تابع: دراسات حديثية
u فصل: الأحاديث المتعلقة بسقوط ولاية الفاسق
v الحديث الأول: عن عبدالله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم قال: «سيلي أموركم بعدي رجال يطفئون السنة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة
عن مواقيتها»، قلت: يا رسول الله! إن أدركتهم كيف أفعل؟ قال: «تسألني يا ابن أم
عبد كيف تفعل؟ لا طاعة لمن عصى الله»، رواه ابن ماجه ــ واللفظ السابق
له ــ وأحمد.
أما لفظ أحمد فهو: «إنه
سيلى أمركم من بعدى رجال يطفؤون السنة، ويحدثون البدعة، ويؤخرون الصلاة عن
مواقيتها»، قال ابن مسعود: يا رسول الله! كيف بي اذا أدركتهم؟ قال: «ليس ــ يا ابن
أم عبد ــ طاعة لمن عصى الله»، قالها ثلاث مرات، قال عبد الله بن أحمد: وسمعت أنا من محمد
بن الصباح مثله، وعنه ابن عساكر، والطبراني. هذا لفظ أحمد بالتمام والكمال، وقد
صححه الشيخ أحمد شاكر. ومن طريق محمد بن الصباح أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى»
و«دلائل النبوة».
وإسناد الإمام أحمد هو:
حدثنا محمد بن الصباح حدثنا إسماعيل بن زكريا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن
القاسم بن عبد الرحمن عن ابيه عن عبد الله بن مسعود قال:..... إلى آخر الحديث.
ــ محمد بن الصباح
الدولابي، ابو جعفر البغدادي، ثقة ثبت حافظ، مجمع على وثاقته، وثقه أحمد وابن
معين، والعجلي، ويعقوب بن شيبة وغيرهم. قال عنه في «التقريب»: (ثقة حافظ).
ــ إسماعيل بن زكريا بن
مُرَّة الخُلْقَاني الأسدي، صدوق، قال عنه أحمد ثقة، ومرة قال: ما كان به بأس،
وقال مرة أخرى: حديثه مقارب، وقال النسائي: أرجو أن لا يكون به بأس. وذكره ابن
حبان في الثقات، وقال الذهبي في «الكاشف»: (صدوق)، واختلف فيه ابن معين فقواه مرة،
وضعفه مرة أخرى. ولخص الحافظ حاله في «التقريب»: (صدوق، يخطىء قليلاً).
ــ عبد الله بن عثمان بن
خثيم، قال عنه في «التقريب»: (صدوق)، وهو من رجال مسلم، وأخرج له البخاري متابعة.
ــ القاسم بن عبد الرحمن
بن عبد الله بن مسعود الهذلي، قال عنه في التقريب: (ثقة عابد).
ــ عبدالرحمن بن عبد الله
بن مسعود الهذلي قال عنه في «التقريب»: (ثقة .... قد سمع من أبيه، ولكن شيء يسير).
وسماعه من أبيه ثابت بشهادة الأئمة من أمثال سفيان الثوري، وابن معين، والبخاري،
وأبي حاتم، وقد نص البخاري على سماعه لهذا الحديث عن «تأخير الصلاة» في تاريخيه «الكبير»، و«الأوسط»، وكذلك ابن حجر في «التهذيب». فالإسناد بهذا جيد حسن
بذاته، للكلام اليسير في إسماعيل بن زكريا بن مُرَّة الخلقاني.
ولكن إسماعيل بن زكريا بن
مُرَّة الخلقاني لم ينفرد به، بل تابعه، كما سيأتي، جماعة منهم: داود بن عبد الرحمن
العطار وهو ثقة، ويحي بن سليم القرشي وهو صدوق سيء الحفظ، إلا أنه متقن في حديث
عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهذا هو الحال هنا، وإسماعيل بن عياش وهو صدوق في
حديثه عن أهل بلده، وهم الشاميون، ولكنه مخلط في غيرهم، وهذه للأسف منها، إلا أنه
لم يخلط ها هنا كما هو بيِّن، ونحن نحتاجه فقط متابعة ثالثة، لا غير.
فالحديث حسن صحيح، بطرقه،
وشواهده، ومتابعاته، صالح قطعاً للاحتجاج، والله أعلم.
أما ما قاله البوصيري في «الزوائد» عن إسناد ابن ماجه: (هذا
إسناد رجاله ثقات، ولكن عبد الرحمن بن مسعود اختلط بآخره، فاستحق الترك)، فكلام
البوصيري هنا غير صحيح لأن الراوي في هذا السند هو عبد الرحمن بن عبد الله بن
مسعود، والذي عناه البوصيري هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود المسعودي
وهو من تلاميذ القاسم بن عبد الرحمن هذا، لا من شيوخه، كما هو حال راوينا عبد
الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي. وراوينا هذا ذكره ابن حبان في الثقات أما
الآخر فقد ترجم له في المجروحين.
وحتى لو سلَّمنا جدلاً بأن
كلام البوصيري صحيح، وهو ليس كذلك بيقين، فهو خال من التفصيل، حيث أن هذا الحديث
مما روى ابنه «القاسم» عنه قبل الاختلاط، قال ابن حجر في حق عبد الرحمن بن عبد
الله بن عتبة بن مسعود المسعودي: (ويصحح له ما روى عنه القاسم ...). فأياً من كان
عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، فالحديث عنه صحيح، على كل حال!
اما لفظ الطبراني في
الكبير: «سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن مواقيتها ويحدثون البدع، قال فكيف أصنع
إن ادركتهم؟ قال: تسألني يا ابن أم عبد كيف تصنع؟ لا طاعة لمن عصى الله» وأخرجه كذلك البيهقي
بلفظ مماثل0
وإسناد الطبراني هو: حدثنا
محمد بن علي الصائغ المكي، حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي، حدثنا داود بن عبد
الرحمن العطار عن ابن خثيم عن القاسم بن عبد الرحمن عن ابيه عن عبد الله بن مسعود
قال:......
ـــ محمد بن علي بن زيد
المكي الصائغ، ابو عبد الله، امام ثقة ثبت.
ــ إبراهيم بن محمد بن
العباس المطلبي المكي الشافعي، من رهط الإمام الشافعي، ثقة، وثقه النسائي
والدارقطني، وقال ابو حاتم: صدوق.
ــ داود بن عبد الرحمن العطار،
قال عنه في «التقريب»: ثقة.
وقد أخرجه الإمام ابن ماجه
قال: حدثنا سويد بن سعيد حدثنا يحي بن سليم (ح) وحدثنا هشام بن عمار، حدثنا
إسماعيل بن عياش قالا: حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم.......بنحوه.
ـــ سويد بن سعيد، شيخ
للإمام مسلم، أخرج له أكثر من خمسين حديثاً،في صحيحه صدوق في نفسه، عمي فصار يتلقن
ما ليس في حديثه.
ــ يحي بن سليم القرشي:
وثقه يحيي بن معين وابن سعد، وقال أحمد: (كان قد اتقن حديث ابن خثيم)، ولكن الحافظ
قال في «التقريب»: (صدوق، سيئ الحفظ). قلت: ولكنه متقن في حديث ابن خثيم، كما قال الإمام أحمد
رحمه الله، وهذا هو المهم ها هنا، ونحن لا نعتمد عليه بمفرده، بل نحتاج فقط
لمتابعته، وقد أخرج له الإمامان البخاري ومسلم في «الصحيح» في المتابعات!
ــ هشام بن عمار، من مشايخ
البخاري، أخرج له في الصحيح: صدوق، كبر فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح!
ـــ إسماعيل بن عياش، قال
عنه في «التقريب»: (صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم)، وروايته هنا عن المكيين
فيكون فيها احتمال الضعف والتخليط، ولكن تابعه يحيى بن سليم في الإسناد الأول
السابق، فاندفع احتمال التخليط.
وبقية رجال السند سبق
الكلام عنهم، فالحديث بهذا حسن صحيح صالح للاحتجاج إن شاء الله، والله أعلم.
فالحديث، حديث عبد الله بن
مسعود، صحيح لا ريب بمجموع هذه الطرق. وقد قال الألباني في السلسلة الصحيحة:
إسناده جيد على شرط مسلم، فالحديث قد صححه العلامة أحمد شاكر، والألباني.
وقوله عليه وعلى آله
الصلاة والسلام في حديث عبد الله بن مسعود هذا: «لا طاعة لمن عصى الله» قطعي الدلالة في سقوط
طاعة «من عصى الله».
v الحديث الثاني: عن عبادة بن الصامت عنه، صلوات الله وسلامه عليه وعلى
آله، مرفوعاً: «إنه سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم
ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله عز وجل، فلا تعتلوا بربكم» أخرجه أحمد،
واللفظ له، والطبراني، والحاكم، وابن أبي شيبة، وعبد الله بن أحمد، وأبو بكر
البزار، والعقيلي، والشاشي.
قال الإمام أحمد: حدثنا
الحكم بن نافع أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم،
حدثنا إسماعيل بن عبيد الأنصاري، فذكر الحديث مطولاً، وذكر عبادة في آخره أنه سمع
رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقوله.
ــ الحكم بن نافع، أبو
اليمان البهراني، من مشايخ أحمد وأئمة الحديث، قال عنه في «التقريب»: (ثقة ثبت).
ــ إسماعيل بن عياش، قال
عنه في «التقريب»: (صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم)، وروايته هنا عن
المكيين فيكون فيها احتمال الضعف والتخليط، ولكن تابعه يحيى بن سليم في رواية عبد
الله بن أحمد، ورواية الحافظ الشاشي، فاندفع احتمال التخليط.
وإليك هذه المتابعات، أما
الأولى فهي: قال الإمام عبد الله بن أحمد بن حنبل في زياداته على المسند: حدثنا
سويد بن سعيد الهروي، حدثنا يحي بن سليم، عن ابن خثيم عن إسماعيل بن عبيد
بن رفاعة عن أبي عبيد بن رفاعة، عن عبادة بن الصامت بنحوه.
والمتابعة الثانية: قال
الإمام الحافظ الشاشي في مسنده: حدثنا محمد بن اسحاق الصغاني، حدثنا محمد بن عباد،
حدثنا يحيى بن سليم..... إلى آخر الحديث.
ــ محمد بن اسحاق الصغاني:
ثقة ثبت،
ــ محمد بن عباد هو بن
الزبرقان المكي: قال يحيى بن معين لا بأس به، وقال عنه في «التقريب»: (صدوق، يهم).
ــ يحي بن سليم القرشي:
وثقه يحيي بن معين وابن سعد، وقال أحمد: (كان قد اتقن حديث ابن خثيم)، ولكن الحافظ
قال في «التقريب»: (صدوق، سيئ الحفظ). قلت: ولكنه متقن في حديث ابن خثيم، كما قال
الإمام أحمد رحمه الله، وهذا هو المهم هاهنا، ونحن لا نعتمد عليه بمفرده، بل نحتاج
فقط لمتابعته، وقد أخرج له الإمامان البخاري ومسلم في «الصحيح» في المتابعات!
ــ عبد الله بن عثمان بن
خثيم، قال عنه في «التقريب»: (صدوق)، وقد سبق الكلام عنه.
ــ إسماعيل بن عبيد بن
رفاعة، قال عنه في «التقريب»: (مقبول).
ــ عبيد بن رفاعة: ثقة،
ووثقه العجلي وابن حبان.
وقد توبع كل من إسماعيل بن
عياش، ويحيى بن سليم القرشي فانتفى أدنى احتمال للتخليط، أو سوء الحفظ. ومن تلك
المتابعات ما أخرجه الإمام الحافظ البزار في مسنده قال: حدثنا خالد بن يوسف قال
حدثني أبي عن عبدالله عثمان بن خثيم ....الى آخره. خالد بن يوسف بن خالد السمتي
ضعفه الذهبي في الميزان وذكره ابن حبان في الثقات وقال: يعتبر حديثه من غير روايته
عن ابيه. أما ابوه فضعيف جداً، وقال الذهبي: (هالك).
ثم أن هناك متابعات أخرى
من غير طريق ابن خثيم، قال الإمام الحاكم: أخبرني عبد الله بن محمد بن موسى العدل،
حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا المعافى بن سليمان الحراني، حدثنا زهير بن
معاوية «ح» وأخبرني أبو عون محمد بن ماهان الخزاز بمكة، حدثنا علي بن عبد العزيز،
حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، كلاهما عن إسماعيل بن عبيد بن
رفاعة عن أبيه أن عبادة بن الصامت.... فذكر الحديث.
ــ وإليك نص متابعة مسلم
بن خالد الزنجي التي أشار إليها الإمام الحاكم كذلك في «المستدرك على الصحيحين»: [فأخبرناه أبو عون محمد
بن ماهان الخزار بمكة حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا سعيد بن منصور حدثنا مسلم بن
خالد عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه أن عبادة بن الصامت قام قائما في وسط
دار أمير المؤمنين عثمان بن عفان، رضي الله تعالى عنه، فقال: (إني سمعت رسول الله،
صلى الله عليه وسلم، محمداً، أبا القاسم، يقول: «سيلي أموركم من بعدي رجال
يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لمن عصى الله فلا تعتبوا
أنفسكم»، فوالذي نفسي بيده: أن معاوية من أولئك!)، فما راجعه عثمان حرفاً]، وقال
الحاكم: (وقد روي هذا الحديث بإسناد صحيح على شرط الشيخين في ورود عبادة بن الصامت
على عثمان بن عفان متظلما بمتن مختصر)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص.
ــ عبد الله بن محمد بن
موسى العدل الكعبي النيسابوري، قال عنه الحاكم: محدث كثير الرحلة والسماع، صحيح
السماع، قال الذهبي: (المحدث العالم الصادق).
ــ علي بن الحسين بن
الجنيد، إمام ثقة ثبت، وثقه ابن أبي حاتم، وقال عنه الذهبي: الإمام الحافظ الحجة!
