في المذهب والمجاملة..الخ، فهذا المنهج هو الذي نحكم به على أقوال أهل
الجرح والتعديل، ، فيجب أخذ هذا المنهج والحكم به على من جرح مذهبياً برد جرحه،
وعلى من وثق مذهبياً برد توثيقه، وعلى من جرح بما لا يجره به برد جرحه، وعلى من
وثق بما لا يوثق به برد توثيقه..الخ هذا
معنى أن منهج أهل الحديث يحكم على أهل الحديث، والمنهج العلمي العقلي يحكم على
منهج أهل الحديث، فمنهج أهل الحديث ليس فوق جميع مناهج النقد، بل بعضها فوقه وفيها
مثله ودونه.
وفي
حديث أبي سعيد الخدري هذا من الطريق الأول عنه، أعني طريق علي بن زيد بن جدعان،
نجد الرواة عن علي بن زيد ثلاثة من الثقات عند أهل الحديث، بل من كبار الثقات
عندهم، وهم حماد بن سلمة وسفيان بن عيينة وجعفر بن سليمان الضبعي، وكذلك نجد شيخه
أبا نضرة ثقة عندهم، وشيخ أبي نضرة هو أبو سعيد الخدري صحابي والصحابة عندهم كلهم
عدول لاسيما أن أبا سعيد الخدري من فضلاء الصحابة بإجماع أهل السنة، وليس من
المختلف فيهم لا عند الصحابة ولا عند التابعين.
إذن يبقي بحثنا محصوراً في علي بن زيد هل هو
ثقة أم لا؟ وهل توبع أم لا؟ هذا هو لب البحث في هذا الإسناد، ويبقى النظر في المتن
هل هو منكر أم غير مستنكر؟ وهل هناك نماذج من الأوامر النبوية المستقبلية أو
النواهي المستقبلية؟ وهل تلك استجاب الصحابة لتلك الأوامر المستقبلية أم استجابوا
لبعضها وعجزوا عن البعض الآخر..الخ.
التفصيل في طريق: علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد[9]:
ولأن
علي بن زيد بن جدعان أشهر الحديث فقد لحقه بعض التضعيف، وعدوا هذا الحديث أنكر ما
رواه! مع أنه تابعه عليه ثقات لكن لم يشهروه مثل علي بن زيد، فقد رواه جماعة من
الثقات منهم سفيان بن عيينة وحماد بن سلمة وجعفر بن سليمان الضبعي وحجاج بن
محمد، روى أربعتهم عن علي بن زيد بن جدعان[10] عن أبي نضرة[11] عن أبي سعيد
الخدري عن النبي (ص) قال: (إذا رأيتم معاوية على
منبري فاقتلوه)[12] وقد توبع
علي بن زيد وشيخه على هذا الحديث كما سيأتي، وفي أنساب الأشراف للبلاذري بسند صحيح
ما يدل على أن هذا الحديث كان محل إجماع من الصحابة الذين كانوا في المسجد النبوي
ساعة الحادثة، وخاصة الصحابة الذين رأوا ذلك الرجل الأنصاري منطلقاً ليقتل معاوية
وهو على المنبر، وكان المسجد النبوي صغيراً يمكن أن يرى ذلك الشخص عدد لا بأس به
من الصحابة، أي أن مجموعة من الأنصار منهم أبو سعيد الخدري، قد أقروا ذلك الأنصاري على هذا الحديث، لكنهم أرادوا أن
يستأذنوا عمر في ذلك ( وكان وقتها يتمرض من طعنة أبي لؤلؤة)، لكن الغريب أن الحديث قد تحول من كونه محل
إجماع الصحابة سنة ( 23هـ) وهي سنة فاة
عمر، إلى مشهور إلى حد ما في عهد التابعين ( رواه عن الحسن البصري أربعة من
الثقات، ومات الحسن سنة 110هـ) ومات تلميذه ابن جدعان ( سنة 131هـ) وكلاهما توفيا
في العهد الأموي، فكان الحديث مشهوراً
بدلالة روايته من أكثر من طريق عن أكثر من تابعي، ثم تحول هذا الحديث من الشهرة
المعقولة في العصر الأموي إلى غريب في عهد الإمام أحمد ( أواخر العصر العباسي
الأول، وهو عصر تمكن السلفية وقوتها)، إلى منكر مكذوب موضوع في عهد ابن تيمية في
القرن الثامن، إلى مجهول تماماً في عصرنا
الراهن! وهكذا الحق والخير ينقص مع الزمن.
لكن
بقاء الحديث حياً في العهد الأموي دليل على أنه كان حديثاً عظيماً بليغاً يسهل
حفظه، وأنه كان بمحضر من الصحابة ( وهذا من تمام النصيحة النبوية) وكان مشهوراً
جداً بحيث نبع من أمصار الإسلام الكبرى،
البصرة ( العثمانية) والكوفة ( العلوية) والشام ( الناصبية) والحجاز (
المحايد) كما سنرى في طرق الحديث.
لكن دولة معاوية وبني أمية كانت قد أوجدت أرضية
ثقافية أقوى منها، استمرت هذه الأرضية في رفض قبول أي بذرة لتمس معاوية بسوء! ثم
كانت دولة المنصور والرشيد والمتوكل أدت إلى الضياع الكامل لهذا الحديث واحتقاره
ونبذ رواته، لأنهم قاموا على رعاية تلك الأرضية التي هيأها بنو أمية، لأنهم وجدوها
أفضل سند للسطان الظالم، بما فيها من جبر ونصب وخرافات وكف يد وطاعة تامة ودعاء
للسلطان وهجوم على كل ثورة!
هذا
الوعي بالتاريخ والسلطة يجب على الفقيه وجوباً أن يعي أثرهما في الرواية والفقه
والعقائد، ومن لا يعرف السلطة لا يعرف كيف وصلنا الإسلام، لقد استطاعت السلطة
والمذهب أن تحول النبي (ص) من ذامٍ للظلم وأهله، ومحذر من الظالمين ومناهجهم
وأثرهم وإضلالهم للناس إلى صديق حميم للظالمين، يقول بفضلهم ويحث على طاعتهم
ومحبتهم! وإدراك السر في ظروف وأسباب ودوافع هذا التحويل سهل جداً!.
الكلام الإجمالي على الإسناد:
إذن هذا إسناد بصري – وستأتي الأسانيد الأخرى-
ورجاله ثقات وأضعف رجل في الإسناد هو علي بن زيد بن جدعان، وهو صدوق من رجال مسلم،
وكان فقيه أهل البصرة بعد الحسن البصري في الفقه بالبصرة هو صدوق في الجملة ومن
رجال مسلم، وإنما ضعفوه بسبب روايته لهذا الحديث على ما يظهر من ترجمته في كتب
الضعفاء بل جعلوا هذا الحديث هو أنكر ما رواه! عجبي!
وإنما
كثر كلامهم فيه لأنه اشتهر بالحديث ورواه عنه الثقات، ولكن لو كان هذا الإسناد في
فضائل معاوية لقبلوه وصححوه ورفعوا ابن جدعان من الضعف الخفيف إلى التوثيق الثقيل،
ونحن لا نسايرهم على هذه الازدواجية، ونقر بأن علي بن زيد بن جدعان مع علمه وفقهه
وجلالته لم يكن بذلك الضابط، وعنده أوهام كما عند غيره ولكن في غير هذا الحديث
لأنه توبع عليه، وقد ضعفه جمع من أهل الحديث ووثقه آخرون[13]، ولكن يجب
الاعتراف في الجانب الآخر، بأنه فقيه أهل البصرة بعد الحسن البصري وأنه من رجال
مسلم وأن بعض أهل الحديث يقبلون أحاديثه ويصححونها، وأنه مقبول في المتابعات
والشواهد بإجماع (وهذه منها)، وقد حسن له الترمذي وابن حجر وغيرهما، وحديثه هذا من
الشواهد وله شواهد، ومن المتابعات وله متابعات، وهذا الإسناد فقط - ولو بلا
متابعات وشواهد - أقوى من جميع أسانيد فضائل معاوية، خاصة عند أخذنا بالقرائن،
إضافة إلى كون الإسناد بصرياً هو أبعد عن التهمة فأهل البصرة قد وصفها بعض أهل
الحديث بأنهم (قطعة شامية) لشدة انحرافهم عن الإمام علي وميولهم مع معاوية وبني
أمية، فخروج هذا الإسناد من البصرة قرينة قوية على صحته، إضافة إلى أن من تتبع
تراجم رجال الإسناد لهذا الحديث وجد فيهم وفرة من العثمانية، ولعل السخط على علي
بن زيد خاصة كونه فقيه أهل البصرة بعد الحسن البصري ويروي مثل هذه الأحاديث! فهذه
كبيرة عندهم! فلو رواها كوفي لاحتملوه، لكن أن يرويها بصري فهذا يشكل عندهم غزواً
شيعياً لمدينة ناصبية يحرصون على الأخذ منها واعتبارها قدوة المدن بالعراق[14].
و على
كل حال : فلهذا الإسناد متابعة، وللحديث نفسه شواهد قوية وستأتي...
متابعة عبد الملك بن أبي نضرة لعلي
بن زيد عن أبي نضرة:
والآن نبقى في هذا الإسناد أعني طريق أبي سعيد
الخدري، ونبحث عن المتابعات القريبة، ثم نبحث لاحقاً عن المتابعات البعيدة، ونعني
بالقريبة متابعات علي بن زيد نفسه عن أبي نضرة، وأما المتابعات البعيدة فمتابعة
أبي نضرة عن أبي سعيد ثم متابعة أبي سعيد عن النبي (ص)، إذن فهناك متابعة لعلي بن زيد بن جدعان عن أبي
نضرة عن أبي سعيد، جاءت من طريق عثمان بن جبلة عن عبد الملك بن أبي نضرة عن أبيه أبي
نضرة عن أبي سعيد.
فقد رواه
ابن حبان في المجروحين (1/157) عن أحمد بن محمد (بن عمرو)[15] بن مصعب
الفقيه عن أبيه وعمه[16] عن جده[17] عن يحيى بن
عثمان عن عثمان بن جبلة عن عبد الملك بن أبي نضرة عن أبيه عن أبي سعيد به..
وشيخ
ابن حبان؛ أحمد بن محمد بن مصعب بن بشر بن فضالة بن عبد الله[18] بن راشد أبو
بشر المروزي المصعبي الكندي الفقيه ( 250- 323هـ) فهو في طبقة العقيلي وابن عقدة
والطحاوي وابن أبي حاتم، وهو حافظ فقيه متعصب للسنة، بل أطلق عليه الذهبي ( الإمام
الأوحد)! وجعله السمعاني ( إمام أهل بلده والمرجوع إليه في النوازل والحوادث)[19]! ولكن
اتهموه بالوضع وقلب الأسانيد! وإن صحت هذه الاتهامات الكبيرة فكيف يكون إمام أهل
بلده والإمام الأوحد ونحو هذه الثناءات الكبيرة؟ ألا يخشون الله؟ إذا كان هذا
الرجل يضع الحديث كما يزعم بعضهم، ثم يحتفون به هذا الاحتفاء لأنه صلب في السنة! (
يعني العقيدة المذهبية) فأي سنة تلك؟ أهي سنة محمد بن عبد الله؟ هذا سؤال مطروح
على من شاء، وعلى كل حال إن صح هذا – ولا
نراه يصح- فمثله لا يقبل لا في المتابعات ولا الشواهد قطعاً، ولكن عندما دققنا النظر وحاولنا معرفة هذا الجرح مفسراً؛ وجدنا أن أبلغ
ما أنكروا عليه هو دعواه السماع من علي بن
خشرم (258هـ) وكان لأبي بشر يومئذ نحو الثمان سنوات أو أكثر بقليل، وهذا لا يستوجب
هذا الهجوم الكبير، لأن هذا وأمثاله يحصل لكثير منهم، فهذا مسند أحمد ليس له طريق
إلا من القطيعي المولود عام ( 286هـ) الذي رواه عن عبد الله بن أحمد المتوفى (
290هـ)!!، فلماذا يقبلون مسند أحمد إذن؟ وقد سمعه ابن الأربع سنوات! وإذا قالوا
هذه إجازة ، فإن جازت الإجازة هنا جازت هناك.
ثم هذا السماع إنما ادعاه عليه بعضهم وليس له
رواية عن علي بن خشرم، بل هو يعترف بأن أول من سمع منه هو أحمد بن سيار، وهو متأخر
(286هـ) وسماعه منه ممكن جداً فقد كان عمر أبي بشر يوم وفاة ابن سيار (28 سنة)،
ولكن لم أبحث أبا بشر بحثاً موسعاً حتى أنظر حقيقة هذا الجرح وهل هو علمي أم مذهبي، وعلى كل حال فهذه
المتابعة - في حديث أبي سعيد هذا- كنت
أراها غير مقبولة في ردي على الشيخ السعد، ثم أرى الآن أنه يمكن قبولها في
المتابعات[20]، وأخشى أن تضعيفهم له كتضعيفهم لابن جدعان !
أعني إنما سببه هذا الحديث! والله أعلم،
وأيضاً هناك سبب يجعلني أقبل هذا الطريق في المتابعات وهذا السبب يغفل عنه
كثير من أهل الحديث، وهو إن الحديث يقوى بخروجه من وسط يغاير معناه، فرواية الشيعي
لفضائل أبي بكر وعمر مثلاً أقوى من رواية السني ذلك، وهنا نقول إن رواية السني
المتعصب - كأبي بشر هذا- لمثل هذا الحديث
في ذم معاوية دليل على قوة الحديث أو استبعاد وضعه على الأقل، لأن السني المتعصب
لا يضع في مثالب معاوية وإنما قد يضع في فضائله، كما أن السني المتعصب، لا يغير
الأسانيد لإثبات مثلبة في معاوية وإنما قد يغيرها لإثبات فضيلة أو دفع مثلبة، فمن
هذه القرائن العامة يمكن الاستنتاج بأن أبا بشر هذا لن يجهد نفسه في وضع إسناد فيه
مثلبة لمعاوية، وإنما في قضايا أخرى هي محل خلاف بين السنة والشيعة، أو بين أهل الحديث
وأهل الرأي، كحديث اليمين مع الشاهد ونحوه.. بل خروج هذا الحديث من رواية هذا
السني المتعصب هو من دلائل صحة الحديث،
دعك من دلائل ضعفه الأخرى، فإنها إن حصلت فلن تحصل في هذا الحديث، وبعد الإيضاح أرى أن هذا الطريق يصلح في متابعة طريق علي بن
زيد عن أبي نضرة وأن الحديث ثابت عن أبي سعيد لا سيما مع الشواهد الآتية.