ــ المعافى بن سليمان
الجزري الرسعني الحراني: قال عنه في «التقريب»: (صدوق).
ــ زهير بن معاوية بن
خديج، أبو خيثمة الجعفي الكوفي، إمام من أئمة الحديث مشهور، قال عنه في «التقريب»:
(ثقة ثبت، إلا أن سماعه من ابي اسحاق بآخرة). وكفاك بهذا الإسناد قوة إلى إسماعيل
بن عبيد بن رفاعة !!
أما الطريق الأخرى فإليك
دراستها:
ــ أبو عون محمد بن ماهان
الخزاز من شيوخ الحاكم.
ــ علي بن عبد العزيز بن
المرزبان بن سابور، أبو الحسن البغوي. قال عنه الدارقطني: ثقة مأمون، وقال ابن ابي
حاتم: كان صدوقاً، وقال عنه الذهبي: الإمام الحافظ الصدوق!
ــ سعيد بن منصور بن شعبة الخراساني،
أبو عثمان المروزي، الإمام الشهير، صاحب التصانيف، قال عنه في «التقريب»: (ثقة
مصنف)، وقال أبو حاتم: ثقة من المتقنين الأثبات ممن جمع وصنف.
ــ مسلم بن خالد الزنجي،
قال عنه في «التقريب»: (فقيه، صدوق، كثير الأوهام).
وهذه الطرق تبرهن على أن
عبد الله بن عثمان بن خثيم لم يضطرب في الإسناد، كما قد يتوهمه بعضهم، بل هو روى
حديثين مختلفين: حديث عبد الله بن مسعود من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن ابيه عن
عبد الله بن مسعود، والحديث الثاني: حديث عبادة بن الصامت من طريق إسماعيل بن عبيد
بن رفاعة عن أبي عبيد بن رفاعة، عن عبادة بن الصامت، رضي الله عنه.
نعم: تبقى مشكلة أن
إسماعيل بن عبيد بن رفاعة يحتاج إلى متابعة، لأن الحافظ قال عنه: (مقبول)، يعني
إذا توبع، وإلا فضعيف. والظاهر أنه أحسن حالاً من ذلك بكثير، فقد ترجم له البخاري،
ووثقه ابن حبان وروى عنه عدد من الثقات: عبد الله بن عثمان بن خثيم، وزهير بن
معاوية، ومسلم بن خالد الزنجي، فهو معروف، وإن كان مقلاً، وأحاديثه متونها حسان
نظيفة، وقد صحح له الحاكم عدة أحاديث، ووافقه الذهبي على ذلك.
ومع ذلك فقد توبع على هذا
الحديث بمتن مقارب، فالقصة ثابتة لا شك في ثبوتها، والاختلاف في الألفاظ أمر طبيعي
لتفاوت حفظ الرواة واهتماماتهم.
وأما الطرق الأخرى للحديث،
حديث عبادة بن الصامت، فمنها:
ــ ما أخرجه الإمام الحاكم
في «المستدرك على الصحيحين»: [أخبرنا حمزة بن العباس العقبي ببغداد حدثنا إبراهيم بن
الهيثم البلدي حدثنا محمد بن كثير المصيصي حدثنا عبد الله بن واقد عن عبد الله بن
عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر عن عبادة بن الصامت أنه دخل على عثمان بن
عفان، رضي الله تعالى عنه، فقال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «سيليكم أمراء
بعدي يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة
لمن عصى الله»]، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقد رواه زهير بن معاوية
ومسلم بن خالد الزنجي عن إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم
بزيادات فيه)، وقال الذهبي في التلخيص: (تفرد به عبدالله بن واقد وهو ضعيف)
ــ عبد الله بن واقد هو
ابن الحارث بن عبد الله الحنفي، أبو رجاء الهروي. قال عنه ابن حجر في «التقريب»:
(ثقة، موصوف بخصال من الخير).
ــ حمزة بن العباس العقبي،
هو أبو أحمد حمزة بن محمد بن العباس العقبي. قال الخطيب: ثقة. وقال الذهبي: كان
موثقاً.
ــ إبراهيم بن الهيثم
البلدي، ثقة ثبت.
ــ محمد بن كثير الصنعاني
المصيصي، قال عنه في «التقريب»: (صدوق كثير الغلط).
ــ أبو الزبير، محمد بن
مسلم بن تدرس المكي، قال عنه في التقريب: صدوق إلا أنه يدلس، ولم يصرح بالسماع من
جابر رضى الله عنه ها هنا.
وبقية الإسناد سبق الكلام
عنهم فيما مضى. أما اعتراض الذهبي علي عبد الله بن واقد فهو غريب! ولعله خلط بينه
وبين عبد الله بن واقد الخراساني، أبي قتادة، الذي قال عنه ابن حجر في التقريب:
متروك، وكان الإمام أحمد يثني عليه، ويعتذر له، ويقول لعله كبر واختلط، كما كان
يدلس.
أما عبد الله بن واقد
المذكور في الإسناد فهو أبو رجاء الهروي الذي كان عبد الله بن عثمان بن خثيم من
شيوخه، ومحمد بن كثير المصيصي من تلاميذه كما جاء في الإسناد أعلاه، كما أنه لم
يتفرد به كما هو ظاهر من هذا البحث.
والجدير بالذكر أن الإمام
الذهبي كان قد كتب تعليقاته على المستدرك في بداية طلبه للعلم كما هو معروف، لذلك
نجده كثيراً ما يحكم على رجال الحاكم في تلخيصه على المستدرك بكلام يخالف فيه ما
ترجم لهؤلاء الرجال في كتابه الميزان، الذي كتبه بعد كمال نضجه، وظهر فيه طول
باعه، رحمه الله، في هذا العلم، ورسوخ قدمه فيه، وفي هذه بالذات لا بد من عذره
لأنه تبع العقيلي، وربما غيره، ممن ارتكب نفس الغلطة.
فليس في الإسناد السابق ما
يضر إلا عنعنة ابي الزبير، وقد تحمَّلها الإمام مسلم في بضع مائة من الأحاديث في
صحيحه! والحق أن أبا الزبير المكي قد سمع عامة حديثه، إلا عدداً قليلاً، من جابر،
وأقسم على ذلك بجوار الكعبة، لذلك فالأولى حمل عنعنته على الاتصال والسماع ما لم
يرد سبب موجب لذلك، من مخالفة ثقة أو نكارة متن أو غير ذلك!
قال العقيلي في الضعفاء
الكبير: [حدثنا محمد بن أحمد بن الوليد قال حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا عبد الله
بن واقد عن أبي الزبير عن جابر قال: قام عبادة بن الصامت، فذكر نحو الحديث
السابق.]
ــ محمد بن أحمد بن
الوليد، ثقة، وثقه الدارقطني، وقال عنه النسائي، مقصراً في حقه: صالح! وقال
الذهبي: الإمام الثبت.
وبقية رجال الإسناد سبق
الكلام عنهم، وليس في هذا الإسناد كذلك ما يضر إلا عنعنة ابي الزبير، وكذلك سقوط
الواسطة بين عبد الله بن واقد وبين أبي الزبير وهو عبد الله بن عثمان بن خثيم كما
ورد في الأسانيد السابقة، والراجح أن هذا الغلط من أغلاط النساخ، لأن طريق الحاكم
متصلة، ليس فيه سقط.
وأخرج الإمام ابن ابي شيبة
من طريق أخري مستقلة عن سابقاتها، في مصنفه: حدثنا خالد بن مخلد، عن سليمان بن
بلال قال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن الأعشى بن عبد الرحمن بن مكمل،
عن أزهر بن عبد الله قال: أقبل عبادة بن الصامت حاجاً من الشام فقدم المدينة فأتى
عثمان بن عفان فقال: يا عثمان! ألا أخبرك بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه
وعلى آله وسلم؟! قال: بلى، قال فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ستكون
عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون، ويعملون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة».
ومن طريق خالد بن مخلد
أخرجه كذلك البخاري في التاريخ الكبير، وأخرجه الحاكم في مستدركه: قال حدثنا أبو
العباس محمد بن يعقوب حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا خالد بن مخلد......الخ
ــ خالد بن مخلد، قال عنه
في «التقريب»: (صدوق يتشيع وله أفراد).
ــ سلميان بن بلال القرشي،
قال عنه في «التقريب»: (ثقة).
ــ شريك بن عبد الله بن
أبي نمر القرشي، قال عنه في «التقريب»: (صدوق يخطئ).
ــ الأعشى بن عبد الرحمن
بن مكمل المدني، له ترجمة في الجرح والتعديل، وذكره ابن حبان في الثقات.
ــ أزهر بن عبد الله، قال
عنه أبو حاتم: لا أدري من هو! ذكره ابن حبان من الثقات. وأخشى أن يكون: أزهر بن
عبد الله بن جميع الحرازي، وهو من صغار التابعين، قال عنه الحافظ: صدوق، اتهم
بالنصب، فيكون الإسناد منقطعاً، لأن أزهر هذا لم يدرك عثمان. فإن كان غيره فهو
مستور فيه جهالة، وإن وثقه ابن حبان.
فهذا الإسناد مقبول في
الجملة في المتابعات والشواهد،
ــ وعن عبادة بن الصامت
قال قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «سيكون أمراء من بعدى يأمرونكم
بما تعرفون، ويعملون ما تنكرون، فليس أولئك عليكم بأئمة»، وقال الهيثمى: (رواه الطبراني،
وفيه الأعشى بن عبدالرحمن ولم اعرفه، وبقية رجاله ثقات)0 قلت: الأعشى بن عبدالرحمن
بن مكمل سبق الكلام عنه، وقد ثقه ابن حبان، فإن صح كلام الهيثمي عن بقية رجال
الإسناد، مع السلامة من الانقطاع، يكون الحديث بذلك صحيح على شرطه، أي على شرط بن
حبان. أما المتن فهو مستقيم تشهد له نصوص الكتاب والسنة وبقية أحاديث هذا الباب.
فالحديث، حديث عبادة، حسن
صحيح، قطعاً، بشواهده ومتابعاته. وقد صححه الالبانى في صحيح الجامع الصغير، وكذلك
في سلسلة الاحاديث الصحيحة.
وقوله عليه وعلى آله الصلاة
والسلام في حديث عبادة بن الصامت هذا: «لا طاعة لمن عصى الله عز وجل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط
طاعة «من عصى الله»، أي سقوط ولاية الفاسق، وتحريم طاعته.
وكذل لفظة: «فليس أولئك
عليكم بأئمة»، قطعية الدلالة كذلك على بطلان إمامة الفاسق، بل هي أظهر وأبين في الدلالة
على ذلك من الألفاظ السابقة!
v وقال الإمام
أحمد في مسنده: حدثنا عبدالصمد، حدثنا حرب بن شداد، حدثنا يحي بن أبي كثير، قال
عمرو بن زنيب العنبري: أن أنس بن مالك حدثه أن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله
أرأيت ان كان علينا أمراء: لا يستنون بسنتك، ولا يأخذون بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا طاعة لمن لم يطع الله
عز وجل»
وبهذا الإسناد أخرجه أبو يعلى في مسنده.
ــ عبد الصمد بن عبد
الوارث، وثقه ابن حبان، وابن سعد، والحاكم، قال ابوحاتم: صدوق صالح الحديث، وقال
عنه في التقريب: (صدوق)، وهو ثبت في شعبة.
ــ حرب بن شداد اليشكري،
قال عنه أحمد ثبت في كل المشايخ، قال عنه صاحب «التقريب»: (ثقة). وقد قصر في هذا
فهو أقرب أن يكون ثقة ثبت!
ــ يحي بن أبي كثير: إمام
مجمع على توثيقه من الأئمة، قال عنه صاحب «التقريب»: (ثقة ثبت)، ولكنه يدلس ويرسل،
وقد ذكره ابن حجر في المرتبة الثانية من المدلسين، أي من الذين يقبل حديثهم سواء
صرحوا بالسماع أو رووا بالعنعنة ونحوها، ومع ذلك فقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى.
ــ عمرو بن زُنَيب (ويقال:
بن بلال) العنبري، ترجمه البخاري في الكبير ولم يورد فيه لا جرحا ولا تعديلا،
كعادته مع الكثير من الثقات، ولكنه أثبت سماعه من أنس بن مالك. وقال ابن أبي حاتم
في «الجرح والتعديل»: واختلفوا فيه، سمعت أبي يقول ذلك. وقد روى عنه أكثر من واحد، فارتفعت عنه
الجهالة، ووثقه ابن حبان ولم ينفرد بذلك، فقد وثقه غيره، كما ذكر ابن أبي حاتم،
ولم تنسب إليه مناكير البته، فهو صحيح الحديث على شرط ابن حبان، والحق أنه: صدوق،
صحيح الحديث.
وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» من طريق ابن منصور،
وحجاج، أخبرنا عبدالصمد، بهذا الإسناد.
فالحديث بهذا الإسناد لا
بأس به، وهو صحيح على شرط ابن حبان، ومتنه نظيف مستقيم، فهو قطعاً حسن بذاته، وهو
صحيح، تقوم به الحجة، بشواهده، ومتابعاته، وقد صححه الألباني في «صحيح الجامع
الصغير».
وقوله عليه وعلى آله
الصلاة والسلام في حديث أنس بن مالك هذا: «لا طاعة لمن لم يطع الله عز وجل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط
طاعة «من لم يطع الله» أي سقوط ولاية الفاسق، وحرمة طاعته.
v وعن ابى
عُتْبَة ــ وقيل أبي عِنَبة ــ الخولاني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى
آله وسلم: «لا تحرجوا أمتي، (قالها ثلاث مرات)! اللهم من أمر أمتي بما لم تأمرهم
به فأنهم منه في حل».
أخرجه الخطيب في تاريخ
بغداد قال: أخبرني أبو القاسم الأزهري حدثنا عثمان بن علي بن الحسن العتكي الخطيب
الأنطاكي، حدثنا عثمان بن عبد الله بن عثمان الفرائضي، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن
الكزبراني الحراني، حدثنا محمد بن سليمان بن أبي داود، حدثنا إبراهيم بن محمد بن
زياد الألهاني عن أبيه عن أبي عنبة الخولاني عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال:....الخ الحديث.
ــ ابو القاسم الأزهري
عبيد الله بن أحمد بن عثمان البغدادي. قال عنه الخطيب في تاريخ بغداد: كان أحد
المكثرين من الحديث كتابة وسماعاً، ومن المعنيين به، والجامعين له، مع صدق وأمانة،
وصحة واستقامة. وقال الذهبي في السير: المحدث الحجة ... وكان من بحور الرواية.
ــ عثمان بن علي بن الحسن
العتكي الخطيب الأنطاكي، لم يذكر فيه جرح ولا تعديل.
ــ عثمان بن عبد الله بن
عثمان الفرائضي، لم نجد له ترجمة.
ــ أحمد بن عبد الرحمن
الكزبراني الحراني، قال عنه الخطيب: ماعلمت من حاله إلا خير. وذكره ابن حبان في
الثقات.
ــ محمد بن سليمان بن أبي
داود الحراني. قال عن في «التقريب»: (صدوق).
ــ إبراهيم بن محمد بن
زياد الألهاني الحمصي، شيخ، لم يذكر فيه جرح ولا تعديل، وترجم له البخاري ولم يورد
فيه ــ كعادته مع الكثير من الثقات ــ جرحا ولا تعديلا، وكذلك أبو حاتم، ووثقه ابن
حبان.
ــ محمد بن زياد الألهاني،
قال عنه في التقريب: ثقة. وقد وثقه أحمد، وابن معين، وأبو داود، والترمذي،
والنسائي.
وأخرجه الهيثمى في زوائده
وقال: فيه إبراهيم بن محمد بن زياد ولم اعرفه، وبقية رجاله ثقات0والظاهر أن
الهيثمي قصد الحديث التالي:
v كما هو في «مسند الشاميين»: [حدثنا أبو عقيل أنس بن
سليم الخولاني قال حدثنا عمرو بن هشام الحراني حدثنا محمد بن سليمان بن أبي داود
عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني عن أبيه عن أبي عنبة الخولاني قال قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «لا تحرجوا أمتي!»، ثلاث مرات، «اللهم من أمر
أمتي بما لم تأمرهم به، (أو آمرهم)، فإنهم منه في حل!»]
فالإسناد إذاً حسن لذاته،
والحديث اذن حسن صحيح على شرط ابن حبان، هذا من ناحية الإسناد، أما المتن فهو نظيف
مستقيم لا شذوذ فيه ولا علة كما تشهد له الأحاديث الأخرى السابقة.
قوله عليه وعلى آله الصلاة
والسلام: «....فأنهم منه في حل» قطعي الدلالة كذلك في سقوط امارة
الفاسق، لأن المقصود هو أنهم في حل من طاعته، أو في حل من إمارته، أو في حل من
بيعته، أو نحو ذلك مما لا يحتمل سوى سقوط الولاية.
v قال الإمام
العقيلي في «الضعفاء الكبير»: حدثنا جعفر بن أحمد بن عاصم الأنطاكي قال حدثنا
هشام بن عمار قال، حدثنا إسماعيل بن عياش، قال، حدثنا عبد العزيز بن عبيد الله بن
حمزة بن صهيب عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلى الله
عليه وعلى آله وسلم أنه قال: « إنه سيكون بعدي أمراء يعرفونكم ما تنكرون، وينكرون
عليكم ما تعرفون، فلا طاعة لهم عليكم»
ــ جعفر بن أحمد بن عاصم
الأنطاكي، أبو محمد البزاز الدمشقي، وثقه الدارقطني.
ــ هشام بن عمار بن نصير،
وثقه ابن معين وغيره، وقال الدارقطني: (صدوق كبير المحل)، وقال أبو حاتم: صدوق،
وقال ابن حجر في «التقريب»: (صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح).
ــ إسماعيل بن عياش، صدوق
في روايته عن أهل بلده من الشاميين، مخلط في غيرهم. وروايته هنا عن أهل بلده، أهل
الشام، فهي جيدة مقبولة.
ــ عبد العزيز بن عبيد
الله بن حمزة بن صهيب، قال عنه في «التقريب»: (ضعيف، لم يروِ عنه غير إسماعيل بن
عياش).
ــ شهر بن حوشب الأشعري،
قال عنه في التقريب: صدوق كثير الإرسال والأوهام. قلت: الظاهر أن روايته عن عبد
الله بن عمرو بن العاص غير مرسلة، حيث لم يذكره ابن ابي حاتم والعلائي ضمن الصحابة
الذين أرسل عنهم شهر بن حوشب، رحمه الله. فآفة هذا الإسناد هي عبد العزيز بن عبيد
الله بن حمزة، ولكن المتن مستقيم تشهد له متون الأحاديث الثابتة السابقة، وكذلك
جمهور نصوص الكتاب والسنة، فالحديث إذن حسن لغيره. وهو قطعي الدلالة كذلك في سقوط
إمارة الفاسق.
u فصل: حديث البراء بن عازب عن «الحب في
الله»:
v قال أبو بكر
عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في «الإخوان»: حدثنا سعيد بن سليمان عن
إسماعيل بن زكريا عن ليث بن أبي سليم عن عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد بن مقرن عن
البراء بن عازب (ح) وحدثنا إسحاق بن إسماعيل قال حدثنا جرير عن ليث بن أبي سليم عن
عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء بن عازب قال: كنت جالسا عند
النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أتدرون أي عرى الإيمان أوثق؟!»، قلنا: (الصلاة)،
قال: «إن الصلاة حسنة، وما هي بها!»، فذكروا شرائع الإسلام، فلما رآهم لا يصيبون
قال: «أوثق عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله عز وجل».
v وفي مسند
الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا إسماعيل حدثنا ليث عن عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد
بن مقرن عن البراء بن عازب قال كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أي
عرى الإسلام أوسط؟!»، قالوا: (الصلاة)، قال: «حسنة، وما هي بها!»، قالوا:
(الزكاة)، قال: «حسنة، وما هي بها!»، قالوا: (صيام رمضان)، قال: «حسن، وما هو
به!»، قالوا: (الحج!)، قال: «حسن، وما هو به!»، قالوا: (الجهاد)، قال: «حسن، وما
هو به!»، قال: «إن أوسط عرى الإيمان أن تحب في الله وتبغض في الله».
v وفي مسند أبي داود
الطيالسي: حدثنا جرير عن ليث عن عمرو بن مرة عن معاوية بن سويد بن مقرن عن البراء
بن عازب قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أتدرون أي عرى الإيمان
أوثق؟!»، قلنا: (الصلاة)، قال: «الصلاة حسنة وليست بذلك»، قلنا: (الصيام)، فقال
مثل ذلك، حتى ذكرنا الجهاد، فقال مثل ذلك، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أوثق عرى
الإيمان الحب في الله، عز وجل، والبغض في الله».
v وفي تاريخ
بغداد: أخبرنا محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز حدثنا محمد بن عبد الله
الشافعي حدثنا علي بن بري بن زنجويه بن ماهان، أبو الحسن الدينوري قال حدثنا سلمة
بن شبيب حدثنا محمد بن كثير الكوفي حدثنا ليث عن عمرو بن مرة عن البراء بن عازب
قال سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إن أفضل عرى الإيمان
الحب في الله والبغض في الله». محمد بن كثير هو أبو إسحاق القرشي الكوفي، نزيل بغداد،
ضعيف من الطبقة التاسعة.
هذه أسانيد مسلسلة بالثقات
الأثبات، رجال الصحيح، إلا ليث بن أبي سليم بن زنيم.
وليث بن أبي سليم مختلف
فيه: قال ابن عدي: (وقد روى عنه شعبة والثوري وغيرهما من ثقات الناس ومع الضعف الذي
فيه يكتب حديثه). وقال ابن سعد: (كان ليث رجلا صالحا عابدا وكان ضعيفا في الحديث).
وقال الذهبي في الكاشف: (فيه ضعف يسير من سوء حفظه كان ذا صلاة وصيام وعلم كثير
وبعضهم احتج به مات 138). وقال ابن حبان في «المجروحين، من المحدثين والضعفاء
والمتروكين»: (وكان من العباد، ولكن اختلط في آخر عمره حتى كان لا يدري ما يحدث به
فكان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من أحاديثهم كل ذلك
كان منه في اختلاطه). وقال ابن أبي حاتم: (سمعت أبي وأبا زرعة يقولان ليث لا يشتغل
به هو مضطرب الحديث)، وقال أيضا: (سمعت أبا زرعة يقول ليث بن أبي سليم لين الحديث
لا تقوم به الحجة عند أهل العلم بالحديث) وقال أيضا: (سمعت أبي يقول: ليث عن طاوس
أحب إلي من سلمة بن وهرام عن طاوس! قلت: أليس تكلموا في ليث؟! قال: ليث أشهر من
سلمة ولا نعلم روى عن سلمة إلا بن عيينة وزمعة). وقال أبو عبيد الآجري سمعت أبا
داود يقول سألت يحيى عن ليث فقال ليس به بأس. وقال أبو بكر البرقاني سألته يعني
الدارقطني عن ليث بن أبي سليم فقال: (صاحب سنة يخرج حديثه)، ثم قال: (إنما أنكروا
عليه الجمع بين عطاء وطاووس ومجاهد). وروى له مسلم مقرونا بأبي إسحاق الشيباني
وروى له الباقون. وتساهل العجلي فقال: (جائز الحديث). ولخص الحافظ حاله تلخيصاً
جيداً فقال: (صدوق، اختلط جداً فلم يتميز حديثه، فترك).
فالخوف من ليث إنما هو من
اضطراب حديثه وعدم تميز ما كان قبل الاختلاط وبعده، وقد أمنا هذا ها هنا لأن
الحديث جاء عنه على وجهه من رواية إسماعيل بن علية (المتوفى 193)، وجرير بن عبد
الحميد بن قرط (ت 188)، وإسماعيل بن زكريا (ت 174)، ومحمد بن كثير الكوفي (ت ؟)،
وبين وفاتهم نحو عشرين عام، مما يدل على أن ليث بن أبي سليم حفظ ها هنا ولم يخلط،
فالحديث لا ينزل عن مرتبة الحسن، إن شاء الله تعالى، عليه نتوكل، وبه نتأيد. وله
شاهد من حديث أبي ذر الغفاري، رضي الله عنه:
v في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: حدثنا حسين حدثنا يزيد يعنى بن عطاء عن يزيد يعنى بن أبي زياد عن مجاهد عن
رجل عن أبي ذر قال خرج إلينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «أتدرون أي
الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟!»، قال قائل: الصلاة، والزكاة، قال قائل: الجهاد؛
قال: «ان أحب الأعمال إلى الله عز وجل: الحب في الله والبغض في الله»
ــ وفي سنن أبي داود:
حدثنا مسدد حدثنا خالد بن عبد الله حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن رجل عن أبي
ذر قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال: الحب في
الله والبغض في الله».
هذا إسناد ضعيف: يزيد بن
أبي زياد ضعيف، والواسطة بين أبي ذر ومجاهد مجهول، لم يسم. ولكن هذا الحديث، حديث
أبي ذر، حسن، بل صحيح لغيره، كما سيظهر عند دراسة حديث ابن عباس، رضي الله عنهما!
u فصل: حديث عبد الله بن مسعود عن
«الولاية في الله»
v أخرج الطبراني
في المعجم الكبير: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن أبي حسان الأنماطي حدثنا هشام بن
عمار حدثنا الوليد بن مسلم حدثني بكير بن معروف عن مقاتل بن حيان عن القاسم بن عبد
الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بن
مسعود!»، قلت: (لبيك!)، ثلاثا؛ قال: «هل تدرون أي عرى الإيمان أوثق؟!»، قلت: (الله
ورسوله أعلم!)، قال: «الولاية في الله، والحب في الله، والبغض في الله!»، قال: «يا بن مسعود!»،
قلت: (لبيك يا رسول الله)، قال: «أي المؤمنين أفضل؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)،
قال: «إذا عرفوا دينهم، أحسنهم عملا!»، ثم قال: «يا بن مسعود، هل تدري أي المؤمنين
أعلم؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «إذا اختلفوا (وشبك بين أصابعه) أبصرهم
بالحق، وإن كان في عمله تقصير، وإن كان يزحف زحفا!»، ثم قال: «يا بن مسعود، هل
علمت أن بني إسرائيل افترقوا على اثنتين وسبعين فرقة لم ينج منها إلا ثلاث فرق:
فرقة أقامت في الملوك والجبابرة فدعت إلى دين عيسى فأخذت فقتلت بالمناشير، وحرقت
بالنيران، فصبرت حتى لحقت بالله؛ ثم قامت طائفة أخرى لم تكن لهم قوة، ولم تطق
القيام بالقسط، فلحقت بالجبال فتعبدت وترهبت وهم الذين ذكرهم الله فقال: }ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله
إلى وكثير منهم فاسقون{، وفرقة منهم
آمنت فهم الذين آمنوا وصدقوني وهم الذين رعوها حق رعايتها؛ وكثير منهم فاسقون: وهم
الذين لم يؤمنوا بي ولم يصدقوني ولم يرعوها حق رعايتها وهم الذين فسقهم الله!».
ــ عبد الرحمن بن عبد الله
بن مسعود: ثقة، متفق على وثاقته، من كبار التابعين، أخرج له البخاري ومسلم،
والجماعة.
ــ القاسم بن عبد الرحمن
بن عبد الله بن مسعود: ثقة، متفق على وثاقته، من دون الوسطى من التابعين (الطبقة
الرابعة).