متابعة لأبي نضرة: أبو الوداك عن
أبي سعيد:
فقد
روى الحديث جمع عن مجالد[21] عن أبي
الوداك[22] عن أبي سعيد
الخدري[23] مرفوعاً ( إذا رأيتم فلاناً يخطب على منبري فاقتلوه)[24] وجاء
التصريح بالاسم المبهم في رواية أخرى عن أبي سعيد من هذا الطريق بلفظ ( إذا رأيتم معاوية...)[25].. فدل على
أن إخفاء اسم معاوية هو منهج لكثير من أهل الحديث للأسف، وهذا سنراه أيضاً في معظم
الأحاديث التي فيها ذم أو تحذير من معاوية، وهذا يشهد لما قلناه من تأثر أهل
الحديث بالواقع السياسي والمذهبي الذي صنعه بنو أمية، من التوجس من نقد مثل معاوية
بأي شيء؛ ولو كان صحيحاً، مع التساهل في تضعيف غيره أو ذمه ولو كان صحابياً بدرياً
كما سيجد القاريء من تضعيف أهل الحديث لبعض أهل بدر أو اتهامه بالنفاق ، كما فعلوا
في اتهام معتب بن قشير مثلاً وهو بدري، أو تضعيف مدلاج بن عمرو السلمي وهو بدري أو
عبد الرحمن بن عديس البلوي وهو رضواني أو غيرهم .. فهذا النَفَس المريض الذي أوجده
بنو أمية عبر السيف والمنبر كان له أثره على المجتمع الحديثي خاصة، لا سيما مع قلة
اهتمامهم بالنواحي العقلية وعلم البراهين التي لها أثرها في التمييز ومعرفة معايير
الحق والباطل، فالكثرة مثلاً هي معيار عند أهل الحديث، بينما في القرآن والبرهان
العقلي لا نجدها معيراً بل قد تكون من قرائن الباطل.
ثم هذا
الإسناد لو كان في غير معاوية لكان موضوعاً أو ضعيفاً جداً، لعدم وجود الشواهد
والواقع التاريخي الشاهد، وإنما أقول هذا لأسباب ظهرت لي، فمجالد بن سعيد هذا توقف
فيه الذهبي، وقال عنه ابن حجر: (ليس بالقوي)، قلت: والصواب عندي أنه ضعيف جداً أو
كذاب[26] ولكن كذبه
في أمور دون أخرى كما سنبين، ثم هو من نواصب الكوفة[27].
أما
أبو الوداك (جبر بن نوف) فهو ثقة صدوق من رجال مسلم وأصحاب السنن، قال عنه ابن حجر
في التقريب (صدوق ربما يهم) والصواب أنه ثقة أو صدوق مطلقاً[28].
أقول:
وعلى هذا إن كان مجالد كما يقول ابن حجر (ليس بالقوي) فهذا ضعف غير شديد يرتقي به
هذا الإسناد إلى الحسن وقد كنت لا أقبل حديث مجالد لا في المتابعات ولا في الشواهد
ثم رأيت أن التفصيل فيه أفضل كما سبق ( وانظر الملحق).
الخلاصة :
أن هذا الطريق طريق أبي سعيد صحيح، بل بعض فروعه
كطريق علي بن زيد بن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد إسناد حسن على أقل تقدير، - فكيف مع شواهده-
وما أصاب ابن جدعان من تضعيف إنما هو مذهبي فحسب، ولم أجد أحداً ضعف الحديث به إلا
وقد صحح له في أحاديث أخرى بل هناك أحاديث بنوا عليها أحكاماً كبيرة كانت من
الأحاديث التي انفرد بها علي بن زيد بن جدعان، - كما سيأتي من عرض نماذج تصحيحات
ابن تيمية وابن حجر- فكيف إذا لم ينفرد هنا،
بل توبع هو والرواة عنه وشيخه وشيخ شيخه، ثم علي بن زيد بن جدعان كان خليفة الحسن
البصري وجلس على عتبته بعد وفاته مع وجود كثير من علماء البصرة المشهورين الذين
أحاديثهم في الصحاح، وكان الحسن يختفي عنده لوثقه بدينه وعدله وإنكاره
على الظلمة، وكان من دعاة زيد بن علي ، فتبين أن تضعيفه في بعض الأحاديث كهذا
الحديث مع قبوله في ما سواه كان تضعيفاً مذهبياً ناصبياً متماشياً مع الأرضية
العلمية الخصبة بالنصب، ثم صدقه في رواية بعض مثالب معاوية رغم بصريته ودعوته لزيد
بن علي ورواياته أحاديث تحث على قول الحق...
هذه الأمور مجتمعة لن يغفرها له غلاة أهل الحديث الذين تسنموا الجرح
والتعديل واستطالوا على عباد الله وتستروا على أخطائهم وأهوائهم.
إذن
لا يسع محدث له علم بعلم الحديث ودقائقه مع الصفاء من التعصب والنصب أن ينقص حديث أبي سعيد الخدري عن رتبة الحسن، فقد رواه
عنه اثنان من الثقات، أبو نضرة ( وهو راوية أبي سعيد) وأبو الوداك، ورواه عن أبي
نضرة ثقتان، ابنه وعلي بن زيد، ورواه عن أبي الوداك مجالد (وهو ناصبي ولعله رواه
ليبطله فأخذ تلميذه روايته وترك رأيه كما فعلوا مع أبي بكر بن أبي داود كما سيأتي
في حديث ابن مسعود)، وبقية الرجال في هذا الطريق بين الثقة والصدوق والضعيف المتابع
المقبول في المتابعات عند أهل الحديث، وللحديث شواهد داخلية وخارجية، فالشواهد
الداخلية تم الإشارة إليها من حيث اجتماع السنة والشيعة على رواية الحديث، وتمازج
رجالهم في رواية هذا الحديث، وسوء معاوية، وكون أبي سعيد من أنصار الإمام علي، ومن
الحريصين على نقل ما سمعه من الأحاديث في ذم معاوية.
تصحيح ابن تيمية لهذا الطريق واحتجاجه به:
ابن تيمية
احتج بطريق واحد من طرق هذا الحديث، ( وهو طريق حماد بن سلمة عن علي بن زيد)،
عندما ظن أن فيه قدحاً في خلافة علي، بينما إن أتى هذا الطريق مع عشرات الطرق عن
أبي سعيد وغيره في ذم معاوية لا يتوانى ابن تيمية أن يجازف قائلاً ( هذا موضوع
مكذوب)!
وعلى كل حال ليس ابن تيمية وحده من صحح طريق هذا
الحديث، بل كثير من العلماء على هذا التصحيح وإنما نختار من العلماء من يعظمهم
السلفيون المعاصرون، لأن هؤلاء الغلاة من السلفيين هم وحدهم الممانعون من إثبات أي
ذم في حق معاوية، وعندهم جهل بالحديث ورجاله وجرحه وتعديله، وعلمهم يقوم علىا
الانتقاء، لكنهم لكثرة ثرثرتهم بالجرح والتعديل ظن بعض البسطاء أن عندهم في ذلك
علماً عظيماً! وكل علم حتى لو حصل إن لم يصاحبه تجرد للحقيقة فلا ينفع صاحبه، و
الخلاصة أن هذا الطريق مشهور عند أهل الحديث رووا من طريقه عشرات الأحاديث في
الأحكام والعقائد، وصححوها ( انظر الملحق)..
وسأذكر هنا تصحيح ابن تيمية من هذا الطريق طريق ( طريق
علي بن زيد) حديثاً في ذم خلافة علي، مع أن الذنب فيها لغير ابن جدعان كما
سيأتي- ونموذج ذلك حديث الرؤيا عن الخلفاء الأربعة التي جاء منها
لفظ بالاقتصار على الخلفاء الثلاثة فقط! ففرح ابن تيمية بهذا اللفظ كثيراً وذهب
يحتج به على إخراج خلافة علي من خلافة النبوة! وعندها أصبح علي بن زيد بن
جدعان ثقة عنده ومحل احتجاج!
فقال ابن تيمية في (منهاج السنة النبوية - (1 / 356) ورواه
أيضا من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه
فذكر مثله ولم يذكر الكراهية فاستاء لها النبي صلى الله عليه وسلم يعني ساءه فقال خلافة
نبوة ثم يؤتي الله الملك من يشاء فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن ولاية هؤلاء
خلافة نبوة ثم بعد ذلك ملك وليس فيه ذكر علي لأنه لم يجتمع الناس في زمانه بل كانوا
مختلفين لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك)، هكذا احتج ابن تيمية بابن
جدعان إذا وجد في أحاديثه ما يمكن أن يستنتج منها إخراج خلافة علي من خلافة النبوة
حتى يعتذر لمعاوية بأنه لم يخرج على خليفة !
بينما هذا الحديث من ذنب شيخه عبد الرحمن بن أبي بكرة،
فقد كان فيه نصب، وحدث به في زمن تحرم فيه السلطة أن يذكر علي بخير، والخلاصة أن
غلاة السلفية كابن تيمية يقبلون أحاديث زيد بن جدعان إذا وجدوا فيها ذماً للإمام
علي ولو كان منفرداً بالخبر والذنب لغيره فيه، وحتى لو خالفت أصلاً قطعياً من كون
الإمام علي من دعاة الجنة، بينما لا يقبلون أحاديثه التي في ذم معاوية حتى لو توبع
عليها هو وشيخه وشيخ شيخه واندرجت تحت أصل صحيح من كون معاوية مذموماً داعية إلى
النار، ومن هنا افترق الفريقان السنيان، أصحاب السنة النبوية وأصحاب السنة
الأموية، والغلبة في الدنيا حتى الآن لأصحاب السنة الأموية، فهم الذين بأيديهم
الثروة والسلطة وجرح من شاءوا وتعديل من شاءوا، وإن يقولوا تسمع لقولهم! كل هذا من
باب التمحيص والابتلاء لأهل السنة النبوية ( ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن
الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين)، ولا تمحيص مع الكثرة والثروة، إنما التمحيص مع
القلة والبرهان وغربة الحق وأهله، والأمر لله من قبل ومن بعد، ونحن أهل السنة
النبوية المثبتين لخلافة علي وأن خلافته خلافة شرعية قد وافقنا أحمد بن حنبل نفسه،
الذي ساء ابن تيمية قوله ( من لم يربع بخلافة علي فهو من أضل أهله)! فقال ابن
تيمية منهاج السنة النبوية - (4 / 232): : ( وقال أحمد من لم يربع بعلي في الخلافة
فهو أضل من حمار أهله وتكلم بعض هؤلاء في أحمد بسب هذا الكلام وقال قد أنكر
خلافته من الصحابة طلحة والزبير وغيرهما ممن لا يقال فيه هذا القول واحتجوا بأن أكثر
الأحاديث (!!) التي فيها ذكر خلافة النبوة لا يذكر فيها إلا الخلفاء الثلاثة! مثل ما
روى الإمام أحمد في مسنده عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن عبد الرحمن
بن أبي بكرة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما أيكم رأة رؤيا فقلت
أنا يا رسول الله رأيت كأن ميزانا دلى من السماء فوزنت بأبي بكر فرجحت بأبي بكر ثم
وزن أبو بكر بعمر فرجع أبو بكر بعمر ثم وزن عمر بعثمان فرجح عمر بعثمان ثم رفع الميزان
فقال النبي صلى الله عليه وسلم خلافة نبوة ثم يؤتى الله الملك من يشاء) اهـ فابن
تيمية هنا ينسب الرد لبعضهم على أحمد ( وليس هناك أحد إنما هو ابن تيمية نفسه،
فليس حنبلياً إلا في النصب، فالحنابلة أوضح المذاهب في النصب بعد النواصب الخلص،
لكن نصب غلاة الحنابلة كالبربهاري وابن بشار وعبد المغيث الحربي وأبي توبة
الحلبي.. بل وأحمد بن حنبل نفسه لم يشبع ابن تيمية، فزاد من مخزون نصبه ما رد به
عليهم وعلى أحمد نفسه!) وعلى ذلك لم يرض
بتخصيص أحمد الذم بمن لم يربع بخلافة علي فعممه ابن تيمية في الواسطية في كل
الخلفاء الأربعة، واعتمده وهو يعلم أن سعد بن عبادة ورهطه لم يعترفوا بخلافة أبي بكر
ولا عمر فهل هم عنده ممن يجوز أن يقال فيهم هذا القول؟ وهل رجع إلى اعتبار طلحة
والزبير وعائشة يقال فيهم هذا القول؟ وكذلك الثوار على عثمان من الصحابة هل هم
كذلك؟.. فابن تيمية ما إن يعقد أمراً في مكان إلا نقضه في مكان آخر، وهمه الأكبر
في هذا العقد والربط يدور على معاوية، لا يهمه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ، وإنما
لخدمة معاوية فقط، أعني يذكرهم لحشد العواطف في الدفاع عن معاوية، حتى يصل القاريء
إلى معاوية مندفعاً ومتحمساً بفضائل الثلاثة والدفاع عنهم! وهذا ما عملوه معي أيام
كنت وهابياً خالصاً، لم أكن أطعن إلا في اجتهاد معاوية فقط! ففاجؤوني بالدفاع عن
المهاجرين والأنصار والخلفاء الثلاثة! كمقدمة ضرورية في الدفاع عن معاوية! إذن
فهذا هو السر القديم في الربط، فهو في الحقيقة ليس ربطاً مبنياً على أن الآخرين
يخلطون بينهم، وإنما يريدون بهذا الخلط أن يشعروا القاريء البسيط بأن معاوية في
مرتبة هؤلاء، وأن من يطعن في معاوية فهو بالتالي عدو لكل صالح في هذه الأمة.