ــ مقاتل بن حيان: أبو
بسطام البلخي الخزاز، صدوق من رجال مسلم، من الطبقة السادسة (لم تلق الصحابة).
ــ بكير بن معروف: أبو
معاذ الأسدي الدامغاني، صدوق فيه لين، من السابعة (كبار الأتباع).
ــ الوليد بن مسلم: أبو
العباس القرشي الدمشقي، ثقة من رجال الشيخين، إلا أنه يدلس ويسوي، من الثامنة
(الوسطى من الأتباع)، لكنه صرح بالتحديث هنا، مع بقاء بعض الخوف من عنعنة شيوخه عن
شيوخهم.
ــ هشام بن عمار: أبو
الوليد السلمي، صدوق، من العاشرة (كبار تبع الأتباع)، من شيوخ البخاري والنسائي.
ــ إسحاق بن إبراهيم بن
أبي حسان الأنماطي: أبو يعقوب البغدادي، قال الدارقطني: ثقة، له ترجمة في تاريخ
بغداد، ت 302 هـ.
هذا إسناد حسن، وليس فيه
ما يضر إلا الضعف اليسير في بكير بن معروف، والخوف من تسوية الوليد بن مسلم
وتدليسه، والمتن نظيف، لا غبار عليه. ولكن الحديث صحيح يقيناً بالمتابعات التالية:
v أخرج الطبراني
في المعجم الصغير: حدثنا عبد الله بن أحمد بن خلاد القطان البصري حدثنا شيبان بن
فروخ الأبلي حدثنا الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق الهمداني عن سويد بن
غفلة عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال دخلت على النبي صلى الله عليه
وسلم فقال يا بن مسعود أي عرى الإيمان أوثق قلت الله ورسوله أعلم قال أوثق عرى
الإسلام الولاية في الله والحب في الله والبغض في الله ثم قال يا بن مسعود قلت
لبيك يا رسول الله قال أتدري أي الناس أفضل قلت الله ورسوله أعلم قال فإن أفضل
الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم ثم قال يا بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله
قال أتدري أي الناس أعلم قلت الله ورسوله أعلم قال إن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا
اختلف الناس وإن كان مقصرا في عمله وإن كان يزحف على أسته زحفا!! واختلف من كان
قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة نجا منها ثلاث وهلك سائرهن فرقة أزت الملوك وقاتلوهم
على دينهم ودين عيسى بن مريم عليه السلام فأخذوهم فقتلوهم ونشروهم نشروا بالمناشير
وفرقة لم تكن لهم طاقة بموازة الملوك ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم يدعوهم إلى دين
الله ودين عيسى بن مريم فساحوا في البلاد وترهبوا وهم الذين قال الله عز وجل
ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا إبتغاء رضوان الله الآية قال النبي صلى
الله عليه وسلم فمن آمن بي واتبعني وصدقني فقد رعاها حق رعايتها ومن لم يتبعني
فأولئك هم الهالكون. قال الطبراني: (لم يروه عن أبي إسحاق إلا عقيل تفرد به
الصعق).
v أخرج الطبراني
في المعجم الكبير: حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي (ح)
وحدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا شيبان بن فروخ قالا: حدثنا الصعق بن حزن
أخبرني عقيل الجعدي عن أبي إسحاق السبيعي عن سويد بن غفلة عن بن مسعود قال دخل علي
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا بن مسعود قلت لبيك يا رسول الله صلى الله
عليه وسلم قالها ثلاثا تدري أي عرى الإيمان أوثق قلت الله ورسوله أعلم قال فإن
أوثق عرى الإسلام الولاية فيه الحب فيه والبغض ثم قال يا بن مسعود قلت لبيك يا
رسول الله صلى الله عليه وسلم قالها ثلاثا قال تدري أي الناس أفضل قلت الله ورسوله
أعلم قال فإن أفضل الناس أفضلهم عملا إذا فقهوا في دينهم ثم قال يا بن مسعود قلت
لبيك يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تدري أي الناس أعلم قلت الله ورسوله
أعلم قال إن أعلم الناس أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في العمل وإن
كان يزحف على أسته زحفا واختلف من كان قبلي على ثنتين وسبعين فرقة نجى منا ثلاثة
وهلك سائرهن فرقة آزت الملوك وقاتلوهم على دينهم ودين عيسى بن مريم وأخذوهم
فقتلوهم وقطعوهم بالمناشير وفرقة لم يكن لهم طاقة موازاة الملوك ولا بأن يقيموا
بين ظهرانيهم يدعونهم إلى دين الله عز وجل ودين عيسى بن مريم عليه السلام فساحوا
في الأرض وترهبوا قال وهم الذين قال الله عز وجل ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها
الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق
رعايتها ومن لم يتبعني فأولئك هم الهالكون.
فهذه عدة طرق، تصح بها
النسبة إلى الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق الهمداني عن سويد بن غفلة عن
عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه:
ــ سويد بن غفلة الجعفي:
ثقة نبيل عابد زاهد، كبير الشأن، مخضرم من كبار التابعين، قدم المدينة يوم وفاة
النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشهد اليرموك.
ــ أبو إسحاق الهمداني، هو
عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي الهمداني، ثقة مجمع على وثاقته، معمر بقي حوالي
مائة سنة، لكنه اختلط بآخره، من رجال الشيخين والجماعة، من الطبقة الثالثة (الوسطى
من التابعين).
ــ عقيل الجعدي: قليل
الحديث، لا يكاد يعرف، لعله من الخامسة، استنكر البخاري والعقيلي حديثه هذا، وها
هو قد جاء من طريق أخرى مستقلة، فلا وجه للاستنكار.
ــ الصعق بن حزن بن قيس،
أبو عبد الله العيشي البكري، قال الذهبي: (ثقة عابد)، وقال الحافظ: (صدوق يهم)،
وقال ابن حبان: (من متقني أهل البصرة وقرائهم)، من الطبقة السابعة (كبار الأتباع)،
كان زاهداً عده بعضهم من الأبدال.
فليس في هذه الطريق ما يضر
إلا جهالة حال عقيل الجعدي، والخوف من اختلاط أبي إسحاق السبيعي، ولكنا لا نحتاجها
بذاتها، ولكن متابعة لسابقتها، وهي كافية لذلك.
v وهو في مسند أبي
داود الطيالسي مختصراً: حدثنا الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن أبي إسحاق عن سويد
بن غفلة عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله
أتدري أي عرى الإسلام أوثق؟!»، قلت: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «الولاية في الله، والحب
في الله، والبغض في الله! يا عبد الله أتدري أي الناس أعلم؟!» قال: (الله ورسوله
أعلم!)، قال: «فإن أعلم الناس أعلمهم بالحق إذا اختلف الناس وإن كان مقصرا في
العمل وإن كان يزحف على إسته زحفا».
v وأخرجه البيهقي
مختصراً في سننه الكبرى من طريق الطيالسي: أخبرنا أبو بكر بن فورك أنبأ عبد الله
بن جعفر حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا الصعق بن حزن عن عقيل الجعدي عن
أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عن عبد الله بن مسعود، رضي الله تعالى عنه، قال: قال
رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا عبد الله أي عرى الإسلام أوثق قال قلت الله
ورسول الله أعلم قال الولاية في الله الحب في الله والبغض في الله». وقال البيهقي معقباً:
(روي ذلك من حديث البراء وابن عباس وعائشة، رضي الله تعالى عنهم. قال الشافعي،
رحمه الله، ولو خص امرؤ قومه بالمحبة ما لم يحمل على غيرهم ما ليس يحل له فهذه صلة
ليست بعصبية فقل امرؤ إلا وفيه محبوب ومكروه).
ثم وجدنا متابعة أخرى لصدر
الحديث في «تاريخ جرجان» أثناء ترجمة عواد بن نافع قاضي جرجان:
v ذكر عبد الله بن
عدي الحافظ (وأنا شاك في سماعه) حدثنا محمد بن بشر بن يوسف ومحمد بن خريم بن عبد
الملك قالا: حدثنا هشام بن عمار حدثنا أبو الصلت شهاب بن خراش حدثنا بكر بن خنيس
عن سالم النصيبي عن عواد بن نافع قاضي جرجان عن بن مسعود أن النبي، صلى الله عليه
وسلم، قال: «أي عرى الإيمان أوثق قالوا الصلاة الزكاة صوم رمضان الحج قال إن الحج
لحسن قالوا الله ورسوله أعلم قال: الحب في الله والبغض في
الله أوثق عرى الإيمان قال فأي المؤمنين أفضل قالوا الله ورسوله أعلم قال أحسنهم
عملا بعد المعرفة قال فأيهم أعلم قالوا الله ورسوله أعلم قال أبصر الناس بأمر
الناس إذا اختلف الناس».
ــ عواد بن نافع قاضي
جرجان: مستور،، لعله من الثانية (كبار التابعين)
ــ سالم النصيبي: لم نجد
له ترجمة، لعله من الرابعة أو الخامسة.
ــ بكر بن خنيس: صدوق له
أغلاط، كوفي، من كبار الأتباع (الطبقة السابعة).
ــ شهاب بن خراش بن حوشب:
أبو الصلت الشيباني الحوشبي، صدوق يخطيء، شامي، من كبار الأتباع (الطبقة السابعة).
فصدر الحديث، وهو الذي
يهمنا ها هنا، ثابت يقيناً عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه.
u فصل: حديث عبد الله بن عباس عن
«أوثق عرى الإيمان»:
v جاء في المعجم
الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا معتمر بن سليمان عن
أبيه عن حنش عن عكرمة عن بن عباس قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي ذر:
«أي عرى الإيمان (أظنه قال:) أوثق؟!»، قال: (الله ورسوله أعلم!)، قال: «الموالاة في
الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله».
ــ عكرمة مولى ابن عباس،
أبو عبد الله البربري: ثقة ثبت، من رجال البخاري، من الثالثة (الوسطى من
التابعين).
ــ حنش، وهو ها هنا على
الأرجح: حنش بن الحارث بن لقيط النخعي، صدوق، لا بأس به، من الخامسة (الصغرى من
التابعين) أو السادسة (لم تدرك الصحابة)، كوفي، سمع سويد بن غفلة وأباه روى عنه
شريك وأبو نعيم.
وهناك رجلان آخران باسم
حنش، هما:
ــ حنش بن المعتمر، أبو
المعتمر الكناني، وقال بعضهم حنش بن ربيعة، وقيل: حنش بن ربيعة بن المعتمر: صدوق
يرسل له أوهام، الوسطى من التابعين، كوفي، روى عن علي، وهو مشهور بالرواية عنه،
وعن عليم الكندي ووابصة بن معبد وأبي ذر الغفاري. هذا قديم جداً، يبعد أن يكون أخذ
من عكرمة، بل الأولى أن يكون هو من شيوخ عكرمة.
ــ حنش بن عبد الله، وقيل
بن علي بن عمرو، أبو رشدين السبائي الصنعاني: ثقة من رجال مسلم، الوسطى من
التابعين، دمشقي نزل إفريقية عن علي وابن عباس توفي سنة مائة. وهذا معاصر لعكرمة،
يبعد أن يكون أخذ منه.
ــ سليمان بن طرخان، أبو
المعتمر التيمي: ثقة عابد، جليل القدر، من رجال الشيخين، من الرابعة (دون الوسطى
من التابعين)، بصري.
ــ معتمر بن سليمان بن
طرخان، أبو محمد التيمي: ثقة من رجال الشيخين، من التاسعة (الصغرى من الأتباع)،
بصري.
ــ أبو النعمان محمد بن
الفضل السدوسي، الملقب بعارم: ثقة ثبت، شيخ البخاري، من رجال مسلم، أخرج له
الجماعة، من التاسعة (الصغرى من الأتباع)، بصري.
ــ علي بن عبد العزيز: أحد
الحفاظ الكبار، ثقة مأمون، هو كما قال الذهبي في تذكرة الحفاظ: علي بن عبد العزيز
بن المرزبان بن سابور، الحافظ الصدوق، أبو الحسن البغوي شيخ الحرم ومصنف المسند.
قال الدارقطني ثقة مأمون، وقال بن أبي حاتم: صدوق، ووثقه ابن حبان.
وللحديث شاهد مرسل جيد،
أخرجه البخاري في «الكنى» أثناء ترجمة أبي اليسع المكفوف، قال البخاري: قال أبو
أسامة: أخبرنا أبو اليسع، قال: حدثني عمرو بن مرة عن عمران بن أبي عطاء، أبي حمزة،
قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إن أوثق عرى الإسلام
الحب في الله، والبغض في الله». عمران بن أبي عطاء، أبو حمزة القصاب، صدوق من تلاميذ ابن
عباس، من الطبقة الرابعة (دون الوسطى من التابعين)، فلعله إنما أخذه منه، وأبو
اليسع قليل الحديث ليس بمشهور، وثقه ابن حبان، وقال: (يروي عن الحكم، وعمرو بن
مرة، روى عنه أبو أسامة)
فالحديث بهذا صحيح، بذاته،
وحتى لو كان حنش هذا هو حنش بن المعتمر، الذي هو أضعف الثلاثة المسمين حنش، وهو
بعيد جداً، لكان الإسناد حسن لذاته، والحديث صحيح، بشواهده والحمد لله!
ثم استدركت أن حنشاً هنا
هو في الأرجح: حنش بن عبد الله، أبو رشدين السبائي الصنعاني كان أخذ من ابن عباس،
فلا يبعد أن يكون أخذ من عكرمة ما فاته عن ابن عباس، وعكرمة هو من المكثرين عن ابن
عباس، المتضلعين بعلومه. فيكون هو صاحبنا ها هنا، فيكون الإسناد صحيحاً بذاته.