تحسين الحافظ ابن حجر :
في كتابه الأمالي المطلقة لا حجر العسقلاني - (ج
1 / ص 169)
وبالسند
الماضي إلى عبد بن حميد قال أخبرنا يزيد بن هارون قال حدثنا حماد ابن سلمة عن علي
بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال.... وذكر حديث
الخطبة
ثم قال
: وهذا حديث حسن..ثم ذكر له طرقاً أخرى وقال – ابن حجر-: وعلي بن زيد وإن كان
فيه ضعف لاختلاطه لكن سياقه لهذا الحديث بطوله يدل على أنه ضبطه ، وقد رواه غيره مفرقا
وسأذكر شواهده إن شاء الله تعالى.
قلت: الإسناد الذي حسنه ابن حجر هنا، هو إسناد
واحد من عشرة أسانيد أو أكثر أتت بحديث ( إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه) فمن
باب أولى أن يصحح حديثه في ذم معاوية لولا العصبية والألفة بالسائد، ثم إن حفظ هذا
الحديث الطويل فمن باب أولى أن يحفظ حديثاً في نصف سطر.. وهو حديث الباب ( إذا
رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه)!
تصحيح الشيخ ابن عزوز[29]
للحديث:
قال
الشيخ محمد بن عقيل في تقوية الإيمان ص 140: ... ثم أفادنا أخونا المحدث الشريف محمد المكي بن عزوز
رحمه الله تعالى أن الحافظ البلاذري قال في تاريخه الكبير ما لفظه : " حدثنا يوسف
بن موسى ، وأبو موسى إسحاق الفروي ، قال : حدثنا جرير بن عبد الحميد ، حدثنا إسماعيل
بن أبي خالد والأعمش عن الحسن ، قال : قال رسول الله ص : ( إذا رأيتم معاوية على منبري
فاقتلوه ) فتركوا أمره فلم يفلحوا ، ولم ينجحوا . انتهى . قال الشريف ابن عزوز رحمه
الله تعالى : ( سنده كلهم من رجالي البخاري بلا استثناء ، وكونه مرسلا فالحديث الآتي
متصل وهو :
قال البلاذري رحمه الله : حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل
، حدثنا حجاج بن محمد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد
الخدري ، أن رجلا من الأنصار أراد قتل معاوية ، فقلنا له : لا تسل السيف في عهد عمر
، حتى نكتب إليه ، فكتبوا إليه ، فلم يأتهم جواب حتى مات . انتهى .
قال ابن
عزوز أحسن الله إليه : " حديث أبي سعيد الخدري أول سنده إسحاق من رجال السنن ،
وثقه ابن معين ، والدارقطني ، متفق على صدقه ، وأخرج له البخاري في الأدب المفرد .
حجاج بن محمد من رجال الصحيحين . حماد بن سلمة من رجال الصحيح من الأعلام الذين لا
يسأل عنهم . علي بن زيد من رجال مسلم اهـ
تصحيح العلامة المناوي ( 1031)[30]: صاحب فيض القدير
قال المناوي في كتابه ( كنوز الحقائق ) ص 9 في شرح هذا الحديث وتصحيحه:
( يحتمل قويا
أن يكون المراد من المنبر في قول النبي صلى الله عليه وآله : إذا رأيتم معاوية على
منبري هو مطلق المنبر ، بدعوى أن كل منبر يصعد عليه في الاسلام ويخطب عليه فهو منبر
النبي صلى الله عليه وآله ، ويحتمل أن يكون المراد منه هو خصوص منبر النبي صلى الله
عليه وآله في المدينة كما يؤيده بل يدل عليه ما تقدم في حديث أبي سعيد : إذا رأيتم
معاوية على هذه الأعواد . . وعلى كل حال فإن معاوية حسب الأحاديث المتقدمة ممن يجب
قتله بحكم النبي صلى الله عليه وآله ، وقد تسامح فيه المسلمون. اهـ
قلت:
وقد رأينا نتائج هذا التسامح أو الهيبة ( حسب تعبير أبي سعيد الخدري: لقد رأينا
أشياء فهبناها)! يعني خشوا أن يقولوا كلمة الحق، وكان أبو سعيد يبكي إذا روى
الأحاديث التي تحث على قول الحق وألا يخشون في الله لومة لائم، كانت نتائج ذلك أن
حكم الشيطان باسم الرحمن، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وقال الشيخ سعيد أيوب في تحليل
الحديث وتفسيره:
وذلك
في كتابه الفتن:
( وليس
معنى قتله لأنه دخل المسجد ، وإنما لأنه يخطب . لأن الخطبة لا بد أن تحمل فكره وثقافته
في معنى مال الله ودين الله وعباد الله ، وخطورة هذه الثقافة تبلغ مداها إذا كان معاوية
ورجاله هم حراس الأمة ، لهذا وجدنا الحسن بن علي بعد وفاة أمير المؤمنين . يقيم الحجة
على الناس في كل ميدان . فلقد تجهز لقتال معاوية ولكنه خذل ، ثم حث الناس على الصمود
ولكنهم قالوا : البقية البقية ! ! وطلبوا الصلح . ثم اشترط الحسن شروطا . ولكن معاوية
لم يف بها لسبب بسيط هو أن الأمة كانت تغط في نوم عميق . والحجة لا يأتي إلى الناس
وإنما الناس هم الذين يأتون إليه لأن قانون الاختيار يدور على قوله تعالى : ( ثم
جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون " ) اهـ .
التعليق والخلاصة الأخيرة في هذا
الحديث:
إن هذا الحديث - على كل حال- يبقى أصح من نصف ما رواه البخاري في صحيحه، -
بمنهجنا أيضاً لا منهجهم- وهو بلا شك أصح
من كل فضائل معاوية التي يدعونها، بمنهجنا ومنهجهم، وهو أصح من أكثر ما يصححونه في
فضائل أناس آخرين بمنهجنا ومنهجهم..
ومنهجنا
في الحديث أننا نصحح الإسناد ونحتج به إذا اندرج المتن تحت أصل صحيح، ولكن لا نجزم
إلا بالمتواتر الذي تتوافر القرائن على صدوره من النبي (ص)، ونتيقن أن رسول الله
قاله، وهذا منهج خاص وصعب أيضاً، وليس عليه الروائيون من السنة والشيعة فيما
أعلم.
ولذلك
فالحديث صحيح الأسانيد من حيث الجملة، وهو جزء من بلاغ النبي (ص) لأمته، وليس على
الرسول إلا البلاغ، فلا يجوز تحميل النبي (ص) المسئولية.
الطريق الثاني : طريق الرجل الأنصاري ومجموعة من
الصحابة لم يسموا:
وقد سبق مزجه بحديث أبي سعيد الخدري ( تمت دراسة
إسناده هناك)، ولا أعرف هذا الرجل الأنصاري لكنه بالتأمل يمكن معرفته، فلعله سهل
بن حنيف الأنصاري، فقد روى الحديث أيضاً كما سيأتي،
وحديث هذا الرجل الأنصاري سبق بإسناد الحديث نفسه من طريق حماد بن سلمة
عم علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد عن ذلك الرجل الأنصاري، فرواه البلاذري[31]
وابن عساكر كلاهما من طريقين عن حماد بن
سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد – واللفظ لا بن عساكر- : أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال : (إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه) قال فقام إليه رجل من الأنصار[32]
وهو يخطب بالسيف، فقال أبو سعيد: ما تصنع؟ قال سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) يقول
: ( إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه)،
فقال له أبو سعيد: إنا قد سمعنا ما سمعت
ولكنا نكره أن يسل السيف على عهد عمر حتى نستأمره فكتبوا إلى عمر في ذلك فجاء موته
قبل أن يجئ جوابه) اهـ
التعليق:
ويبقى هنا وهم
من علي بن زيد فيما يظهر، وهو قوله (
فكتبوا إلى عمر) والأقرب ( فأرسلوا إلى عمر) فتوهم أحد الرواة أن معاوية
كان في بلد وعمر في بلد آخر، ثم رواه بالمعنى فقال ( فكتبوا إلى عمر) بدلاً من (
فأرسلوا إلى عمر فجاء موته قبل أن يجيء جوابه)، ومما يرجح أن معاوية قاتل عمر أنه
علم بموته فصعد على تلك الأعواد ( أو المنبر) مباشرة، ولم يكن الخبر قد وصل إلى
بقية الناس، ثم ما إن أرسلوا حتى بلغهم خبر موته.
وقد يقول بعضهم: هذا قد سبق في حديث أبي سعيد فلماذا
تكرره هنا؟ قلنا هذه طريقة أهل الحديث، فحديث ( لا نورث ما تركناه صدقة) لم يروه
إلا مالك بن أوس بن الحدثان رواه عن أبي
بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية العشرة، مع أنه لم يتلفظ به إلا أبو بكر، وإنما جعلوا
الحديث من رواية البقية لأنهم أقروا، فكيف وهؤلاء الصحابة قد صرحوا للرجل الأنصاري
بأنهم قد سمعوا ذلك من رسول الله! بينما في حديث ابن الحدثان لم يصرحوا ولا كان
يجب أن يرووا الحديث عمن سمع ولم ينقل عنه الإقرار.
الطريق
الثالث: طريق سهل بن حنيف الأنصاري ( بدري):
وهذا
الحديث رواه ابن عدي (6/112) قال: حدثنا علي بن سعيد حدثنا الحسين بن عيسى الرازي
حدثنا سلمة بن الفضل ثنا حدثنا محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي
أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إذا
رأيتم فلاناً على المنبر فأقتلوه).
أقول:
الإسناد حسن؛ رجاله ثقات.
فابن إسحاق صدوق وهو عند شعبة أمير المؤمنين في
الحديث، وهو من كبار علماء المغازي ومن رجال مسلم والسنن الأربعة.
أما
شيخه محمد بن إبراهيم التيمي فهو ثقة من رجال الجماعة
وشيخه أبو أمامة بن سهل بن حنيف فمعدود في
الصحابة
فالإسناد أقل أحواله الحسن، وقد يعكر عليه عنعنة
ابن إسحاق
لكن مسلم قبل عنعنات ابن إسحاق في صحيحه[33]، والبخاري
قبل عنعنات الزهري وسفيان بن عيينة وسفيان الثوري والأعمش وهم أشد تدليساً منه.
أما
تلميذ ابن إسحاق فهو راويته سلمة بن الفضل الأبرش فهو (صدوق كثير الخطأ) لكن
العلماء قبلوا روايته عن ابن إسحاق ومنها كتب السيرة التي رواها عن شيخه ابن إسحاق
فهو من المختصين به، ولا يجوز قبول كل رواياته عن ابن إسحاق إلا هذه الرواية فهذا
تحكم، لا سيما مع الشواهد، بل هو من أوثق الناس في ابن إسحاق قال جرير بن عبد
الحميد: (ليس من لدن بغداد إلى أن تبلغ خراسان أثبت في ابن إسحاق من سلمة بن
الفضل)[34] فإن قدر أنه
كان يخطئ فهو في غير أحاديثه عن ابن إسحاق.
أما
تلميذ الأبرش فهو الحسين بن عيسى بن ميسرة الرازي الحارثي (صدوق)[35]، وتلميذه
علي بن سعيد شيخ ابن عدي صدوق، وابن عدي محدث وهو أعرف بما يأخذ عن شيخه حتى وإن
كان في شيخه كلام فهو أحرى أن يختار منها ما يصح، لا سيما وأن ابن عدي لم يحمل
شيخه ذنب هذا الحديث.
إذن
فالحديث حسن الإسناد ويصبح الحديث صحيحاً لغيره – من حيث الإسناد على الأقل- بهذا
الإسناد إن شاء الله، خاصة وأن له شواهد بعضها حسن الإسناد لذاته كما في حديث ابن
مسعود الآتي.
الطريق الرابع: طريق عبد الله بن مسعود ( بدري):
وحديثه
تعرض لمحاربة من غلاة أهل الحديث من أجل حماية معاوية فأوردوه في كتب الضعفاء
بأسانيد قوية! فقد رواه ابن حبان في المجروحين (2/172) أخبرنا الطبري عن محمد بن
صالح ثنا عباد يعقوب الرواجني عن شريك عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود[36]، ورواه أبو
بكر بن أبي داود ( الحنبلي الناصبي المشهور) عن عباد بن يعقوب به، وتأوله –
والتأويل فرع التصحيح- وكذا رواه عن عباد بن يعقوب أبو العباس شيخ ابن عدي[37]...
أقول:
هذا الإسناد حسن فعباد بن يعقوب من رجال البخاري وهو ثقة شيعي (والتشيع مع الصدق
ليس جرحاً) وشريك صدوق وكذلك عاصم بن أبي النجود ( وهو عثماني فيه نصب) أما زر بن
حبيش فثقة جليل وابن مسعود صحابي كبير، فالإسناد أقل أحواله الحسن.
والإسناد له متابعة قوية الإسناد:
قال
البلاذري في أنساب الأشراف - (ج 2 / ص 122):
حدثني إبراهيم بن العلاف البصري[38]
قال، سمعت سلاماً أبا المنذر[39] يقول: قال عاصم
بن بهدلة حدثني زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم : (إذا رأيتم معاوية بن أبي سفيان يخطب على المنبر فاضربوا عنقه " .
وروى الحكم
بن ظهير عن عاصم عن زر عن عبد الله بن مسعود بمثله اهـ.
إذن
فقد توبع الحكم بن ظهير، وقد رواه الذهبي من هذا الطريق أعني: الحكم
بن ظهير عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن عبد الله بن مسعود فذكره[40].
أقول:
كنت قد ضعفت هذا الإسناد في الطبعة الأولى لكتابي في الرد على السعد – مع تصحيح
الحديث من طرق أخرى- ثم تبين لي أن هذا الحديث لا يقل إسناده عن مرتبة الحسن لغيره
على أقل الأحوال، فالحكم بن ظهير الذي
قالوا عنه: (متروك ورمي بالرفض كما في التقريب، الصواب أنه صدوق شيعي وقد توبع كما
سيأتي) فاجتماع صدقه مع المتابعة كافيان في تحسين الإسناد، أما عاصم بن أبي النجود القاريء المشهور فهو عثماني
صدوق، وزر بن حبيش علوي ثقة من رجال
الجماعة، وابن مسعود صحابي كبير .
كلام
ختامي على المتابعات للحكم بن ظهير:
إذن فالحكم بن ظهير قد توبع من شريك وسلام أبي
المنذر؛ روى ثلاثتهم الحديث بسنده ولفظه عن عاصم عن زر عن ابن مسعود، فأصبح الحديث
حسناً بهذا الطريق، ولو لم يتابع لأمكن أن نضعف الإسناد لتشيع الحكم بن ظهير،
وربما نحسنه لذاته إذا لم نقتنع بأثر التشيع في صدق الحكم بن ظهير، وبما أنه قد
توبع فلا مكان إلا للتصحيح جملة _ أي يكون الحديث صحيح الإسناد أو حسن الإسناد) .
وسبب
تحديث عبد الله بن مسعود بالحديث أنه رأى ما فعله الولاة في عهد عثمان، بل رأى أن
معاوية أصبح الحاكم الفعلي في دولة عثمان، حتى أن عثمان إذا أتاه المشتكون من ظلم
الولاة أرسلهم إلى معاوية! فهذه مناسبة جيدة لتذكر ابن مسعود الحديث وإبراء ذمته
في ذلك.
الطريق الخامس: طريق جابر بن عبد الله الأنصاري:
وجابر
بن عبد الله الأنصاري من فضلاء الأنصار، وهو عقبي ولم يشهد بدراً لاستخلاف أبوه
إياه على أهل بيته وشهد المشاهد بعد، وكان من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
ومن خاصة أصحابه، وقد تأخرت وفاته حتى أدرك الباقر، مات بعد الثمانين.
روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (9/
185) وغيره: من طريق سفيان بن محمد
الفزاري[41] عن منصور بن
سلمة (ولا بأس بمنصور)[42] عن سليمان
بن بلال (ثقة) عن جعفر بن محمد (ثقة) عن أبيه (ثقة) عن جابر بن عبد الله رضي الله
عنه مرفوعاً (إذا رأيتم فلاناً على منبري فاقتلوه)[43].
وعند الخطيب
(1/259)[44] لفظ (
فاقبلوه ..) وهو تحريف من بعض النواصب، وهي من دلائل شهرة الحديث حتى اضطر بعض
النواصب لتحريفه..
والحديث يصلح في الشواهد والمتابعات سواء روي
مرسلاً من قبل الباقر عن أهل بدر أو
موصولاً عن جابر، أو روي عن جعفر الصادق
عن أهل بدر.
وقد
رأيت بعض المتكلفين من السلفية وهو يناقش هذا الحديث يقول : ليس في الحديث ذكر
معاوية لأنه قال ( فلاناً)! وهذا ليس بمستغرب عند من لا يعترف بأثر السياسة على
الحديث، هل يعقل أن يقول النبي (ص) إذا رأيتم فلاناً! هل هذا من تمام البيان
النبوي؟ أم أن البيان لابد أن يكون واضحاً صريحاً بالاسم واسم الأب، أو الإشارة إلى الشخص كما سيأتي في بقية الأحاديث أنه طعن خاصرة معاوية بقضيب
ويأمرهم بقتله إذا خطب على المنبر، فهذا البيان هو اللائق بالنبي (ص)، ولن يعمي
الأمر، إنما يعميه من لا يحب حديثه، أو من خشي على نفسه، ولكن العاقل يعرف كيف
يستخرج الأسماء المبهمة من الأنباء المحكمة[45]!.
في معرفة الصحابة لأبي نعيم - (4 / 1828)[47]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ[48]،
ثنا الْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ[49]،
ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُوسَى السُّدِّيُّ[50]، ثنا أَبُو
تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ[51]،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ[52]،
عَنْ بُرْدَةَ بْنِ سُفْيَانَ [53]،
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ[54]، قَالَ:
" غَزَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ،
وَمُعَاوِيَةُ أَمِيرٌ عَلَى الشَّامِ، فَمَرَّتْ بِهِ رَوَايَا خَمْرٍ تُحْمَلُ لِمُعَاوِيَةَ،
وَبُرٌّ فَقَامَ إِلَيْهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِرُمْحِهِ، فَنَقَرَ كُلَّ رَاوِيَةٍ
مِنْهَا، فَنَاوَشَهُ غِلْمَانُهُ حَتَّى بَلَغَ مَثْأَنَةَ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ:
دَعُوهُ فَإِنَّهُ شَيْخٌ قَدْ ذَهَبَ عَقْلُهُ، فَقَالَ: كَذَبَ وَاللهِ، مَا ذَهَبَ
عَقْلِي، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا أَنْ
نُدْخِلَ بُطُونَنَا، وَأَسْقِيَتَنَا، وَأَحْلِفُ بِاللهِ لَئِنْ أَنَا بَقِيَتُ
حَتَّى أَرَى فِي مُعَاوِيَةَ مَا سَمِعْتُ مِنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، لَأَبْقُرَنَّ بَطْنَهُ وَلَأَمُوتَنُّ دُونَهُ اهـ.
التعليق:
وهذا الإسناد رجاله ثقات باستثناء بريدة بن سفيان، ومع
ذلك فمن استقرأ أحاديثه كابن عدي لم يعثر له على حديث منكر، وهو تابعي ثقة، ولولا
تشيعه وحبه لأهل البيت لجاز ( وقد أفردناه بترجمة فلتنظر هناك).
وأما المتن فواضح، فماذا سمع هذا الصحابي من النبي (ص)
غير الحديث الذي ذكرناه سابقاً.. فهو ينتظر أن يراه خطيباً على المنبر النبوي
ليقتله.. ولعله هو الصحابي الذي أمسك به أبو سعيد الخدري حتى يستأمروا عمر في قتله
تنفيذاً للأمر النبوي.. فالحديث من شواهد حديث أبي سعيد بلا شك.
وأما بيع معاوية للخمر فقد ورد في حديث عبادة بن
الصامت أيضاً، وظاهر أن تجارة معاوية ازدهرت أيام عثمان بن عفان، ولمعاوية قصص
كثيرة في المتاجرة بالخمر وشربه، كما في هذا الحديث وحديث عبادة وحديث أبي بكرة
وغيرهم ( انظر بحثنا : معاوية والخمر = في كتابنا عن معاوية ولم يطبع بعد
للاسف!)
تحريفهم
لهذا الحديث:
إلا أن النواصب لم يرتضوا أن يرووا الحديث مع ما فيه
من ذم النبي (ص) وهذا الصحابي الكبير لمعاوية فرواه بعضهم بلفظ عجيب غريب إذ فرغ
الحديث من محتواه وأفسده، وتلقف هذا اللفظ المحرف ابن قانع الأموي النسب، وقد روي
بالإسناد نفسه إلا ابن قانع وشيخه، ففي معجم الصحابة لابن قانع الأموي - (4 / 117)
قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن أيوب[55]
، نا سعيد بن محمد الجرمي[56]
، نا أبو تميلة ، عن محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن سليمان الأسلمي[57]
، عن محمد بن كعب القرظي قال : غزا عبد الرحمن بن سهل في خلافة عثمان ومعاوية أمير
على الشام ، فمر بروايا خمر تحمل ، فقام برمحه إلى كل راوية فبقرها ، وقال : « نهانا
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ندخله بيوتنا وأسقيتنا » اهـ.
التعليق:
وهنا أترك للقاري المنصف المقارنة بين النصين ( لفظي
الحديث)، وليراجعوا أنفسهم في منح هذه الثقة المطلقة لكل أهل الحديث..
ورجال الإسناد هم الرجال عند أبي نعيم من يحيى بن واضح
فما فوق.. والجرمي الراوي عن ابن واضح ثقة.. بقي البلاء في شيخ ابن قانع أو ابن
قانع، والراجح أن البلاء في شيخ ابن قانع..
والخلاصة الأخيرة في حديث عبد الرحمن بن سهل:
أن هذا الحديث
لا يقل إسناده عن رتبة الحسن إذا لاحظنا الأثر المذهبي الظاهر في التكلف لتضعيف
رجال هذا الإسناد لأن فيه إزراء على معاوية فحسب! وكأن غلاة أهل الحديث يريدون
تضعيف أي شيء يصل إلى معاوية بسوء! حتى لو قاله النبي (ص)، وهذه جرأة على الله
ورسوله، بل للأسف أن في عقائد الخلال في نقله عن أحمد ما يشعر بهذا .. فنعوذ بالله
من الهوى.. وقد فصلت هذا في مبحث بعنوان ( غش أهل الحديث) وأقصد به ما وجدته أنا
من غش لبعض أهل الحديث سواء في التحريف أو الإخفاء أو التنظير والتشريع لمنع أي
كلام للنبي (ص) إذا صدر بحق بعض الصحابة بدعوى أن تلك الأحاديث لا فائدة فيها! أو
أن المبتدعة يحتجون بها! وأمثال هذه الأعذار السخيفة التي يندى لها جبين كل غيور
على النبي (ص) إذ أصبح بهذه التنظيرات في مكان يجب أن نقول له: تكلم بهذا واسكت عن
هذا.. أين الغيرة على سنة النبي (ص)؟ ومن نحن حتى نحدد للنبي (ص) ما ينبغي أن
يقوله، وما ينبغي أن يسكت عنه؟
نعم من حق رجل الحديث أن يقول أن أنا اشك في كل هذه
الأحاديث.. أما أن يتعمد الإخفاء لما يعلم أنه من الحديث وأنه صحيح، أو يفتي بحرمة
رواية أحاديث معينة فهذه جريمة وغش، وهذا ما قصدته في البحث، فأنا لا أعمم وأعرف
أن في أهل الحديث كل الأطياف .
الطريق السابع: طريق الحسن البصري :
روي
عنه من أكثر من طريق.. الأعمش وإسماعيل ( بن مسلم) وعمرو بن عبيد، وقد شنع بعض أهل
الحديث على عمرو بن عبيد المعتزلي وكذبوه في روايته هذا الحديث عن الحسن مع أنه
توبع من ثقتين على الأقل، وهذا دليل على أنهم يهولون على العامة ولا يبحثون بحثاً
استقصائياً.
روى البلاذري في أنساب الأشراف - (2 / 121) :
حدثنا يوسف
بن موسى وأبو موسى إسحاق الفروي [58]قالا:
حدثنا جرير بن عبد الحميد[59]
حدثنا إسماعيل[60]
والأعمش[61]
عن الحسن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه " ؛ فتركوا أمره
فلم يفلحوا ولم ينجحوا[62].
التعليق:
وهذا الحديث صحيح الإسناد إلى الحسن البصري،
فممن سمعه؟ أرجح أنه سمعه من أبي نضرة، أو أبي سعيد نفسه، وله اتصال بالرجلين،
فلذلك تراه يقوله واثقاً ومعقباً ومحتجاً على من لم يقتل معاوية ، والمتقدمون
كانوا يرسلون كثيراً ولا يعتمدون على ذكر الإسناد، إنما أتى التشدد على ذكر
الإسناد من أيام الزهري في الحجاز، ثم أيام عبد الغفار بن القاسم وشعبة في
العراق.. أما الشام فليسوا أهل حديث، وقد
ذكر ابن عبد البر في مقدمة التمهيد أن الأصل في الرواية القديمة كانت الإرسال،
ولذلك أجاب على الأحاديث المرسلة في موطأ مالك، ولو كان حديث الحسن في الموطأ لذكر
ابن عبد البر الطرق الموصولة التي ذكرناها هنا.
بقية
مصادر الحديث:
رواه مع
شواهده نصر بن مزاحم[63]
في وقعة صفين - (1 / 216):
نصر، عن الحكم
بن ظهير، عن إسماعيل، عن الحسن،
و [ قال نصر: وحدثنا
] الحكم [ بن ظهير]، عن عاصم بن أبى النجود، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود قالا
( أي ابن مسعود والحسن البصري): قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
" إذا رأيتم معاوية بن أبى سفيان يخطب على منبرى فاضربوا
عنقه ".
قال الحسن: فما فعلوا ولا أفلحوا.
نصر: عمرو بن ثابت، عن إسماعيل، عن الحسن قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيتم معاوية يخطب على منبرى فاقتلوه ".
قلت – نصر بن مزاحم- : ومر في عبد الرحمن بن سهل أنه قال
في زمن عثمان في إمارة معاوية من قبله على الشام : أحلف بالله! لو بقيت حتى أرى في
معاوية ما سمعت من النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) فيه لأبقرن بطنه أو لأموتن دونه.
وعن عبد العزيز
بن الخطاب ، عن صالح بن أبي الأسود ، عن إسماعيل ، عن الحسن ، قال : قال النبي ( صلى
الله عليه وآله وسلم ) : إذا رأيتم معاوية على منبري يخطب فاقتلوه اهـ
والحديث في مناقب علي لمحمد بن سليمان الكوفي من طرق
صحيحة عن الحسن:
قال [ حدثنا ] خضر بن أبان قال : حدثنا عبد الله
بن عبد الكريم عن شريك عن إسماعيل بن مسلم : عن الحسن البصري قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وآله وسلم : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه . قال الحسن : فلم
يفعلوا فأذلهم الله / [ إسناد آخر عن شريك به]
حدثنا خضر بن أبان قال : حدثنا يحيى
بن عبد الحميد الحماني عن شريك عن إسماعيل بن مسلم : عن الحسن البصري قال : قال رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا رأيتم معاوية يخطب على منبري فاقتلوه . / [
إسناد آخر عن الحماني] محمد بن سليمان قال : حدثنا خضر بن أبان قال : حدثنا يحى بن
عبد الحميد الحماني عن شريك عن إسماعيل بن مسلم : عن الحسن قال : قال رسول الله صلى
الله عليه وآله : إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه اهـ
و تعصب ابن الجوزي الحنبلي – كعادة الحنابلة- فأورده في الموضوعات : - (2 / 25) من طريق واحد
وأهمل البقية!