وهذا الحديث يشهد لصحة
حديث أبي ذر السابق الذكر، وهو:
v كما في مسند الإمام
أحمد بن حنبل: حدثنا حسين حدثنا يزيد يعنى بن عطاء عن يزيد يعنى بن أبي زياد عن
مجاهد عن رجل عن أبي ذر قال خرج إلينا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال:
«أتدرون أي الأعمال أحب إلى الله عز وجل؟!»، قال قائل: الصلاة، والزكاة، قال قائل:
الجهاد؛ قال: «ان أحب الأعمال إلى الله عز وجل: الحب في الله والبغض في
الله»
ــ وفي سنن أبي داود:
حدثنا مسدد حدثنا خالد بن عبد الله حدثنا يزيد بن أبي زياد عن مجاهد عن رجل عن أبي
ذر قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال: الحب في
الله والبغض في الله».
u فصل: أثر عبد الله بن عباس:
«فإنما تنال ولاية الله بذلك»:
v أخرج ابن أبي
الدنيا في «الإخوان»: حدثنا أبو كريب حدثنا بن فضيل عن ليث عن مجاهد عن بن عباس
قال: [أحب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله، وعاد في الله! فإنما تنال ولاية
الله بذلك، ولا يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصيامه، حتى يكون كذلك]. رجال
الإسناد ثقات أثبات، إلا ليث، وهو ابن أبي سليم بن زنيم، سبق الكلام عنه.
v وفي المعجم
الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن ليث عن مجاهد عن
بن عمر (؟) قال: قال لي: [أحب في الله وابغض في الله ووال في الله وعاد في الله
فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك ولا يجد رجل طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه
حتى يكون كذلك وصارت مؤاخاة الناس في أمر الدنيا وإن ذلك لا يجزي عن أهله شيئا]،
قال: وقال لي بن عمر (؟): [إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء، وإذا أمسيت فلا تحدث
نفسك بالصباح، وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك: فإنك يا عبد الله بن عمر (؟)
لا تدري ما اسمك غدا؟!]، قال: [وأخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ببعض جسدي
فقال كن في الدنيا غريبا أو عابر سبيل وعد نفسك في أهل القبور]. هكذا في الأصل، ولعله
تصحيف، أو من أوهام الرواة، وإنما هو عبد الله بن عباس! ورجال هذا الإسناد كذلك
ثقات أثبات، إلا ليث، وهو ابن أبي سليم بن زنيم، سبق الكلام عنه. وسفيان أقدم
سماعاً من محمد بن فضيل بن غزوان بن جرير، فهو شاهد على أن ليث قد حفظ، اللهم إلا
أن يكون الوهم في اسم الصحابي منه، ولعله قال عن: عبد الله، فلم يتبين أيهم أراد:
ابن عباس أم ابن عمر، ومجاهد يروي عن كليهما. والحديث بذلك، وبشواهده، حسن، إن شاء
الله تعالى.
u فصل: حديث أبي هريرة «لا تدخلوا
الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا»
v أخرج ابن ماجه:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا وكيع وأبو معاوية وابن نمير، كلهم، عن الأعمش عن
أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي
بيده: لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا! أو لا أدلكم على شيء إذا
فعلتموه تحاببتم؟! أفشوا السلام بينكم»، ومثله في صحيح مسلم، ومسند إسحاق بن
راهويه، وفي الأدب المفرد للبخاري، ومسند الإمام أحمد بن حنبل، وسنن أبي داود،
وسنن البيهقي الكبرى، وفي صحيح ابن حبان.
v وفي الأدب
المفرد من طريق مستقلة: حدثنا إسماعيل بن أبى أويس قال حدثني أخى عن سليمان بن
بلال عن إبراهيم بن أبى أسيد عن جده عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
قال: «والذي نفسي بيده: لا تدخلوا الجنة حتى تسلموا، ولا تسلموا حتى تحابوا؛ وأفشوا السلام تحابوا؛
وإياكم والبغضة فإنها هى الحالقة لا أقول لكم تحلق الشعر ولكن تحلق الدين»، وقال
البخاري: حدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا أنس بن عياض عن إبراهيم بن أبى أسيد مثله
ــ جد إبراهيم بن أبى
أسيد: مستور، مدني، من كبار التابعين (الثانية).
ــ إبراهيم بن أبى أسيد:
صدوق، مدني، من كبار الأتباع (السابعة).
ــ سليمان بن بلال التيمي
القرشي: ثقة، مدني، من وسطى الأتباع (الثامنة).
ــ عبد الحميد بن عبد الله
بن عبد الله بن أويس، ابن أبى أويس الأعشى، أبو بكر الأصبحي: ثقة، مدني، من صغار
الأتباع (التاسعة).
ــ إسماعيل بن عبد الله بن
عبد الله بن أويس، ابن أبى أويس، أبو عبد الله الأصبحي: صدوق، أخطأ في أحاديث من
حفظه، شيخ البخاري، مدني، من كبار تبع الأتباع (العاشرة)، وهو أخ أصغر للسابق. وقد
حفظ هنا بدون خطأ كما يظهر من متابعة محمد بن عبيد عن أنس بن عياض.
ــ أنس بن عياض بن ضمرة،
أبو ضمرة الليثي: ثقة، مدني، من وسطى الأتباع (الثامنة).
ــ محمد بن عبيد، لعله بن
ميمون التبان التيمي: صدوق يخطيء، شيخ البخاري، مدني، من كبار تبع الأتباع
(العاشرة).
هذا إسناد لا بأس به بسبب
جد إبراهيم بن أبى أسيد، ففيه جهالة، إلا أنه على العدالة الأصلية، والثناء العام
على التابعين.
u فصل: حديث الزبير «لا تدخلوا
الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا»:
v أخرج الإمام
أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرحمن: حدثنا حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير: أن يعيش
بن الوليد حدثه:ان مولى لآل الزبير حدثه: ان الزبير بن العوام، رضي الله تعالى
عنه، حدثه ان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «دب إليكم داء الأمم قبلكم:
الحسد والبغضاء؛ والبغضاء هي الحالقة: لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين! والذي
نفسي بيده (أو والذي نفس محمد بيده): لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا
حتى تحابوا أفلا أنبئكم بما يثبت ذلك لكم أفشوا السلام بينكم!». مولى آل الزبير مجهول،
وبقيته ثقات أثبات. ,أخرجه الترمذي، والطيالسي، وأبو يعلى، والبيهقي في الكبرى،
وعبد بن حميد.
u فصل: حديث أبي موسى الأشعري «لن
تؤمنوا حتى تحابوا»:
v جاء في
المستدرك على الصحيحين: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنبأ محمد بن عبد الله بن
عبد الحكم أنبأ بن وهب أخبرني حيوة عن بن الهاد أن الوليد بن أبي هشام حدثه عن أبي
موسى الأشعري، رضي الله تعالى عنه، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال: «لن تؤمنوا حتى
تحابوا!
أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه؟!»، قالوا: (بلى، يا رسول الله!)، قال: «افشوا
السلام بينكم تحابوا! والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا!»، قالوا: (يا
رسول الله كلنا رحيم؟!)، قال: «إنه ليس برحمة أحدكم، ولكن رحمة العامة، رحمة
العامة!». وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي في
التلخيص: صحيح. وهو كذلك إلا أن يكون فيه انقطاع، لأن الوليد بن أبي هشام هو إما:
ــ الوليد بن أبي هشام
زياد: ثقة صدوق، من الطبقة السادسة (لم تلقى الصحابة)، أخو أبي المقدام هشام بن
زياد، وثقه أبو حاتم وقدمه على أخيه هشام كما هو مذكور في «تهذيب الكمال»، يروي عن
نافع، وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وطبقتهم، وعنه يزيد بن الهاد ووهيب وابن
علية وغيرهم، روى عنه الجماعة إلا البخاري، فأنى له إدراك أبي موسى الأشعري؟! وهذا
هو الأرجح، أو
ــ الوليد بن هشام
الهمداني: مستور، من الطبقة السادسة (لم تلقى الصحابة)، وتصحف الأسم.
ــ والوليد بن هشام بن
معاوية، أبو يعيش الأموي المعيطي: ثقة، من الطبقة السادسة (لم تلقى الصحابة)..
فإن كان رجلنا أحد هؤلاء
فالإسناد منقطع، ويبعد جدا أن يكون أي واحد منهم أدرك أبا موسى!
ــ ثم وجدنا آخر اسمه كذلك
(الوليد بن أبي هشام)، في الجرح والتعديل، يروي عن زيد بن زلئد (أو زائدة) عن عبد
الله بن مسعود، وعنه السدي، قال أبو حاتم: (ليس بالمشهور)، فهو عنده قطعاً غير
الأول. والصحيح أن هذا هو إما: الوليد بن أبي هاشم، أو الوليد بن هشام الهمداني،
الآنف الذكر، غلط الحافظ في طبقته، لرواية إسرائيل عنه، وهو سقط، وإنما هي:
إسرائيل، عن السدي (الكبير)، عنه، وكلا الروايتين في الترمذي، عن زيد بن زائدة، عن
ابن مسعود مرفوعاً: «لا يبلغني أحد عن أحد شيئاً». فتكون طبقته الثالثة (أو
الرابعة)، فاته ابن مسعود، ولكنه أدرك أبا موسى الأشعري، وهذا ممكن ميسور لأهل تلك
الطبقة، فالإسناد إذاً متصل، والحمد لله، وهو وإن لم يصل مرتبة الصحيح بذاته، إلا
أنه حسن، إن شاء الله تعالى، ومتنه مستقيم، وشواهده كثيرة، فيصح الحديث لذلك،
والله أعلم.
u فصل: حديث عبد الله بن مسعود «لن
تؤمنوا حتى تحابوا»:
v أخرج الطبراني
في المعجم الكبير: حدثنا محمد بن الحسين الأنماطي حدثنا عبيد بن جناد الحلبي حدثنا
عطاء بن مسلم عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله قال: قال رسول الله، صلى الله
عليه وسلم: «لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا! ألا أدلكم على شيء إذا
فعلتموه تحابيتم؟! إفشاء السلام بينكم».
ــ الأعمش، سليمان بن
مهران؛ وزيد بن وهب، أبو سليمان الجهني الهمداني، من رجال الشيخين والجماعة، أوثق
وأشهر من يحتاج إلى الكلام عنهم.
ــ عطاء بن مسلم، أبو مخلد
الخفاف، كوفي الأصل، حلبي الدار: ثقة صدوق في نفسه، شيخ عابد صالح، دفن كتبه فصار
يخطيء كثيرا، وهكذا قال الحافظ: (صدوق، يخطيء كثيراً، من الثامنة)، ولكن ابن عدي
ذكر له عدة أحاديث ليس فيها كبير نكارة، كثير الرواية عن الأعمش، مات في رمضان،
صبيحة ثلاث وعشرين، سنة 190هـ.
ــ عبيد بن جناد الحلبي،
مولى بني جعفر بن كلاب: ثقة، ذكره ابن حبان في الثقات، وأبو حاتم في الجرح
والتعديل، وقال: (صدوق، لم أكتب عنه)، يروي عن عبيد الله بن عمرو، وعطاء بن مسلم
الحلبي، وابن المبارك، وطبقتهم، وعنه: أحمد بن أبي الحواري، وأبو زرعة، وأبو يعلى
الموصلي، توفي سنة 231 هـ.
ــ محمد بن الحسين بن عبد
الرحمن، أبو العباس الأنماطي: ثقة، روى عن الأئمة، وروي عنه الأئمة، وسائر الناس
لثقته وصلاحه، بغدادي، له ترجمة حسنة في تاريخ بغداد، توفي لأيام خلت من رمضان،
سنة 293هـ.
فهذا الإسناد حسن بذاته،
ومتن الحديث صحيح ثابت من طرق، فصح الحديث عن ابن مسعود بحمد الله.
u فصل: حديث أبي أمامة «لا تدخلوا
الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا»:
v أخرج الطبراني:
حدثنا أحمد بن النضر العسكري: حدثنا إسحاق بن رزيق الرسعني: حدثنا عثمان بن عبد
الرحمن الطرائفي: حدثنا عبد الرحمن بن ثوبان عن القاسم عن أبي أمامة أن النبي، صلى
الله عليه وسلم، قال: «لا إيمان لمن لا أمانة له! !والذي نفسي بيده: لا تدخلون الجنة
حتى تؤمنوا، ولا تؤمنون حتى تحابوا، ولا تحابون حتى يذهب الغل من صدوركم! ألا أخبركم بأمر إذا
فعلتموه تحاببتم؟!»، قالوا: (بلى)، قال: افشوا السلام!».
ــ القاسم بن عبد الرحمن،
أبو عبد الرحمن الدمشقي: صدوق يغرب كثيراً، ضعفه بعضهم بغير حجة مقنعة.
ــ عبد الرحمن بن ثابت بن
ثوبان العنسي، الدمشقي الزاهد: صدوق يخطىء، تغير بأخرة، من السابعة، مات سنة خمس
وستين ومائة، وهو بن تسعين سنة.
ــ عثمان بن عبد الرحمن
الطرائفي الحراني: صدوق، يكثر الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، ويأتي بالطرائف،
فلقب: «الطرائفي». أنكر أبو حاتم على البخاري إدخاله في كتاب الضعفاء وقال: يحول
من هناك.
ــ إسحاق بن رزيق الرسعني:
ثقة، من رأس العين، يروى عن أبى نعيم وكان راويا لإبراهيم بن خالد. ذكره ابن حبان
في «الثقات»، وقال: حدثنا عنه أبو عروبة مات سنة تسع وخمسين ومائتين.
ــ أحمد بن النضر بن بحر،
أبو جعفر العسكري، من أهل عسكر مكرم، قدم بغداد وحدث بها. قال الخطيب في تاريخ
بغداد: (كان من ثقات الناس وأكثرهم كتابا).
فالإسناد حسن قوي بذاته،
والحديث صحيح بشواهده، والحمد لله.
u فصل: حديث أبي هريرة «أحب للناس
ما تحب لنفسك تكن مؤمنا»:
v جاء في سنن ابن
ماجه: حدثنا علي بن محمد حدثنا أبو معاوية عن أبي رجاء عن برد بن سنان عن مكحول عن
واثلة بن الأسقع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا
هريرة! كن ورعا تكن أعبد الناس، وكن قنعا تكن أشكر الناس، وأحب للناس ما
تحب لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب». قال
الألباني: صحيح، وهو كما قال.
v كما أخرجه أبو
يعلى: حدثنا سريج بن يونس حدثنا أبو معاوية عن أبي رجاء الجزري عن يزيد بن سنان أو
برد عن واثلة بن الأسقع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا
هريرة كن ورعا تكن عابدا واجتنب المحارم تكن زاهدا وأحسن جوار من جوارك تكن مسلما، وأحب للناس ما
تحب لنفسك تكن مؤمنا». وقال الشيخ حسين أسد: إسناده جيد!
v وفي مسند
الشاميين: حدثنا الحسن بن العباس الرازي وعبد الرحمن بن سلم الرازي قالا حدثنا سهل
بن عثمان حدثنا المحاربي عن أبي رجاء محرز بن عبد الله عن برد بن سنان عن مكحول عن
واثلة بن الأسقع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أبا هريرة
كن ورعا تكن أعبد الناس وكن قنعا تكن أشكر الناس وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن
مؤمنا وأحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما وأقل الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب.
v وفي المعجم
الصغير من طريق أخرى مستقلة عن سابقتها: حدثنا محمد بن عبد الله بن مهدي أبو عبد
الله القاضي الرامهرمزي حدثنا محمد بن محمد بن مرزوق حدثنا يوسف بن هارون أبو
يعقوب العبدي حدثنا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هريرة إرض بما قسم الله تكن غنيا، وكن ورعا تكن عبدا
لله، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا، واحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما، وإياك وكثرة
الضحك فإنه يميت القلب، والقهقهة من الشيطان، والتبسم من الله» لم يروه عن هشام بن
حسان إلا يوسف بن هارون
ــ يوسف بن هارون، أبو
يعقوب العبدي: لم نجد له ترجمة.
ــ محمد بن محمد بن مرزوق،
أبو عبد الله الباهلي: صدوق له أوهام، شيخ مسلم،، بصري، من وسط تبع الأتباع
(الحادية عشرة).
ــ محمد بن عبد الله بن
مهدي، أبو عبد الله القاضي الرامهرمزي: شيخ الطبراني، لم نجد له ترجمة.
ولكن الحديث عن أبي هريرة
ثابت لا شك فيه، ما عدا الزيادة: «والقهقهة من الشيطان، والتبسم من الله»، فلا يجوز الاحتجاج بها
إلا أن تأتي من طريق أخري تعضدها، أو يأتينا بينة بوثاقة رواتها.
u فصل: خبر صلاة التراويح
v جاء في «الجامع الصحيح
المختصر»
للبخاري: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب أخبرني عروة أن
عائشة، رضي الله تعالى عنها، أخبرته، أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، خرج ليلة
من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا فاجتمع أكثر
منهم فصلوا معه فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة فخرج رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، فصلى فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد
عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال أما بعد
فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها فتوفي رسول الله،
صلى الله عليه وسلم، والأمر على ذلك. وقال البخاري: (تابعه يونس).
v وأخرجه البيهقي
مطولا من نفس الطريق في (سنن البيهقي الكبرى) فقال: وأنبأ أبو الحسين علي بن
محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد حدثنا أبو الحسين عبد الصمد بن علي بن
مكرم حدثنا محمد بن عبد الواحد حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير حدثنا الليث عن
عقيل عن بن شهاب أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم
أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من جوف الليل يصلي في المسجد
فصلى رجال يصلون بصلاته فأصبح الناس فتحدثوا بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله
صلى الله عليه وسلم الليله الثالثة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلا بصلاته
فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم فطفق رجال منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه
وسلم حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى صلاة الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال أما
بعد فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة ولكني خشيت أن تفرض عليهم فتعجزوا عنها وكان رسول
الله صلى الله عليه وسلم يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة أمر فيه
فيقول من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه فتوفي رسول الله صلى
الله عليه وسلم والأمر على ذلك ثم كان الأمر على ذلك خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة
عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال عروة وأخبرني عبد الرحمن بن عبد القاري
وكان من عمال عمرو رضي الله تعالى عنه وكان يعمل مع عبد الله بن الأرقم على بيت
مال المسلمين أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج ليلة في رمضان فخرج معه عبد
الرحمن فطاف في المسجد وأهل المسجد أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل
فيصلي بصلاته الرهط قال عمر رضي الله تعالى عنه والله لا أظن لو جمعناهم على قارئ
واحد لكان أمثل فعزم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على أن يجمعهم على قارئ
واحد فأمر أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن يقوم بهم في رمضان فخرج عمر بن الخطاب
رضي الله تعالى عنه والناس يصلون بصلاة قارئ لهم ومعه عبد الرحمن بن عبد القاري
فقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نعم البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من
التي يقومون يريد آخر الليل وكان الناس يقومون في أوله رواه البخاري في الصحيح عن
بن بكير دون حديث عبد الرحمن بن عبد القاري وأنما أخرج حديث عبد الرحمن عن حديث
مالك عن الزهري
v أما متابعة
يونس التي أشار إليها البخاري فهي في صحيح مسلم: وحدثني حرملة بن يحيى أخبرنا عبد
الله بن وهب أخبرني يونس بن يزيد عن بن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة
أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من جوف الليل فصلى في المسجد فصلى
رجال بصلاته فأصبح الناس يتحدثون بذلك فاجتمع أكثر منهم فخرج رسول الله، صلى الله
عليه وسلم، في الليلة الثانية فصلوا بصلاته فأصبح الناس يذكرون ذلك فكثر أهل
المسجد من الليلة الثالثة فخرج فصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد
عن أهله فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق رجال منهم يقولون
الصلاة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خرج لصلاة الفجر فلما قضى
الفجر أقبل على الناس ثم تشهد فقال أما بعد فإنه لم يخف علي شأنكم الليلة ولكني
خشيت أن تفرض عليكم صلاة الليل فتعجزوا عنها
v وفي «المجتبى من
السنن»
للإمام النسائي: أخبرنا زكريا بن يحيى قال أنبأنا إسحاق قال أنبأنا عبد الله بن
الحرث عن يونس الأيلي عن الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة أخبرته أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في جوف الليل يصلي في المسجد فصلى بالناس وساق
الحديث وفيه قالت فكان يرغبهم في قيام رمضان من غير أن يأمرهم بعزيمة ويقول من قام
ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه قال فتوفى رسول الله، صلى الله
عليه وسلم، والأمر على ذلك. وهذا إسناد في غاية الصحة، وقال الألباني: (صحيح
الإسناد لكن قوله فتوفى الخ مدرج إنما هو من قول الزهري). قلت: هو بعينه في «سنن النسائي
الكبرى»،
وإسحاق هو ابن راهويه الذي أخرجه كذلك في مسنده بطوله. وهو في صحيح ابن حبان قال:
أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي به إلى آخره،
وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم)
v وهو في «صحيح ابن حبان» من طريق ثانية إلى يونس:
أخبرنا محمد بن الحسن بن قتيبة بعسقلان قال حدثنا حرملة بن يحيى قال حدثنا بن وهب
قال أخبرنا يونس به، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط مسلم)
v وهو في «صحيح ابن خزيمة» كذلك من طريق ثالثة إلى
يونس: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي أخبرنا عثمان بن عمر أخبرنا يونس عن الزهري
عن عروة عن عائشة (ح) وثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بن جريج حدثني
يعني بن شهاب قال قال عروة قالت عائشة نحوه
v وهو في «موطأ الإمام
مالك»
مختصراً: (حدثني يحيى عن مالك) عن بن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي
صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى
بصلاته ناس ثم صلى الليلة القابلة فكثر الناس ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو
الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال قد رأيت الذي
صنعتم ولم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم وذلك في رمضان.
وأخرجه مسلم في «صحيح مسلم»: حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك إلى آخره. وهو عند
النسائي في «المجتبى من السنن»، وكذلك في «السنن الكبرى»: أخبرنا قتيبة عن مالك،
وقال الألباني: (صحيح). وهو في صحيح ابن حبان: أخبرنا عمر بن سعيد بن سنان قال
حدثنا أحمد بن أبي بكر عن مالك، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط
الشيخين). وهو في سنن البيهقي الكبرى من طرق عدة إلى مالك: أنبأ أبو عبد الله
الحافظ أنبأ أبو العباس عبد الله بن الحسين القاضي بمرو أنبأ الحارث بن أبي أسامة
حدثنا إسماعيل بن أبي أويس حدثنا مالك (ح) وأنبأ أبو عبد الله حدثني محمد بن صالح
بن هاني حدثنا محمد بن عمرو الحرشي حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك إلى
آخره، ثم قال البيهقي: (لفظ حديثهما سواء إلا أن بن أبي أويس قال عن عائشة زوج
النبي صلى الله عليه وسلم رواه البخاري في الصحيح عن إسماعيل ورواه مسلم عن يحيى
بن يحيى)
v وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: حدثنا عبد الرزاق وابن بكر قالا أخبرنا بن جريج قال حدثني بن شهاب قال قال
عروة قالت عائشة خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ليلة من جوف الليل فصلى في
المسجد فثاب رجال فصلوا معه بصلاته فلما أصبح الناس تحدثوا أن النبي، صلى الله
عليه وسلم، قد خرج فصلى في المسجد من جوف الليل فاجتمع الليلة المقبلة أكثر منهم
قالت فخرج النبي، صلى الله عليه وسلم، اغتسل من جوف الليل فصلى وصلوا معه بصلاته
ثم أصبح فتحدثوا بذلك فاجتمع الليلة الثالثة ناس كثير حتى كثرب أهل المسجد قالت
فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من جوف الليل فصلى فصلوا معه فلما كانت الليلة
الرابعة اجتمع الناس حتى كاد المسجد يعجز عن أهله فجلس النبي، صلى الله عليه وسلم،
فلم يخرج قالت حتى سمعت ناسا منهم يقولون الصلاة فلم يخرج إليهم النبي، صلى الله
عليه وسلم، فلما صلى صلاة الفجر سلم ثم قام في الناس فتشهد ثم قال أما بعد فإنه لم
يخف علي شأنكم الليلة ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنه. وهو في صحيح ابن
خزيمة كذلك من طريق ابن جريج: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدورقي أخبرنا عثمان بن عمر
أخبرنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة (ح) وثنا محمد بن رافع حدثنا عبد الرزاق
أخبرنا بن جريج حدثني يعني بن شهاب قال قال عروة قالت عائشة نحوه
v وفي «صحيح ابن حبان»: أخبرنا عمر بن سعيد بن
سنان الطائي بمنبج قال حدثنا سعيد بن حفص النفيلي قال قرأنا على معقل بن عبيد الله
عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها أخبرته به، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده
حسن)
v ومثله في «المعجم الأوسط»: حدثنا أحمد قال حدثنا
أبو جعفر قال قرأت على معقل بن عبيد الله عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم خرج ليلة في شهر رمضان فصلى في المسجد وصلى رجال وراءه بصلاته
وأصبح الناس فتحدثوا بذلك حتى إذا كان الليلة الثانية خرج فصلى في المسجد فلما
كانت الليلة الثالثة لم يخرج فصاح الناس وقرعوا بابه فلم يخرج فلما أصبح قال إنه
لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن يفرض عليكم فلا تقوموا به.