فقد
أورده من طريق عمرو بن عبيد عن الحسن ليستطيع الطعن فيه لكون عمرو بن عبيد معتزلي
وأهمل الطرق الأخرى
فقال: أنبأنا به محمد بن أبى طاهر أنبأنا أبو إسحاق
البرمكى أنبأنا محمد بن عبدالله بن خلف الدقاق حدثنا عمر بن محمد الجوهرى حدثنا أبو
بكر الاثرم حدثنا سليمان بن حرب حدثنا حماد بن يزيد قال قيل لأيوب إن عمرو بن عبيد
يروى عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" إذا رأيتم معاوية على منبرى
فاقتلوه " فقال: كذب عمرو[66]..
وسلك
الذهبي في سير أعلام النبلاء - (6 / 105)
مسلك ابن الجوزي فقال: وقال حماد بن زيد: قيل لأيوب: إن عمرو بن عبيد، روى عن الحسن،
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا رأيتم معاوية على منبري فاقتلوه
" قال: كذب .
التعليق:
الحديث روي من غير طريق عمرو بن عبيد، وتبين هنا
أن من يكذب الصادقين فهو الكاذب، وكان حماد بن زيد ناصبياً، وزميله حماد بن سلمة
أرفع منه وأوثق وأبعد عن الشبهة، وقد روى الحديث رغم سلفيته الشديدة، ورد على من
حاول الطعن في ابن جدعان من نواصب البصرة.
والخلاصة في هذا الحديث:
أن
الحديث صح سنده إلى الحسن البصري، لكنه مرسل، والمرسل هذا من شواهد الحديث، فإن
المرسل القوي إذا صح واتفق مع المرفوع كان شاهداً له.. بل لم يكن المتقدمون يفرقون
كثيراً بين المرسل القوي والحديث المرفوع.. لا سيما وأن الحسن البصري كان في زمن
يصعب أن يحدث بحديث لا يكون معه فيه حجة إذا حوقق من نواصب أهل البصرة، وأظن أن من
أخبره بقول أبي سعيد هو أبو نضرة شيخ علي بن زيد بن جدعان، وهو بصري ومن طبقة
الحسن بل دونه في الطبقة بقليل.
الطريق الثامن: طريق أنس بن مالك ( صحابي معروف)
وهذه
الطريق يمكن أن تصنف شيعية أو سنية، فالمعتزلة عند التحقيق هم من أهل السنة، وهم
من أعدل الفرق في نقل الأخبار، ولكنه لم يذكر الإسناد كاملاً وسقط من كتاب الغارات
للثقفي، ففي شرح نهج البلاغة - ابن ابي الحديد - (1 / 1051) قال:
و روى صاحب كتاب الغارات عن الأعمش عن أنس بن مالك قال
سمعت رسول الله ص يقول سيظهر على الناس رجل من أمتي عظيم السرم واسع البلعوم يأكل ولا
يشبع يحمل وزر الثقلين يطلب الإمارة يوما فإذا أدركتموه فابقروا بطنه قال وكان
في يد رسول الله ص قضيب قد وضع طرفه في بطن معاوية .
قلت – ابن أبي
الحديد- هذا الخبر مرفوع مناسب لما قاله علي عليه السلام في نهج البلاغة ومؤكد لاختيارنا
أن المراد به معاوية دون ما قاله كثير من الناس إنه زياد والمغيرة اهـ .
التعليق:
الحديث في الشواهد العامة وليس أصلاً، ولو لم يصح
الأصل من طرق أهل السنة والحديث لما أوردته،
لم أجده في كتاب الغارات للثقفي، فلعله مما سقط منه.. وهذا من الأحاديث
التي ضاع نصف إسنادها.. وأوردته هنا من باب المقارنة التي أشرت إليها في المقدمة.
الطريق التاسع: طريق محمود بن لبيد الأنصاري عن
بدريين من بني عبد الأشهل:
وهذه من رواية الشيعة، رواها ابن طاووس في كتابه الفتن
عن السليلي ويظهر أنه سني معتدل، لكنه أتى في وقت صعب، في وقت البربهاري
والحنابلة، فأهمله أهل السنة كما أهملوا كتاب السقيفة للجوهري وكتب أبي مخنف وكتب
المدائني وغيرهم[67].
قال ابن طاووس الشيعي الإمامي :
في الفتن لأبي
صالح السليلي [68](
من علماء القرن الثالث وبداية الرابع، يروي عن الطبري وطبقته): قال ابن طاوس: وذكر
- يعني السيلي- بإسناده عن محمود بن لبيد[69]
، قال : حدثني نفر من قومي من بني عبد الأشهل شهدوا بدراً ، قالوا :
كنا عند النبي
صلى الله عليه وآله ، ومعنا معاوية ، فأشار بإصبعه إلى بطنه وقال :
( إن هذا سيطلب
الامارة يوما ، فإذا رأيتموه فعل ذلك فابقروا بطنه ) اهـ
التعليق:
ولم أجد إسناد
هذا الحديث لا عند السنة ولا عند الشيعة، فهو من تلك الأسانيد التي ضاعت، بل صاحب
الكتاب أهمله أهل السنة، رغم أن شيوخه معظمهم من أهل السنة وصنفه الشيعة في علماء
العامة – يعني أهل السنة- .
الطريق العاشر: طريق الحسين بن علي ( في مصدر
قديم بلا إسناد):
قال ابن أعثم الكوفي في الفتوح بغير إسناد:
وأصبح الحسين
( عليه السلام ) من الغد خرج من منزله ليستمع الأخبار ، فإذا هو بمروان بن الحكم قد
عارضه في طريقه ، فقال : أبا عبد الله ! إني لك ناصح ، فأطعني ترشد تسدد .
فقال الحسين (
عليه السلام ) وما ذلك ؟ قل حتى أسمع .
فقال مروان : أقول
إني آمرك ببيعة أمير المؤمنين يزيد ، فإنه خير لك في دينك ودنياك ! ! فاسترجع الحسين
( عليه السلام ) وقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وعلى الاسلام السلام إذ قد بليت
الأمة براع مثل يزيد !
ثم أقبل الحسين
( عليه السلام ) على مروان ، وقال : ويحك ! أتأمرني ببيعة يزيد وهو رجل فاسق ، لقد
قلت شططا من القول يا عظيم الزلل ! لا ألومك على قولك لأنك اللعين الذي لعنك رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) وأنت في صلب أبيك الحكم بن أبي العاص ، فإن من لعنه رسول الله
( صلى الله عليه وآله ) لا يمكن له ولا منه إلا أن يدعو إلى بيعة يزيد .
ثم قال ( عليه السلام ) :
إليك عني ، يا
عدو الله ! فإنا أهل بيت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والحق فينا وبالحق تنطق
ألسنتنا ، وقد سمعت رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يقول : الخلافة محرمة على آل
أبي سفيان ، وعلى الطلقاء (و) أبناء الطلقاء ، فإذا رأيتم معاوية على منبري فابقروا
بطنه ، فوالله لقد رآه أهل المدينة على منبر جدي فلم يفعلوا ما أمروا به ، فابتلاهم
الله بابنه يزيد، زاده الله في النار عذابا اهـ
التعليق:
ينظر مصادر ابن أعثم ومحاولة معرفة السند، وقد رويت
أخبار الحسين في هذه المرحلة فيمكن معرفة إسناد القصة بالاحتمال.
وأما المعنى
فهو قوي، وهذا هو الفهم المستنبط من القرآن الكريم، وأهل البيت سباقون في النطق عن
الوحي، وأجد في كلامهم مسحة من بقايا النبوة، ولا ريب فهم الثقل الثاني، ومن أضاع
الثقل الأصغر أضاع مفتاح الثقل الأكبر عقوبة أيضاً، لأن الكبر يستحق أكبر من هذه
العقوبة، والله ما يصدهم عن أهل بيت النبوة إلا ما صد شيوخ قريش عن يتيم بني هاشم
صلوات الله عليه، والابتلاء مستمر ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا
يفتنون)؟؟ فالفعل المضارع ( يفتنون) دليل
على أن الابتلاء مستمر، ليس في الجسد وفقد الأولاد وإنما ذلك الابتلاء للقلوب
والعقول، ومن غايات الله الكبرى في عباده الابتلاء، لينظر من ينكسر للحق ويأخذه
ممن أتى به، ومن يشترط على ربه ألا يأتيه الهدى إلا من غير بني هاشم!
وبنو هاشم لا نقصد بهم من فسق منهم أو غلا أو اتبع
النواصب وغلاة السلفية، فهؤلاء انحرفوا عنة منهج النبوة، فليس هؤلاء نقصد، وإنما
أهل الفضل والعلم والعدل، الذين أجمع المسلمون على فضلهم كالحسين مثلاً، ولكن لا
يحفظ له أهل السنة حديثاً ولا أثراً ولا فتوى ولا حكمة ... الخ فهذا الهجر الواسع
ليس إلا اتباعاً لسياسة قديمة، فإن كنتم تزعمون أن بني أمية قد ماتوا فما الذي
يمنعكم اليوم من الاهتمام بصالحي أهل البيت كما تهتمون بفساق بني أمية، فقط هذا ما
يطالب به السني الحر الذي أصبح ضيق النفس بهذا التعصب المتوارث، وليس عذراً أن
يكون الشيعة أو بعضهم يغلون في أهل البيت، فهناك بعض الصزفية يغلون في النبي (ص)
فهل هذا يسوغ إهماله؟ كلا والله ، هم يعرفون أن هذا ليس عذراً، وإنما توارثوا
المكر كما توارثوا النصب الخفي.
والغريب أن
الناصبي ماكر بطعبه ولو كان أحمق!
شيء عجيب!
الطريق الحادي عشر: طريق أبي ليلى الأنصاري (
صحابي كبير)
والمصدر هنا شيعي أيضاً والحديث بلا إسناد، ففي شرح
الأخبار ( 2/ 147) للقاضي النعمان المغربي قال: أبو ليلى عبد الله بن عبد الرحمان ،
يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله:
أنه كان جالسا
" في ملأ من أصحابه فيهم معاوية، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه
السلام : إن هذا - وأشار بيده إلى معاوية - سيطلب الإمارة ، فإذا فعل فابقروا بطنه
اهـ
التعليق:
الإسناد ضاع فيما ضاع من مثالب معاوية وأسانيدها،
والنزيف ما زال مستمراً!
وأما المتن فهو شاهد من
حيث الأصل، أي الأمر بقتل معاوية إن طلب الملك، ولعله طلب الملك في تلك الخطبة
لِمَ لا؟ قد يكون خطب ليعلم الناس بأنه أقدر على ضبط الأمور، وأنه أقوى على هذا
الأمر من غيره، ... ولو فعلها لتأول له هؤلاء، واحتجوا بموافقة الصحابة كما
احتجوا عندما أخذها بالسيف بموافقة الحسن
والحسين وبقايا الصحابة! فهؤلاء المعاويين
مستعدون لتسويغ أي أمر يفعله الرجل، ولكن هذا لم ينقل، وليس كل ما لم ينقل لم
يحدث.. ولو نقل التراث كل أقوال هؤلاء لكان تاريخ الطبري آلاف المجلدات، وعلى كل
حال فقد يشكك البعض في المصدر بأنه افترى الحديث أعني القاضي النعمان، ورغم أنه
علامة شيعي فاطمي
[1] وهنا أتذكر قول أبي توبة الحلبي أحد النواصب ( معاوية ستر لأصحاب محمد)
وكلامه هذا ناقص، إنما معاوية ستر لكل شيء! للدين والرسل والصحابة والقرابة.. لقد
غطى عليهم جميعاً، فإذا رفعناه لعلنا نجدهم ونفكهم من أسر معاوية وسجنه الكبير.
[2] قد يقول البعض، لماذا لا تقدم دراسة مناقبه ثم مثالبه؟ نقول
أولاً: لم يثبت لمعاوية فضيلة ولا منقبة،
وإنما سندرس تلك الأحاديث الموضوعة في فضله – والتي صححها التيار الأموي
نفسه- لنتوصل منها إلى دراسة أعلام ذلك
التيار الذي دشن المشروع الأموي داخل التراث الإسلامي، وبالتالي أمكنه أن يسيطر
على الإسلام، ولا غرابة في ذلك، فإن معاوية عند كثير من المسلمين أهم من الإسلام
نفسه ومن النبي (ص) ومن أهل بدر ومن أهل البيت.. وهذا موضوع آخر طويل لكنه مادة
خصبة للدراسة والتساؤل والتعجب، وفضائل معاوية الموضوعة كثيرة جداً، وهي مادة
كبيرة لأي باحث، بشرط أن لا تكون هي هدفاً بذاتها، وإنما يكون الهدف دراسة الظروف
التي أنتجتها .. هذا مشروع يفتحنا على دراسة السلطة مباشرة، وهناك فقر إسلامي كبير
في دراسة السلطة ونفسيتها وأدواتها في السيطرة على عقول الناس ودينهم وسلوكهم،
فتلك المناقب ترتد مثالب على معاوية لأنها شاهد حي على وضعه للحديث وأن ذلك جرى
بتوجيه وإشراف منه، والدلائل على ذلك سترونها في باب دراسة المناقب .