فحديث عائشة، أم المؤمنين،
رضوان الله وسلامه عليها، من أصح أحاديث الدنيا، تقوم به الحجة القاطعة. وقد جاء
هذا المعنى في نفس الواقعة كذلك عن زيد بن ثابت، رضي الله عنه، بأصح الأسانيد
وأقواها، كما هو:
v في «صحيح البخاري»: حدثنا عبد الأعلى بن
حماد قال حدثنا وهيب قال حدثنا موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر عن بسر بن سعيد عن
زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة قال حسبت أنه قال من حصير
في رمضان فصلى فيها ليالي فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج
إليهم فقال قد عرفت الذي رأيت من صنيعكم فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل
الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة. وقال البخاري: (قال عفان حدثنا وهيب حدثنا
موسى سمعت أبا النضر عن بسر عن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم).
v وقد أخرجه النسائي
من طريق عفان بزيادات فقال: أخبرنا أحمد بن سليمان قال حدثنا عفان بن مسلم قال
حدثنا وهيب قال سمعت موسى بن عقبة قال سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد عن زيد
بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه الناس ثم فقدوا صوته ليلة فظنوا أنه
نائم فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم فقال ما زال بكم الذي رأيت من صنعكم حتى خشيت
أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة
المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة. وهو بنفس اللفظ عند أحمد: حدثنا عفان إلى
آخره. وهو كذلك في مسند إسحاق بن راهويه.
v وهو في «صحيح مسلم»بزيادات من طريق أخرى:
وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا محمد بن جعفر حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا سالم أبو
النضر مولى عمر بن عبيد الله عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت قال احتجر رسول الله
صلى الله عليه وسلم حجيرة بخصفة أو حصير فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي
فيها قال فتتبع إليه رجال وجاءوا يصلون بصلاته قال ثم جاءوا ليلة فحضروا وأبطأ
رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم قال فلم يخرج إليهم فرفعوا أصواتهم وحصبوا
الباب فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضبا فقال لهم رسول الله صلى الله
عليه وسلم ما زال بكم صنيعكم حتى ظننت أنه سيكتب عليكم فعليكم بالصلاة في بيوتكم
فإن خير صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة. وحدثني محمد بن حاتم حدثنا بهز
حدثنا وهيب حدثنا موسى بن عقبة قال سمعت أبا النضر عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت
أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس فذكر نحوه وزاد فيه ولو كتب عليكم ما
قمتم به. وأخرجه أبو داود بنحو من حديث مسلم فقال: حدثنا هارون بن عبد الله البزاز
حدثنا مكي بن إبراهيم حدثنا عبد الله يعني بن سعيد بن أبي هند به، وقال الألباني:
(صحيح). وهو في مسند الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا مكي حدثنا عبد الله بن سعيد بن
أبي هند بنحوه، إلا أنه لم يذكر أنهم حصبوا الباب.
v أما ما جاء في
«مسند أبي يعلى»: حدثنا هارون بن معروف حدثنا بن وهب حدثني عبد الله بن عمر عن أبي النضر عن
أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ليلة من رمضان إلى المسجد
بعد العشاء فصلى فرآه ناس فصلوا بصلاته فلما كانت الثانية خرج أيضا فرآه الناس
فثابوا وكبروا وصلوا بصلاته فلما كانت الليلة الثالثة ملىء المسجد فلم يخرج عليهم
رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلوا كأنهم يؤذنونه ليخرج إليهم فقال يا عائشة ما
بال الناس فقلت يا رسول الله صلوا معك هاتين الليلتين فأحبوا أن تخرج إليهم ثم خرج
إليهم فقال أيها الناس عليكم من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن
أحب الأعمال إلى الله دومها وإن قل ما زلتم حتى خشيت أن تكتب عليكم قالت عائشة
فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إحدى عشرة قائما وركعتين جالسا فإذا أراد
أن يركع قام فقرأ ثم ركح ثم يوتر بواحدة قال أبو سلمه فقلت كيف كانت صلاته في شهر
رمضان قالت ما كان يزيد في شهر رمضان على هذا، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده
ضعيف). قلت: هذا يشبه أن يكون وهما، والأرجح أنه عن أبي النضر عن بسر بن سعيد عن
زيد بن ثابت الأنصاري، كما في الأحاديث السابقة، وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم
العمري ضعيف في الحديث، فكأنه، سامحه الله، خلط الحديثين، أو أحاديث عدة، في حديث
واحد.
u فصل: فضل يوم الإثنين: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزل
علي فيه»
v كما جاء في «صحيح مسلم»: [حدثنا محمد بن المثنى
ومحمد بن بشار واللفظ لابن المثنى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن غيلان بن
جرير سمع عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري، رضي الله تعالى عنه، أن
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سئل عن صومه قال فغضب رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد
رسولا، وببيعتنا بيعة!)، قال: فسُئِل عن صيام الدهر فقال: «لا صام ولا أفطر، (أو
ما صام وما أفطر)»، قال: (فسئل عن صوم يومين وإفطار يوم) قال: «ومن يطيق ذلك؟!»،
قال: (وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين)، قال: «ليت أن الله قوانا لذلك!»، قال: (وسئل
عن صوم يوم وإفطار يوم)، قال: «ذاك صوم أخي داود عليه السلام»، قال: (وسئل عن صوم
يوم الإثنين)، قال: «ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت، (أو أنزل علي فيه)»، قال فقال:
«صوم ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان: صوم الدهر»، قال: (وسئل عن صوم يوم
عرفة)، فقال: « يكفر السنة الماضية والباقية»، قال: (وسئل عن صوم يوم عاشوراء)،
فقال: «يكفر السنة الماضية»]، وقال الإمام مسلم: و(في هذا الحديث من رواية شعبة
قال وسئل عن صوم يوم الإثنين والخميس فسكتنا عن ذكر الخميس لما نراه وهما)، قلت:
أحسن الإمام مسلم بترك ذكر الخميس الذي هو وهم بلا شك!
ــ وهو في صحيح مسلم»: [وحدثناه عبيد الله بن
معاذ حدثنا أبي (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا شبابة (ح) وحدثنا إسحاق بن
إبراهيم أخبرنا النضر بن شميل كلهم عن شعبة بهذا الإسناد]
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا شعبة حدثنا غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد
الزماني عن أبي قتادة (قال شعبة: قلت لغيلان: الأنصاري؟! فقال برأسه أي نعم) بنحوه
بتمام طوله]
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن غيلان بن جرير أنه سمع عبد الله بن معبد
الزماني يحدث عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صومه فغضب فقال
عمر رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا فذكر الحديث]
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا محمد بن جعفر حدثنا سعيد عن قتادة عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن
معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري أن أعرابيا سأل رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، عن صومه فذكر الحديث إلا أنه قال: (صوم الإثنين؟!)، قال: «ذاك يوم ولدت
فيه، وأنزل علي فيه»]
ــ وهو في «صحيح مسلم»: [وحدثني أحمد بن سعيد
الدارمي حدثنا حبان بن هلال حدثنا أبان العطار حدثنا غيلان بن جرير في هذا الإسناد
بمثل حديث شعبة غير أنه ذكر فيه الإثنين ولم يذكر الخميس]
ــ وهو في «سنن البيهقي
الكبرى»:
[أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو بكر بن إسحاق الفقيه أنبأ علي بن عبد العزيز
حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا أبان بن يزيد حدثنا غيلان بن جرير المعولي عن عبد
الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة به بتمام طوله، مع اختلاف طفيف في ترتيب
الفقرات]، وقال الإمام البيهقي: (أخرجه مسلم في الصحيح من حديث حبان بن هلال عن
أبان بن يزيد)
ــ وهو بتجميع الأسانيد في
«سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك أنبأ عبد الله بن
جعفر حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا حماد بن زيد وهشام ومهدي قال حماد
ومهدي عن غيلان بن جرير وقال هشام عن قتادة عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد
الزماني عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه
وسلم عن صومه فغضب حتى عرف ذلك في وجهه فقام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبك نبيا أعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله
فلم يزل عمر رضي الله تعالى عنه يردد ذلك حتى سكن فقال يا رسول الله ما تقول في
رجل يصوم الدهر كله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صام ولا أفطر أو قال ما
صام وما أفطر فقال يا رسول الله كيف بمن يصوم يومين ويفطر يوما فقال ومن يطيق ذلك
فقال يا رسول الله كيف بمن يفطر يومين ويصوم يوما فقال لوددت أني طوقت ذلك فقال يا
رسول الله فما تقول في صوم يوم الإثنين فقال ذلك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه فقال
يا رسول الله فما تقول في رجل يصوم يوما ويفطر يوما فقال ذلك صوم أخي داود عليه
السلام قال يا رسول الله فما تقول في صوم يوم عاشوراء قال إني لأحتسب على الله عز
وجل أن يكفر السنة قال يا رسول الله فما تقول في صوم يوم عرفة قال إني لأحتسب على
الله أن يكفر السنة التي قبلها والسنة التي بعدها]، وقال الإمام البيهقي: (رواه
مسلم في الصحيح عن يحيى بن يحيى وغيره عن حماد بن زيد ومن وجه آخر عن مهدي بن
ميمون)
ــ وهو في «صحيح ابن حبان» مع تغقيب جيد موفق من
الإمام أبي حاتم بن حبان: [أخبرنا أبو يعلى حدثنا خلف بن هشام البزار حدثنا حماد
بن زيد عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة به بطوله إلى قوله: «وددت انى طوقت
ذاك»]،
وقال أبو حاتم: (لم يكن غضب النبي صلى الله عليه وسلم من أجل مسألة هذا
السائل عن كيفية الصوم وإنما كان غضبه صلى الله عليه وسلم لأن السائل سأله قال يا
نبي الله كيف تصوم قال فكره النبي صلى الله عليه وسلم استخباره عن كيفية صومه
مخافة ان لو أخبره يعجز عن اتيان مثله أو خشي صلى الله عليه وسلم على السائل وأمته
جميعا ان يفرض عليهم ذلك فيعجزوا عنه)، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط
مسلم).
v وهو مختصراً في
«صحيح مسلم»: [وحدثني زهير بن حرب حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا مهدي بن ميمون عن
غيلان عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم، سئل عن صوم الإثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه
أنزل علي»]
v وهو كذلك
مختصراً في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن
غيلان بن جريج عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة قال: سئل رسول الله، صلى الله
عليه وسلم، عن صوم يوم الإثنين فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل علي»]
ــ وهو أيضاً في «السنن الكبرى»: [أنبأ عمرو بن علي قال
حدثنا عبد الرحمن بن مهدي قال حدثنا مهدي بن ميمون عن غيلان بن جرير عن عبد الله
بن معبد الزماني عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم الإثنين
قال: «هو يوم ولدت فيه، ويوم أنزل علي فيه»]
ــ وهو في «صحيح ابن خزيمة»: [حدثنا محمد بن بشار
وأبو موسى قالا حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة (ح) وحدثنا بندار أيضا حدثنا محمد
بن جعفر حدثنا عبد الأعلى حدثنا سعيد عن قتادة (ح) وحدثنا جعفر بن محمد حدثنا وكيع
عن مهدي بن ميمون كلهم عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد الزماني يعني عن أبي
قتادة الأنصاري قال: بينما نحن عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أقبل عليه عمر
فقال: (يا نبي الله صوم يوم الإثنين؟!)، قال: «يوم ولدت فيه، ويوم أموت
فيه»]،
وقال الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة: [هذا حديث قتادة وفي حديث وكيع سأل رجل رسول
الله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكر عمر وقال: «فيه ولدت، وفيه أوحي إلي»]، قلت: لفظة «ويوم أموت فيه» في رواية قتادة هي على
الأرجح من أوهام الرواة، إذ لم يتابعه عليها أحد!
ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا الحسن بن سفيان
حدثنا محمد بن المنهال الضرير حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة حدثنا
قتادة عن غيلان بن جرير عن عبد الله بن معبد عن أبي قتادة أن أعرابيا سأل النبي،
صلى الله عليه وسلم، عن صوم الدهر فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا صام ولا
أفطر» أو قال: «لا أفطر ولا صام»، فقام غيره فقال: (يا رسول الله: أرأيت رجلا يصوم
من كل شهر ثلاثة أيام؟!)، قال: «ذاك صوم الدهر!»، قال: «أرأيت رجلا يصوم يوم
الإثنين»، قال: «ذاك يوم ولدت فيه ويوم انزل علي»، قال: (أرأيت رجلا يصوم يوما
ويفطر يوما؟!)، قال: «ذاك صوم أخي داود»]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده
صحيح على شرط مسلم)
ــ وهو في «المستدرك على
الصحيحين»: [أخبرنا أبو عمرو بن السماك ببغداد والحسن بن يعقوب العدل بنيسابور قالا
حدثنا يحيى بن أبي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء أنبأ سعيد عن قتادة عن غيلان بن
جرير عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة الأنصاري أن أعرابيا سأل النبي صلى
الله عليه وسلم عن صوم يوم الإثنين قال: «إن ذلك اليوم الذي ولدت
فيه وأنزل علي فيه»]، وقال الإمام الحاكم: (صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه إنما احتج مسلم
بحديث شعبة عن قتادة بهذا الإسناد صوم يوم عرفة يكفر السنة وما قبلها)، وقال
الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم)، قلت: أخرجه مسلم كما سلف من طريق
شعبة، وغيره.
ــ وهو في «سنن أبي داود»: [حدثنا موسى بن إسماعيل
حدثنا مهدي حدثنا غيلان عن عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة بهذا الحديث زاد
قال: (يا رسول الله: أرأيت صوم يوم الإثنين (ويوم الخميس)؟! قال: «فيه ولدت، وفيه
أنزل علي القرآن»]، وقال الألباني: صحيح، قلت: نعم هو صحيح، إلا أن لفظة الخميس
وهم، تداخلت في ذهن بعض الرواة مع حديث زيد بن ثابت، رضي الله عنه، وعائشة، رضوان
الله وسلامه عليها، وهي التالية:
v كما جاء في «سنن أبي داود»: [حدثنا موسى بن إسماعيل
حدثنا أبان حدثنا يحيى عن عمر بن أبي الحكم بن ثوبان عن مولى قدامة بن مظعون عن
مولى أسامة بن زيد أنه انطلق مع أسامة إلى وادي القرى في طلب مال له فكان يصوم يوم
الإثنين ويوم الخميس فقال له مولاه لم تصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وأنت شيخ كبير
فقال إن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم يوم الإثنين ويوم الخميس وسئل عن
ذلك فقال إن أعمال العباد تعرض يوم الإثنين ويوم الخميس]، وقال أبو داود: (كذا قال
هشام الدستوائي عن يحيى عن عمر بن أبي الحكم)، وقال الألباني: صحيح
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا عفان حدثنا أبان حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني عمرو بن أبي الحكم عن
مولى قدامة بن مظعون عن مولى أسامة بن زيد بنحوه]
v وكما جاء في «المجتبى من
السنن»:
[أخبرنا عمرو بن علي قال حدثنا عبد الله بن داود قال أخبرني ثور عن خالد بن معدان
عن ربيعة الجرشي عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى يوم
الإثنين والخميس]، وقال الألباني: صحيح،
v وكما جاء في «المجتبى من
السنن»:
[أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبيد الله بن سعيد الأموي قال حدثنا سفيان عن
ثور عن خالد بن معدان عن عائشة به]، وقال الألباني: صحيح، قلت: هذا إسناد منقطع،
وخالد بن معدان لم يأخذ من عائشة، ولكن الواسطة ذكرت في الحديث السابق وهو ربيعة
الجرشي.