[3] بقية الأربعة: المؤاخاة،
المنزلة، خيبر، الموالاة ( أو الثقلين أوالغدير =
العناوين الثلاثة لحديث واحد).
[4] ففي صحيح البخاري، (9 / 60) : باب قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم
هَلاَكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ/
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ
بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي جَدِّي قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا مَعَ
أَبِي هُرَيْرَةَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ وَمَعَنَا
مَرْوَانُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ سَمِعْتُ الصَّادِقَ الْمَصْدُوقَ يَقُولُ هَلَكَةُ
أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ غِلْمَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ! فَقَالَ مَرْوَانُ لَعْنَةُ اللهِ
عَلَيْهِمْ غِلْمَةً! فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ بَنِي
فُلاَنٍ وَبَنِي فُلاَنٍ لَفَعَلْتُ فَكُنْتُ أَخْرُجُ مَعَ جَدِّي إِلَى بَنِي
مَرْوَانَ حِينَ مَلَكُوا بِالشَّامِ فَإِذَا رَآهُمْ غِلْمَانًا أَحْدَاثًا قَالَ
لَنَا عَسَى هَؤُلاَءِ أَنْ يَكُونُوا مِنْهُمْ قُلْنَا أَنْتَ أَعْلَمُ اهـوهو في
مصادر أخرى مثل (مسند أحمد بن حنبل - (2 / 299) حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد
بن جعفر ثنا شعبة عن سماك عن مالك بن ظالم قال سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله
صلى الله عليه و سلم أبا القاسم صلى الله عليه و سلم الصادق المصدوق يقول : ان هلاك
أمتي أو فساد أمتي رؤوس أمراء أغيلمة سفهاء من قريش اهـ / مسند أحمد بن حنبل - (2
/ 485): حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا عبد
الرحمن عن سفيان عن سماك قال حدثني عبد الله بن ظالم قال سمعت أبا هريرة قال سمعت حبي
أبا القاسم صلى الله عليه و سلم يقول : ان فساد أمتي على يدي أغيلمة سفهاء من قريش
/ مسند أحمد بن حنبل - (2 / 520): حدثنا عبد
الله قال ثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا حماد يعني بن سلمة أنا عاصم بن بهدلة عن يزيد بن
شريك أن الضحاك بن قيس أرسل معه إلى مروان بكسوة فقال مروان : انظروا من ترون بالباب
قال أبو هريرة فأذن له فقال يا أبا هريرة حدثنا بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه
و سلم فقال سمعته يقول ليتمنين أقوام ولوا هذا الأمر انهم خروا من الثريا وأنهم لم
يلوا شيئا قال زدنا يا أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول يجري
هلاك هذه الأمة على يدي أغيلمة من قريش / صحيح ابن حبان - (15 / 107): أخبرنا أبو يعلى،
قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا شيبان،
عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"هلاك أمتي على يدي غلمان سفهاء من قريش" . قال: فقال مروان: والغلمان هؤلاء
" / المستدرك على الصحيحين للحاكم - (4 / 525): حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب
ثنا أبو عتبة أحمد بن الفرج الحجازي بحمص ثنا بقية بن الوليد عن أبي بكر بن أبي مريم
عن راشد بن سعد عن أبي ذر رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول
: إذا بلغت بنو أمية أربعين اتخذوا عباد الله خولا و مال الله نحلا و كتاب دغلا / المستدرك
على الصحيحين للحاكم مع تعليقات الذهبي في التلخيص - (4 / 526): قال أبو بكر بن أبي مريم و حدثني عمار بن أبي عمار
أنه سمع أباهريرة رضي الله عنه يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول : هلاك
هذه الأمة على يدي أغيلمة من قريش اهـ هذا
حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه و لهذا الحديث توابع و شواهد عن رسول الله صلى
الله عليه و سلم و صحابته الطاهرين و الأئمة من التابعين لم يسعني إلا ذكرها فذكرت
بعض ما حضرني منها /المستدرك على الصحيحين للحاكم - (4 / 528): و منها ما حدثناه أبو
بكر محمد بن أحمد بن بالويه ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا حجاج بن محمد
ثنا شعبة عن أبي حمزة قال : سمعت حميد بن هلال يحدث عن عبد الله بن مطرف عن أبي برزة
الأسلمي قال : كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم بنو أمية و بنو
حنيفة و ثقيف ، وقال : هذا حديث صحيح على شرط
الشيخين ولم يخرجاه تعليق الذهبي قي التلخيص : على شرط البخاري ومسلم ..الخ من هذا
الحشد الروائي للأحاديث التي يصححونها وتوصلنا شيئاً فشيئاً إلى أرباب الفساد في
هذه الأمة، فهل يكون جزاؤهم هو حمايتهم أم كشفهم؟
[5] موسوعة مؤلفات الإمام محمد بن عبد الوهاب - (8 / 125): قال الشيخ وهو يعدد النواقض العشرة:
الرابع : من اعتقد أن غير هدى النبي صلى الله عليه وسلم
أكمل من هديه، أو أن حكم غيره أحسن من حكمه كالذين يفضلون حكم الطاغوت على حكمه فهو
كافر ( قلت: وهم يرون أن هديهم في الكتمان لهذه الأحاديث أولى من هدي النبي في
الإعلان)!.
الخامس : من أبغض شيئاَ مما جاء به الرسول صلى الله عليه
وسلم ولو عمل به كفر إجماعاً، والدليل قوله تعالى : (( ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله
فأحبط أعمالهم ) اهـ وهذان الناقضان في معاوية وأتباعه، إلا أننا لا نكفر أتباعه
لجهلهم وتأولهم ونطقهم بالشهادتين اهـ ( قلت: وهم يبغضون هذه الأحاديث قطعاً،
لكنهم لا يشيعون ذلك).
[6] سيأتي أن إسماعيل هذا لن يخرج عن أحد ثلاثة ( إسماعيل بن أبي خالد أو
إسماعيل بن مسلم العبدي، أو إسماعيل بن مسلم المكي).
[7]
وقد أفردناها ببحث ولو أوردنا ذلك البحث ضمن ملاحق هذا الحديث لكان كتاباً، ويكفي
أن نقول إن أبلغ النواصب كابن تيمية يحتج بما انفرد به علي بن زيد بن جدعان! فكيف
بما توبع عليه هو وشيخه وشيخ شيخه؟.
[8] قد يأتي بعض طلبة العلم ويستغربون مثل هذا الحشد المعلوماتي، أن هذا
فيه نصب وهذا فيه تشيع والبصرة ناصبية و...الخ وأنا إنما أتحدث هنا مع أهل العلم،
ومن الصعب توثيق كل شيء، وليراجعوا الملحق ( في نصب أهل البصرة).
[9]
انظر تصحيح ابن تيمية وغيره لأحاديث ابن جدعان واحتجاجهم بها عندما تخدم عقائدهم!
بل من هذا الطريق وأقل منه بنى ابن تيمية ما بناه من النصب كما سيأتي.
[10] علي بن زيد بن جدعان التيمي القرشي البصري ( نحو 131هـ)، من رجال مسلم
والسنن، مختلف فيه، وهو صدوق عند التحقيق مع أنه أضعف رجل في هذا الإسناد عندهم،
وهذا الرجل يصححون له في أحاديث أخرى، حتى غلاة النواصب كابن تيمية يصحح له، إلا أن أغلب أهل الحديث
لانحرافهم عن أهل البيت لا يستنكرون من احاديث الثقات إلا ما ورد في ذم معاوية
وأمثاله، وهذا تحكم مذهبي، وفي علي بن زيد بن جدعان يقول الحافظ في التقريب: علي بن
زيد بن عبد الله بن زهير بن عبد الله بن جدعان التيمي البصري أصله حجازي وهو المعروف
بعلي بن زيد بن جدعان ينسب أبوه إلى جد جده ضعيف من الرابعة مات سنة إحدى وثلاثين
وقيل قبلها بخ م 4 ) وقد أفردته بترجمة مطولة وشيء من أحاديثه ورواياته في الملحق.
[11] اسمه المنذر بن مالك بن قطعة
البصري ( 108هـ)، ثقة عندهم من رجال مسلم والسنن ( قال الحافظ : تقريب التهذيب - (ج
1 / ص 546): المنذر بن مالك بن قطعة بضم القاف وفتح المهملة العبدي العوقي البصري أبو
نضرة مشهور بكنيته ثقة من الثالثة مات سنة ثمان أو تسع ومائة خت م 4 ).
[12] وأقدم مصدر بعد ابن أبي شيبة هو البلاذري ففي أنساب الأشراف - (2 /
121) : حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل وأبو صالح الفراء الأنطاكي ( وهما ثقتان) قالا:
حدثنا حجاج بن محمد ( وهو ثقة) حدثنا حماد
بن سلمة ( وهو ثقة) عن علي بن زيد( وهو صدوق
) عن أبي نضرة ( وهو ثقة) عن أبي سعيد الخدري
( وهو من فضلاء الصحابة) : أن رجلاً من الأنصار
أراد قتل معاوية، فقلنا له: لا تسل السيف في عهد عمر حتى تكتب إليه، قال: إني
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا رأيتم معاوية يخطب على الأعواد
فاقتلوه " ، قال: ونحن قد سمعناه ولكن لا نفعل حتى نكتب إلى عمر، فكتبوا
إليه فلم يأتهم جواب الكتاب حتى مات اهـ .
[13]
انظر ترجمته في الملحق، والمضعفون كان أنكر ما أخذوا عليه هذا الحديث! من بين مئات
إن لم نقل آلاف الأحاديث التي رواها، وهذا دليل على أن هذا الحديث هو السبب الأكبر
في تضعيف من ضعفه، ولو أن معاوية كان رجلاً صالحاً، أو أنه انفرد به لقلنا إن جرح
من جرحه كان لله، أما أن يكون الحديث بهذا الشهرة، ثم يتعارض مع العقائد التي
استحدثوها في الصحابة عامة وفي معاوية خاصة، فلا يجوز أن نخضع حديث رسول الله
لعقائد محدثة ما أنزل الله بها من سلطان، وقد فصلت في بحث آخر بين ( الجرح العلمي
والجرح المذهبي) وكذلك هناك ( تعديل علمي وتعديل مذهبي) والاثنان موجودان في كتب
الرجال لكن بلا إدراك أكثر المشتغلين بهذا العلم لهذه الفروق، وإن اعترفوا بها
فإنما يعترفون إذا تعارك منهم اثنان! فهنا تحضر النظريات الجميلة لتوقف الخصومات
وتعزلها.
[14] ويدل على ذلك، أعني من كون بعض أهل الحديث المتأثرين بالنصب إنما ضعفوه
بسبب روايته لهذا الحديث، ففي تهذيب التهذيب - (ج 7 / ص 284) : وقال غيره: أنكر ما روى ما حدث به حماد بن سلمة عنه عن أبي
نضرة عن أبي سعيد رفعه إذا رأيتم معاوية على هذه الأعواد فاقتلوه! وأخرجه الحسن بن
سفيان في مسنده عن إسحاق عن عبد الرزاق عن ابن عيينة عن علي بن زيد/ والمحفوظ عن عبد
الرزاق عن جعفر بن سليمان عن علي ولكن لفظ بن عيينة فارجموه، أورده بن عدي عن الحسن
بن سفيان اهـ وكل من ترجم لعلي بن زيد بن
جدعان فإنه يورد هذا الحديث في منكرات ما روى، وهذا يعني يعني أنه لولا روايته هذا
الحديث الذي هو عندهم ( أنكر ما روى) لكان صدوقاً على الأقل! وهذا الجرح المذهبي
غير مقبول عند التحقيق.
[15] بعضهم يزيد هذا في نسبه.. انظر
ترجمته في لسان الميزان وغيره، بينما لم يذكرها ابن حبان وهو ألصق الناس به،
والزيادة أوثق، لأن من أسقطها فإنما ينسبه إلى جده (مصعب) لشهرته، بل هذا البيت
لهم نسبة إلى مصعب، فيقال ( المصعبي).
[16] عمه هو عبد الله بن مصعب بن
بشر، ومن حديثه في طبقات المحدثين بأصبهان لأبي الشيخ الأصبهاني - (ج 4 / ص 244) :
حدثنا أبو بشر ، قال : ثنا عمي عبد الله بن مصعب بن بشر ، عن أبيه ، عن عثمان بن جبلة
بن أبي رواد ، قال : ثنا شعبة ، عن ثابت ، عن أنس ، عن أبي بكر الصديق ، قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغار قال أبو بكر : يا رسول الله لو أن أحدهم نظر
إلى قدمه لأبصرنا . فقال : « يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما »
[17] هو مصعب بن بشر : قال الخليلي في الإرشاد - (ج 3 / ص 896) : يروي عن الثوري
غرائب لا يتابع عليها وليس بذلك المرضي عندهم يروي أبو بشر احمد بن محمد بن عمر بن
مصعب حفدته ( حفيده) عن أبيه عن جده أحاديث ينكرها الحفاظ اهـ
[18] عبد الله بن راشد الكندي هذا قيل له صحبة وأنه كان مع وفد الأشعث بن
قيس ( انظر الإصابة).
[19] وقد ألقى السمعاني الضوء على عائلة أبي بشر هذا، في نسبة ( المصعبي) من
الأنساب، وعرف ببعض أعلام هذا البيت، ومن عائلة هذا الراوي/ الإرشاد في معرفة علماء
الحديث للخليلي - (ج 3 / ص 61): مصعب بن بشر
يروي عن الثوري غرائب لا يتابع عليها ، وليس بذلك المرضي عندهم ، يروي أبو بشر أحمد
بن محمد بن عمر بن مصعب حفدته عن أبيه عن جده أحاديث ينكرها الحفاظ.
[20] انظر المزيد من ترجمته في
الملحق.
[21] مجالد بن سعيد الهمداني .. كوفي ناصبي مات بعد (140هـ).
[22] اسمه جبر بن نوف.. ثقة ...
ستأتي ترجمته.
[23] رواه ابن عساكر بأسانيد عن محمد بن بشر
والوليد بن القاسم كلاهما عن مجالد به، انظر تاريخ دمشق لابن عساكر (59/155-156).
[24] رواه أبو بكر بن أبي شيبة شيخ
البخاري ومسلم، كما في المطالب العالية للحافظ ابن حجر العسقلاني - (12 / 429) : وقال
ابن أبي شيبة حدثنا محمد بن بشر ، حدثنا مجالد ، عن أبي الوداك عن أبي سعيد قال : قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إذا رأيتم فلانا
يخطب على منبري فاقتلوه »/ وفي تاريخ دمشق - (ج 59 / ص 155) ...محمد بن
رافع نا محمد بن بشر نا مجالد عن أبي الوداك عن أبي سعيد قال قال رسول الله
( صلى الله عليه وسلم ) : (إذا رأيتم فلانا يخطب على
منبري فاقتلوه) اهـ
[25] عند ابن عساكر أيضاً في الموضع نفسه من رواية جندل بن والق عن محمد بن بشر
فسمى معاوية/ وروى من طريق ابن عدي ... الوليد بن القاسم عن مجالد عن أبي الوداك
عن أبي سعيد أن رسول الله ( صلى الله عليه وسلم ) قال: (إذا رأيتم معاوية
على منبري فاقتلوه)..
[26] انظر أسباب اتهامي له بالنصب، وأسباب سكوتهم
عن نصبه في ترجمته المفردة في الملحق..
[27]
انظر الملحق ( تراجم رجال حديث أبي سعيد).
[28] هو جبر بن نوف البكالي الهمداني الكوفي ( نحو 128هـ) ثقة انظر الملحق.
[29]
الشيخ ابن عزوز المكي، أقام في مكة فترة قصيرة فسماه ابن عقيل بذلك، وليس مشهوراً
بالمكي، وإفادته للشيخ ابن عقيل ببعض طرق
هذا الحديث من أنساب الأشراف للبلاذري يدل على سعة اطلاعه في زمن لم يكن أحد يسمع
بأنساب الأشراف إلا في المصادر القديمة، وكلام ابن عزوز على الحديث يدل على دقة
علم بعلم الحديث، وتجرد عن الهوى، وخروج عن التقليد، وهكذا العظماء لا يكاد يعرفهم
أحد وخاصة من التيار السلفي الذي يتفاخر بوعاظ لو سألت أحدهم عن تحقيق ترجمة لعجز،
ولكن الأمر كما قال الإمام علي ( صواب الرأي بالدول)!
وهذه ترجمة ابن عزوز في الأعلام للزركلي - (7 / 109) ابن عزوز (1270 -
1334 هـ = 1854 - 1916 م): محمد مكى بن مصطفى
بن محمد بن عزوز الحسنى الادريسي المالكى التونسى:) قاض فقيه باحث. ولد ببلدة (نفطة)
وتعلم بتونس وولي الافتاء بنفطة سنة 1297 هـ ثم قضاءها. وعاد إلى تونس سنة 1309 وفى
سنة 1313 رحل إلى الاستانة فتولى بها تدريس الحديث في دار الفنون ومدرسة الواعظين.
واستمر إلى أن توفى بها، من كتبه (رسالة في أصول الحديث - ط) و (السيف الربانى - ط)
و (مغانم السعادة في فضل الافادة على العبادة) و (طريق الجنة في تحلية المؤمنات بالفقه
والسنة) و(نظم الجغرافية التى لا تتحول بمغالبة الدول) و (تعديل الحركة في عمران المملكة)
و (عمدة الاثبات - خ) في رجال الحديث، و (إرشاد الحيران في خلاف قالون لعثمان) في القراءة،
و (الجوهر المرتب في العمل بالربع المجيب) فلك، و (الحق الصريح) مناسك، و (الذخيرة
المكية) في الهيئة، و (إسعاف الاخوان في جواب السؤال الوارد من داغستان) و (هيئة الناسك
- ط) رسالة، و (أصول الطرق وفروعها وسلاسلها) و(إقناع العاتب في آفات المكاتب) و (انتهاز
الفرصة في مذاكرة متفنن قفصة) و (الاجوبة المكية عن الاسئلة الحجازية - ط) نظم، و
(الايوان في مذاكرة الاحبة بالقيروان) و (بروق المباسم) في ترجمة محمد بن أبى القاسم،
و (الجوهر المرتب - ط) في الهيئة، و (تأسيس الاسانيد) و (التنزيه عن التعطيل والتشبيه)
اهـ .
[30] الأعلام للزركلي - (6 / 204): المناوي
(952 - 1031 هـ = 1545 - 1622 م) محمد عبد الرؤوف بن تاج العارفين ابن علي بن زين العابدين
الحدادي ثم المناوي القاهري، زين الدين: من كبار العلماء بالدين والفنون. انزوى للبحث
والتصنيف، وكان قليل الطعام كثير السهر، فمرض وضعفت أطرافه، فجعل ولده تاج الدين محمد
يستملي منه تآليفه. له نحو ثمانين مصنفا، منها الكبير والصغير والتام والناقص. عاش
في القاهرة، وتوفي بها. من كتبه (كنوز الحقائق - ط) في الحديث، و (التيسير
- ط) في شرح الجامع الصغير، مجلدان، اختصره من شرحه الكبير (فيض القدير - ط) و (شرح
الشمائل للترمذي - ط) و (الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية - ط) في جزءين و
(شرح قصيدة النفس، العينية لابن سينا - ط) و (الجواهر المضية في الآداب السلطانية
- خ) و (سيرة عمر بن عبد العزيز - خ) و (تيسير الوقوف على غوامض أحكام الوقوف - خ)
و (غاية الارشاد إلى معرفة أحكام الحيوان والنبات والجماد - خ) و (اليواقيت والدرر
- خ) في الحديث، و (الفتوحات السبحانية - خ) في شرح ألفية العراقي، في السيرة النبوية،
و (الصفوة - خ) في مناقب آل البيت، و (الطبقات الصغرى - خ) ويسمى إرغام أولياء الشيطان،
و (شرح القاموس المحيط - خ) الاول منه، و (آداب الاكل والشرب - خ) و (الدر المنضود
في ذم البخل ومدح الجود - خ) و (التوقيف على مهمات التعاريف - خ) ذيل لتعريفات الجرجاني،
و (بغية المحتاج في معرفة أصول الطب والعلاج) و (تاريخ الخلفاء) و (عماد البلاغة) في
الامثال، وكتاب في (التشريح والروح وما به صلاح الانسان وفساده) و (إحكام الاساس) اختصر
به أساس البلاغة ورتبه كالقاموس .
[31]
ولفظ البلاذري يدل على أن مجموعة من الصحابة قد أقروا ذلك الأنصاري على الحديث،
ففي أنساب الأشراف - (2 / 121) : حدثنا إسحاق بن أبي اسرائيل وأبو صالح الفراء الأنطاكي
قالا: حدثنا حجاج بن محمد حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي نضرة عن أبي سعيد
الخدري أن رجلاً من الأنصار أراد قتل معاوية، فقلنا له: لا تسل السيف في عهد
عمر حتى تكتب إليه، قال: إني سمعت روسل الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا رأيتم
معاوية يخطب على الأعواد فاقتلوه " ، قال: ونحن قد سمعناه ولكن لا نفعل حتى
نكتب إلى عمر، فكتبوا إليه فلم يأتهم جواب الكتاب حتى مات اهـ وهذا الحديث قد
صححه الشيخ محمد بن عزوز المكي على شرط الصحيح وهذا قريب مما قال، إلا أن رواية
مسلم عن علي بن زيد مقروناً بعاصم الأحول، والمتن يدل على أن القائل مجموعة من
الصحابة وليس القائل أبا سعيد وحده، لأن الحادثة حصلت في المسجد النبوي، وقد تكتم
المؤرخون عن وجود معاوية في تلك الأيام في المدينة، ولكني استخرجت وجوده في
المدينة من صحيح البخاري! في قصة الشورى
وبيعة عثمان وفيه (صحيح البخاري (9 / 98): فَقَالَ ( عبد الرحمن بن عوف لعثمان) أُبَايِعُكَ
عَلَى سُنَّةِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَالْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ فَبَايَعَهُ عَبْدُ
الرَّحْمَنِ وَبَايَعَهُ النَّاسُ الْمُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ
وَالْمُسْلِمُون)! وهذا صحيح فقد حجوا مع عمر ولبثوا في المدينة حتى قتل واطمأنوا
أنه قد مات وأن خليفته عثمان ثم ذهبوا! وكان ماكان في تلك الأيام من خطبة عمر ثم
مقتله وقصة أبي لؤلؤة وقتله وخطبة معاوية على المنبر وتحقق الحديث وتذكر الصحابة
وموت عمر قبل الجواب!
[32] هذا الأنصاري صحابي والصحابة عندهم كلهم عدول..
[33] انظر مثلاً صحيح مسلم (2/859) تحقيق محمد فؤاد
عبد الباقي.
[34] تهذيب الكمال (3/252) مؤسسة الرسالة.
[35] الجرح والتعديل (3/60).
[36] وأخرجه ابن عدي (2/209): أخبرنا علي بن العباس
ثنا عباد بن يعقوب ثنا الحكم بن ظهير.. به.
[37] وأخرجه ابن عدي (2/209) قال
أخبرنا علي بن العباس ثنا عباد بن يعقوب ثنا الحكم بن ظهير.. به، / وفي الموضوعات
لابن الجوزي - (2 / 24) فأما حديث ابن مسعود فأنبأنا محمد بن ناصر قال أنبأنا عبد القادر
بن محمد ابن يوسف أنبأنا أبو إسحاق البرمكى حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن شاذان
أنبأنا أبو بكر عبدالله بن سليمان بن الاشعث حدثنا عباد بن يعقوب الرواجنى حدثنا
الحكم بن ظهير عن عاصم عن زر عن عبدالله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا
رأيتم معاوية يخطب على منبرى هذا فاقتلوه " فإذا كان هذا الناصبي – ابن أبي
داود- قد رواه، ووثق في عباد بن يعقوب، فمعنى هذا أن بعض النواصب المتقدمين كانوا
أوسع أفقاً وأقبل للحق من نواصب عصرنا، فنواصب عصرنا قد صبغهم ابن تيمية صبغة
زائدة عن الحد، فلم يعودوا يقبلون في معاوية إلا الفضائل ولو كانت موضوعة ويردون
دلالات المثالب ولو كانت في الأحاديث المتواترة كما يفعلون مع حديث عمار.
[38] إبراهيم بن العلاف البصري: شيخ
البلاذري ، هو إبراهيم بن الحسن العلاف، اختصر اسمه البلاذري، وفي تعجيل المنفعة -
(ج 1 / ص 15): إبراهيم بن الحسن الباهلي
العلاف المقري عن حماد بن زيد وأبي عوانة وعنه عبد الله بن احمد وغيره وليس هو
بالمشهور قلت – ابن حجر- : كان عبد الله بن
احمد لا يكتب إلا عن من أذن له أبوه في الكتابة عنه وكان لا يأذن له أن يكتب إلا عن
أهل السنة حتى كان يمنعه أن يكتب عن من أجاب في المحنة ولذلك فاته علي بن الجعد ونظراؤه
من المسندين ثم إن هذا الباهلي وثقه أبو زرعة وقال كان صاحب قرآن بصيرا به واسم
جده نجيح وروى عنه أيضا أبو حاتم والحسن بن سفيان ومات سنة خمس وثلاثين أرخه مطين وابن
جرير وابن حبان في الثقات وذكره الصريفيني في رجال الكتب الستة وان النسائي روى عنه
اهـ / قلت: وذكره ابن حبان في الثقات،
وابن حبان متشدد في المتأخرين.
[39] سلام أبو المنذر: هو سلام بن سلم ثقة وكان سنياً متعصباً وهو من أشد
الناس إنكاراً على القدرية والجهمية، وفي الكاشف في معرفة من له رواية في الكتب الستة
- (ج 1 / ص 474): سلام بن سليمان أبو المنذر المزني مقرئ البصرة قرأ على عاصم وأبي
عمرو وسمع من ثابت وأيوب وعليه قرأ يعقوب وعنه عفان و عبد الواحد بن غياث قال أبو حاتم
صالح، الحديث صدوق، توفي 171 ت س اهـ /
وقال في العبر في خبر من غبر - (ج 1 / ص 48):
فيها أبو المنذر سلام بن سلم المزني، مولاهم، البصري ثم الكوفي النحوي المقرىء.
أخذ عن عاصم ابن أبي النجود، وأبي عمرو (بن العلاء) وحدث عن ثابت البناني وغيره. وهو
شيخ يعقوب الحضرمي المقرىء، اهـ.
[40] الذهبي في النبلاء (3/149).
[41] سفيان بن محمد الفزاري ضعيف، ضعفه أبو حاتم
وأبو زرعة والدارقطني وابن عدي والحاكم وصالح جزرة ولم يوثقه أحد، راجع ترجمته في
الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (4/231)، وتاريخ بغداد (9/185) ولسان الميزان (3/66-
طبعة دار الفكر).
[42] هذا من قول الخطيب .. وبقية التوثيقات مني على المشهور عند أهل الحديث.
[43] وهو
في الكامل في ضعفاء الرجال - (3 / 419): أنا أحمد بن الحسين الصوفي ثنا سفيان بن محمد ها
ثنا منصور بن سلمة ثنا سليمان بن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر عن النبي صلى
الله عليه وسلم مثله
وقبله إذا رأيتم
على منبري فاقتلوه يعني فلان ( هكذا لم يصرحوا باسم معاوية).
قال الشيخ (
يعني ابن عدي) : فسواه سفيان هذا فقال : عن
جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر
ورواه عن منصور
بن سلمة عن سليمان بن بلال وسليمان ثقة ومنصور لا بأس به
وإنما يروي جعفر
بن محمد عن جماعة من أهل بدر عن النبي صلى الله عليه وسلم
ثناه بن سعيد
ثنا أبو شيبة بن أبي بكر بن أبي شيبة عن خالد بن مخلد عن سليمان بن بلال عن جعفر اهـ
قلنا سواء رواه الباقر عن أهل بدر أو عن جابر، أو
رواه ابنه الصادق مرسلاً عن جماعة من أهل بدر، فالحديث يصلح في المتابعات
والشواهد، وأهل البيت حريصون على مثل هذه الأحاديث وهم أصدق من أن يرووا عن جدهم
ما لا يثقون بصحته.
[44] بلفظ (فاقبلوه فإنه أمين مأمون) وهذا اللفظ
التفاف ناصبي على الحديث النبوي، ونحن اعتدنا من أهل الحديث هذه الحمايات لمعاوية
فهم يخشون أن يحيف الله عليهم ورسوله، ( ولا يبغض علياً إلا منافق).
قال الخطيب: لم أكتب هذا الحديث إلا من هذا الوجه
ورجال إسناده ما بين محمد بن إسحاق وأبي الزبير كلهم مجهولون، مات أبو بكر المقرئ
عام 352هـ، وحديثه كثير المناكير.
[45] هذا عنوان كتاب للخطيب البغدادي، ولو سار على منهجهم ما استخرج اسماً..
وعذراً في الحوار مع هؤلاء لأن لهم أتباعاً يرون أنهم على علم عظيم! فماذا نفعل؟
هذا ما فعله معاوية بهذه الأمة.
[46] وعبد الرحمن بن سهل الأنصاري الحارثي صحابي شهد
بدراً في قول، وكان قوياً في الحق فقيهاً، انظر ترجمته في الملحق.
[47] ومن طريقه رواه كثير من أصحاب
التراجم..
[48] شيخ أبي نعيم أبو عمر الحيري
محدث نيسابور ( 356هـ) ، ثقة حافظ كبير.. وانظر الملحق..
[49] الحسن بن سفيان ( 303هـ) : له
مسند معروف باسمه، وهو حافظ كبير ثقة، وصفوه بالصلابة في السنة، وكان محدث خراسان
في عصره ( حسب تعبير الحاكم)، وقال الذهبي في تذكرة الحفاظ - (2 / 197): الحسن بن سفيان
بن عامر الحافظ الإمام شيخ خراسان أبو العباس الشيباني النسوي صاحب المسند الكبير..
الخ ومات سنة 303هـ.
[50] هو السدي الصغير ( 240هـ) ثقة
وانظر الملحق...
[51] يحيى بن واضح: وهو ثقة من رجال
الجماعة، انظر الملحق.
[52] محمد بن إسحاق ( 150هـ) أمير
المؤمنين في الحديث عند شعبة، وإمام أهل المغازي، وهو صدوق عند أهل الحديث وطعنوا
فيه بالتدليس وبغير ذلك، مع أن التدليس مذهب عام لأهل الحديث إلا قلائل كشعبة، بل
شعبة نفسه وجدوا له بعض التدليس.. فإذا تم حذف أحاديث المدلسين إذا عنعنوا
فليحذفوا أكثر أحاديث البخاري ومسلم.
[53] صوابه بريدة بن سفيان ( انظر
ترجمة القرظي في تهذيب الكمال)، وهو بريدة بن سفيان الأسلمي، قيل أن له صحبة، فإن
صح وإلا فهو من كبار التابعين وصالحيهم على ما يظهر في روايته والأقوال فيه وقد
أفردناه فلينظر الملحق.
[54] محمد بن كعب القرظي تابعي ثقة
توفي 118هـ وهو من رجال الجماعة، وقد وصفوه بالعلم بالقرآن الكريم، وقد سمع من
الإمام علي وابن مسعود وطبقتهم، فهو قديم السماع، بل قيل أنه ولد في عهد النبي (ص)
وأن له صحبة.
[55] وقد كذبه الدارقطني، لأنه يروي
عن الثقات أحاديث باطلة، فكيف بتحريفه؟ فهذا أخفى، ففي سؤالات حمزة بن يوسف السهمي
- (1 / 168) سألت الدارقطني عن إبراهيم بن عبد الله بن أيوب أبي إسحاق المخرمي فقال
ليس بثقة حدث عن قوم ثقات بأحاديث باطلة من حديث روى عن خالد بن خداش والقواريري عن
جعفر عن مالك بن دينار عن أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله يأمر الملائكة
أن يكتبوا على الصائمين من أمة محمد صلى الله عليه و سلم بعد العصر ذنبا قال وهذا باطل
الإسناد ثقات كلهم اهـ قلت: ما أحلى أهل الحديث عندما ينصفون، يخرج كلامهم كالدر
المنضد.
[56] هو كوفي ثقة ووصموه بالتشيع لأنه إذا ذكر علي كان يصلي عليه! ولابد أنه
روى الحديث على الصواب إنما التحريف من تلميذه / وفي سير أعلام النبلاء - (20 /
148): سُئِلَ أَحْمَدُ بنُ حَنْبَلٍ عَنْهُ،
فَقَالَ: صَدُوْقٌ، كَانَ يَسْمَعُ مَعَنَا الحَدِيْثَ، وَيَطْلُبُ./ وَقَالَ أَبُو
دَاوُدَ: هُوَ ثِقَةٌ./ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ يَتَشَيَّعُ./ قَالَ إِبْرَاهِيْمُ
بنُ عَبْدِ اللهِ بنِ أَيُّوْب المُخَرِّمِيُّ: كَانَ إِذَا قَدِمَ بَغْدَادَ، نَزَل
عَلَى أَبِي، وَكَانَ إِذَا جَاءَ ذِكْرُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
رُبَّمَا سَكَتَ، وَإِذَا جَاءَ ذِكْرُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْتُ: مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثِيْنَ وَمائَتَيْنِ اهـ كلام
الذهبي..
[57] كذا .. والصواب بريدة بن سفيان الأسلمي..
[58] أحدهما ثقة والآخر صدوق..
[59] ثقة من رجال الجماعة مات بعد 180هـ
[60] روى عن الحسن ثلاثة اسم كل منهم إسماعيل، إسماعيل بن أبي خالد، وإسماعيل
بن مسلم العبدي، وإسماعيل بن مسلم المكي، ولكن في بعض الطرق ( إسماعيل بن مسلم)،
فانحصر هذا الراوي بين اثنين، العبدي والمكي، فإن كان العبدي فهو ثقة من رجال مسلم
والنسائي، ففي تقريب التهذيب - (1 / 99): إسماعيل بن مسلم العبدي أبو محمد البصري القاضي
ثقة من السادسة م ت س / وإن كان المكي فهو ضعيف ضعفاً غير شديد وقد وثق، وهو هنا
متابع من الأعمش، فلا يضره ذلك الضعف إن
سلمنا بأن التضعيف كان علمياً، مع أن واقع ترجمته تدل على أنه من العلماء وأن
التضعيف مذهبي فقد قرنوه بعمرو بن عبيد.. وهو متابع على كل حال، والذي صرح باسم
إسماعيل وقال ( إسماعيل بن مسلم) هو محمد بن سليمان الكوفي في فضائل علي، ولولاه
لظن أكثر الناس أنه إسماعيل بن أبي خالد.
[61] الأعمش ثقة من رجال الجماعة مات سنة 148هـ
[62] الحديث مرسل، ورواه في الزاهر عن أبي سعيد الخدري، والمرسل هنا من
شواهد وعواضد الحديث المرفوع، ويهمنا هنا أن رجلاً من خيار التابعين كان يرى وجوب
قتل معاوية.
[63] وهو ثقة ضعفه بعضهم مذهبياً والتضعيف المذهبي ليبس علمياً انظر ترجمته
في الملحق..
[64] الراجح أنه أبو نضرة، وهو معاصر للحسن، وكلاهما بصري، وقد أوصى أن يصلي
عليه الحسن ففعل، مات أبو نضرة عام 108هـ والحسن 110هـ فهما قرينان.
[65] هذا القائل إن كان الحسن البصري فهو طريق آخر عن أبي سعيد الخدري وفيه
رجل لم يسمّ وهو شيخ الحسن.
[66] بل كذب أيوب وتعصب، ومن كذب الصادقين فهو الكاذب كما قال الإمام أحمد،
فالحديث ثابت عن الحسن من غير طريق عمرو بن عبيد، وعمرو بن عبيد وإن كان معتزلياً
إلا أن المعتزلة لا يكذبون وهم كسائر الوعيدية، يرون الكذب موجباً للفسق،وهم
متدينون، نعم قد يهمون ويخلطون، ولكنهم ثقات متحفظون متيقظون وليسوا كأيوب
السخيتاني ووينس بن عبيد وأمثالهم من المتمذهبين الذين يدفعهم التعصب المذهبي
والنصب للبتر والإخفاء وتكذيب الصادقين وتوثيق الكاذبين.
[67] الجوهري صاحب السقيفة، والثقفي
صاحب الغارات، وأبو مخنف صاحب مقتل
الحسين وابن عقدة والجعابي والمدائني
والواقدي وغيرهم، كل هؤلاء من أهل الحديث
عند التحقيق، وليسوا إمامية، إلا أنهم لم
يصنفوا في الفقه ولم يكن لهم أتباع يقومون بهم، نعم قيل أن الثقفي كان زيدياً
وروايته الكوفية إنما هي عن أهل الحديث، ثم لو كانوا زيدية فشيعة الكوفة زيدية
فكان ماذا؟ أليس أهل الشام والبصرة وبغداد نواصب؟ ما الضير أن نروي عمن يبغض
معاوية إذا كانت روايات من يلعن علياً موجودة في صحاحنا وسنننا ومسانيدنا؟ أما
البقية فهم أهل الحديث ورواية، ولم يصنفوا في العقائد حتى يقال هذا شيعي وهذا سني،
وأبو مخنف كان من علماء القرن الثاني، وعده اليعقوبي من فقهاء دولة المهدي
العباسي، لكن أهل الحديث وخاصة بعد استحكام الهوى واستقرار العقيدة المحدثة أصبحوا
يهملون التراث السني الروائي، وأهمله الشيعة لأن هؤلاء أصلاً ليسوا شيعة! فضاع
تراث الإنصاف السني وغلب على الأمة غلو الفريقين، وتقوقع المذهبان، ودفع المعتدلون
الثمن، فأصبحوا لا يجدون إلا غلواً هنا أو
هناك، مع إنصاف قليل في الفريقين، وها نحن نبحث عن هذا الحديث وطرقه ونجد صعوبة في
استخراج طرقه وأسانيده، ولو كان الإنصاف هو الأصل، لوجدنا هذا الحديث بسهولة في
مسانيد أبي سعيد الخدري وابن مسعود وسهل بن حنيف وجابر بن عبد الله وعبد الرحمن بن
سهل الأنصاري وغيرهم، فأهل الحديث يجمعون من أحاديث هؤلاء ما هو أضعف إسناداً
وأبعد عن القرآن الكريم وهديه، ونعذرهم بأنهم يريدون الجمع، أما مع هذا البتر
والإخفاء وانتقاء الأسانيد التي يمكن تضعيفها وإضاعة الأخرى وتتبع الرواة وتضعيفهم
.. فهذا عمل مؤسسات وليس عمل أفراد، والمذهب مؤسسة تطوعية أكثر إخلاصاً للهدف من
المؤسسات الرسمية.
[68] قال في الذريعة : فتن ) لأبي صالح السليلي بن أحمد بن عيسى بن شيخ الحسالي
أو السائي ( الحسائي).
أورده السيد بن طاوس في كتابه ، مرتبا على الأبواب ،
وقال في أوله : [ إن المصنف من رواة الجمهور وأورد ما أجده بلفظه من نسخة أصلها بخط
مصنفه في المدرسة .. بالجانب الغربي من البلاد الواسطية ، تاريخ كتابتها في 307 هـ]
أقول : أكثر
مشايخ السليلي في كتابه هذا من علماء العامة مثل ، محمد بن جرير العامي صاحب ( التاريخ
) المتوفى ، 310 وغيره ولكن بعض مشايخه من الخاصة مثل : ابن أبي الثلج محمد بن أحمد
المتوفى 325 ، وله كتاب ( السقيفة ) الذي ينقل
عنه الديلمي صاحب ( الارشاد ) في كتابه ( الغرر والدرر ) اهـ .|
[69] تقريب التهذيب - (2 / 522) محمود ابن لبيد ابن عقبة ابن رافع الأوسي الأشهلي
أبو نعيم المدني صحابي صغير وجل روايته عن الصحابة مات سنة ست وتسعين وقيل سنة سبع
وله تسع وتسعون سنة بخ م 4 اهـ
أنت يا صاحب الموقع ويا صاحب الكتاب حسن بن فرحان المالكي لعنكم الله وجعل كيدكم في نحوركم أشهد الله أني أحب معاوية رضي الله عنه وسائر الصحابة أجمعين شيمتكم الكذب على معاوية رضي الله عنه فأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في مناقب وفضائل معاوية تقطع أمعاءكم النتنة لذى أيها الرافضة المجوس تحملون تسعة أعشار الكذب في العالم ولا تتورعون عن النفاق والكذب إن أدتم الرد علي فهذا موقعي فسأرميكم بسهام تحمل حب معاوية رضي الله عنه bmahdi1982@gmail.fr
ردحذفلم أشف غليلي بعد يا أيها المجوس المتنكرون الكاذبون الحاقدون تسبون كاتب وحي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا من تحبون الفرس و إخوة القردة والخنازير إعلموا ان الجزائر وشعب الجزائر يشهدون الله أنهم يحبون الله ورسوله وأبا بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر الصاحبة أجمعين وفيهم معاوية رضي الله عنهم أجمعين
ردحذفكيف لك أن تصحح أحاديث مكذوبة مزعومة وأنت لا تعرف كيف تستنجي من رجيعك الذي يساويك بل أنتم يا رافضة أنجس وأقذر من رجيعكم وغائطكم