ــ وهو في «المجتبى من
السنن»:
[أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبيد الله بن سعيد الأموي قال حدثنا سفيان عن
ثور عن خالد بن معدان عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى الإثنين
والخميس]، وقال الألباني: صحيح
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا مؤمل، قال حدثنا سفيان عن ثور عن خالد بن معدان عن عائشة به]
v وكما جاء في «السنن الكبرى»: [أنبأ إسحاق بن إبراهيم
بن حبيب بن الشهيد قال حدثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن عاصم عن المسيب بن رافع عن
سواء الخزاعي عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم الإثنين والخميس]
ــ وهو في «صحيح ابن خزيمة» بعينه: [حدثنا إسحاق بن
إبراهيم بن حبيب بن الشهيد حدثنا يحيى بن يمان عن سفيان عن عاصم عن المسيب بن رافع
عن سواء الخزاعي عن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم يوم الإثنين
والخميس]
u فصل: حديث «احفظ الله يحفظك!»
v قال الإمام أحمد بن
حنبل في المسند: حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا كهمس بن الحسن عن الحجاج بن
الفرافصة، [قال أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد: وأنا قد رأيته (أي: الحجاج بن
الفرافصة) في طريق فسلم علي وأنا صبي] رفعه إلى ابن عباس أو أسنده إلى ابن عباس
ــ قال (المتكلم هو عبد
الله بن يزيد) وحدثني همام بن يحيى أبو عبد الله صاحب البصري أسنده إلى ابن عباس
ــ وحدثني عبد الله بن
لهيعة ونافع بن يزيد المصريان عن قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباس (ولا
أحفظ حديث بعضهم عن بعض) أنه قال: [كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا
غلام! (أو يا غليم)، ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟!»، فقلت: بلى، فقال: «احفظ
الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك؛ تعرف إليه في الرخاء، يعرفك في الشدة؛ وإذا
سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله! قد جف القلم بما هو كائن: فلو أن
الخلق كلهم جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن
أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه؛ واعلم أن في الصبر على
ما تكره خيرا كثيرا؛ وأن النصر مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب؛ وأن مع العسر
يسرا»]. هذا حديث صحيح.
الإسنادان الأولان: كهمس
بن الحسن عن عن الحجاج بن الفرافصة يرفعه إلى ابن عباس؛ وكذلك همام بن يحيى أبو
عبد الله صاحب البصري يسنده إلى ابن عباس، كما هي كذلك منقطعة.
ولكن الإسناد الأخير صحيح
لأن سماع أبي عبد الرحمن عبد الله بن يزيد (وهو المقريء القصير) من ابن لهيعة، قبل
احتراق كتبه، قديم صحيح، وهو لم ينفرد به لأن نافع بن يزيد المصري الثقة تابعه،
وأما قيس بن الحجاج، وحنش الصنعاني فهم ثقات؛ والإسناد متصل؛ أما المتن فهو نظيف
مستقيم، وله شواهد ومتابعات عديدة، منها:
v في المستدرك على الصحيحين: حدثنا الشيخ أبو بكر بن إسحاق، رضي
الله تعالى عنه: أخبرنا علي بن عبد العزيز: حدثنا معلى بن مهدي: حدثنا أبو شهاب:
أنبأ عيسى بن محمد القرشي عن بن أبي مليكة عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما، قال:
قال لي رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك؛
تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة؛ واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما
أخطأك لم يكن ليصيبك؛ واعلم أن الخلائق لو اجتمعوا على أن يعطوك شيئا لم يرد الله
أن يعطيك لم يقدروا عليه؛ ولو اجتمعوا أن يصرفوا عنك شيئا أراد الله أن يصيبك به
لم يقدروا على ذلك؛ فإذا سألت فاسأل الله؛ وإذا استعنت فاستعن بالله؛ واعلم أن
النصر مع الصبر؛ وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا؛ واعلم أن القلم قد جرى
بما هو كائن». هذا إسناد فيه ضعف محتمل، قال العقيلي: (عيسى بن محمد القرشي عن بن
أبي مليكة مجهول بالنقل، ولا يعرف إلا به، ولا يتابع عليه). وقال الذهبي في
التلخيص: (عيسى بن محمد القرشي ليس بمعتمد). أما قول العقيلي: (ولا يعرف إلا به،
ولا يتابع عليه) فهو غير صحيح، فالحديث معروف من غير عيسى بن محمد القرشي بأسانيد
جياد، وهو قد توبع متابعات قوية جيدة، كما سلف!
v وفي المعجم الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز: به إلى منتهاه
v وفي مسند الشهاب: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن عمر بن النحاس أبنا
أحمد بن إبراهيم بن جامع حدثنا علي بن عبد العزيز به إلى منتهاه.
v وقال العقيلي في «الضعفاء الكبير»: حدثناه محمد بن إسماعيل ومعاذ بن
المثنى ومحمد بن الفضل قالوا حدثنا سعيد بن سليمان قال حدثنا أبو شهاب قال حدثنا
عيسى بن محمد القرشي عن بن أبي مليكة عن بن عباس قال أتيت رسول الله، صلى الله
عليه وسلم، فقال: «يا غلام احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في
الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك
فاعلم أن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم
أن اليقين مع الصبر وأن الفرج مع الكرب فإن مع العسر يسرا»، ثم قال العقيلي: (عيسى
بن محمد القرشي عن بن أبي مليكة مجهول بالنقل، ولا يعرف إلا به، ولا يتابع عليه)،
وقال: (الأسانيد في هذا لينة!)، قلت: وهذا كذلك ليس بصحيح فأسانيد أحمد قوية جياد،
كما سلف.
v وفي المعجم الكبير: حدثنا أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي حدثنا
غسان بن الربيع حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن عبد الله مولى غفرة عن عكرمة عن
بن عباس قال: كنت رديف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: «يا غلام ألا أعلمك
شيئا ينفعك الله به؟!»، قلت: بلى يا رسول الله! فقال: «احفظ الله يحفظك احفظ الله
تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فسل الله وإذا استعنت
فاستعن بالله فقد جف القلم بما هو كائن يوم القيامة فلو جهد الخلائق أن ينفعوك
بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك ولو جهد الخلائق أن يضروك بشيء لم يكتبه
الله عليك لم يقدروا على ذلك»، هذا إسناد ضعيف، وإن لم يكن ساقطاً بالكلية لأن أبا
حفص عمر بن عبد الله مولى غفرة المدني، ضعيف، لا يمكن أن يكون سمع ابن عباس، فلعله
عن عكرمة عنه كما هو في سياق الطبراني! أما إسماعيل بن عياش بن سليم الحمصي فلا
بأس بروايته عن أهل بلده (الشام)، ولكنه مخلط في غيرهم، وهذه للأسف منها!
v وأخرجه العقيلي: حدثني جدي قال: حدثنا محمد بن كثير العبدي قال حدثنا
إسماعيل بن عياش عن عمر بن عبد الله مولى غفرة عن بن عباس فساق الحديث. وقال
العقيلي: (حدثنا محمد بن زكريا قال إسحاق بن راهويه قال حدثني بن يونس قلت لعمر
مولى غفرة سمعت من بن عباس؟! قال: أدركت زمانه! وهذا المتن يروى عن بن عباس وغيره
عن النبي، صلى الله عليه وسلم، بأسانيد لينة)، وقد أسلفنا القول أن العقيلي فاتته
طرق أحمد القوية.
v وقال ابن عدي في «الكامل»: حدثنا أحمد بن إدريس أبو علي
القاضي بجرجان حدثنا أحمد بن محمد بن أمية القرشي حدثنا أبي حدثنا نوفل بن سليمان عن
بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال كنت ردفا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذ
ناداني: «يا غلام»، قلت: (لبيك وسعديك يا رسول الله!)، فقال: «احفظ الله يحفظ احفظ
الله تجده امامك واذكره في الرخاء يذكرك في الشدة واعلم ان القلم جرى بما هو كائن
الى يوم القيامة فلو ان العباد اجتمعوا على ان يعطوك شيئا لم يرد الله ان يعطيك ما
قدروا ولو جهدوا على ان يمنعوك شيئا قد قضى الله لك ما قدروا فإذا سألت فاسأل الله
وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم ان النصر مع الصبر والفرج مع الكرب وان مع العسر
يسرا وان مع العسر يسرا». هذا إسناد ضعفه محتمل. قال ابن عدي: (ونوفل بن سليمان
هذا يحدث عنه محمد بن أمية القرشي هذا وهو من أهل سامرة يحدث عن محمد ابنه أحمد
وغيره ويحدث محمد عن نوفل هذا بأحاديث غير محفوظة ويشبه ان يكون ضعيفا)، وقال أبو
حاتم: ضعيف، وهو كذلك في اللسان!
v وفي (تاريخ جرجان): حدثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ به.
v وفي المنتخب من مسند عبد بن حميد: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس قال
حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الجدعاني عن المثنى بن الصباح عن عطاء بن أبي
رباح عن بن عباس قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا بن عباس احفظ الله
يحفظك واحفظ الله تجده أمامك وتعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما
أصابك لم يكن ليخطئك وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك وأن الخلائق لو اجتمعوا على أن
يعطوك شيئا لم يرد الله أن يعطيكه لم يقدروا على ذلك أو أن يصرفوا عنك شيئا أراد
الله أن يعطيكه لم يقدروا على ذلك وأن قد جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة
فإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله فإن النصر مع الصبر والفرج مع
الكرب وأن مع العسر يسرا». وهذا الإسناد ضعيف، وإن لم يكن ساقطاً بالمرة:
ــ المثنى بن الصباح
اليماني الأبناوي، ضعيف اختاط بآخره!
ــ محمد بن عبد الرحمن بن
أبي بكر القرشي التيمي الجدعاني، ضعيف!
v وفي المستدرك على الصحيحين: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب
عودا على بدء حفظ أو من الكتاب: حدثنا أحمد بن شيبان الرملي: حدثنا عبد الله بن
ميمون القداح: عن شهاب بن خراش عن عبد الملك بن عمير عن بن عباس، رضي الله تعالى
عنهما، قال أهدي إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، بغلة أهداها له كسرى فركبها بحبل
من شعر ثم أردفني خلفه ثم سار بي مليا ثم التفت فقال: يا غلام؟! قلت: لبيك يا رسول
الله! قال احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده أمامك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في
الشدة وإذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله قد مضى القلم بما هو كائن
فلو جهد الناس أن ينفعوك بما لم يقضه الله لك لم يقدروا عليه ولو جهد الناس أن
يضروك بما لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه فإن استطعت أن تعمل بالصبر مع اليقين
فافعل فإن لم تستطع فاصبر فإن في الصبر على ما تكرهه خيرا كثيرا واعلم أن مع الصبر
النصر واعلم أن مع الكرب الفرج واعلم أن مع العسر اليسر»، وقال الحاكم: (هذا حديث
كبير عال، من حديث عبد الملك بن عمير عن بن عباس، رضي الله تعالى عنهما. إلا أن
الشيخين، رضي الله تعالى عنهما، لم يخرجا شهاب بن خراش ولا القداح في الصحيحين وقد
روي الحديث بأسانيد عن بن عباس غير هذا)
هذا إسناد ضعيف ساقط: فيه
انقطاع بين عبد الملك بن عمير وابن عباس، وشهاب بن خراش بن حوشب، أبو الصلت صدوق
يخطيء، ولكن الآفة بحق هي: عبد الله بن ميمون بن داود القداح المخزومي، فهو منكر
الحديث، متروك، بل متهم، فإخراج الحاكم له في «المستدرك» عجيب، فلعله كان
إلهاماً!! كما أننا لم نسمع قط ببغلة أهداها كسرى للنبي، عليه وعلى آله الصلاة
والسلام، وإنما هو المقوقس، حاكم مصر.
v وفي تاريخ بغداد: أخبرنا أبو الطيب عبد العزيز بن على بن محمد القرشي
أخبرنا على بن عمر الحافظ حدثنا أبو محمد بن صاعد حدثنا محمد بن أبى الوليد الفحام
حدثنا أبو أيوب التمار يحى بن ميمون
وقال على (يعني: علي بن
عمر الحافظ الدارقطني): حدثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر بن بكر الخوارزمي حدثنا
محمد بن مرزوق حدثنا يحيى بن ميمون عن عطاء القرشي عن على بن زيد عن أبى نضرة عن
أبى سعيد قال قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يا غلام يا غليم (أو يا غليم يا
غلام) احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده امامك إذا سألت فاسال الله وإذا استعنت
فاستعن بالله (زاد بن صاعد تعرف الى الله في الرخاء يعرفك عند الشدة) فقد جف القلم
بما هو كائن الى يوم القيامة فلو جهد الخلق ان يضروك بغير ما كتب الله لك لم
يقدروا ولو جهدوا ان ينفعوك بغير ما كتب الله لك لم يقدروا واعلم ان مع العسر يسرا
(وقال بن صاعد فلو ان الناس اجتمعوا على بن يعطوك شيئا لم يعطك الله لم يقدروا
عليه ولو انهم اجتمعوا على ان يمنعوك شيئا قدره الله لك وكتبه لك ما استطاعوا)
اعبد الله بالصبر مع اليقين واعلم أن لكل شدة رخاء وان مع العسر يسرا وان مع العسر
يسرا»، وهذا كذلك إسناد ساقط:
ــ علي بن زيد بن عبد الله
بن جدعان التيمي، ضعيف!
ــ يحيى بن ميمون أبو أيوب
التمار، يحدث عن عطاء، منكر الحديث، متروك، كذبه غير واحد.
ــ وعطاء القرشي (إن كان
موجودا في العالم أصلاً، وليس من مخترعات التمار) هو إما:
عطاء بن دينار القرشي
مولاهم أبو طلحة، من السابعة، وهو ضعيف، كما قال الحافظ في التقريب؛ أو
عطاء بن عثمان القرشي الذي
يروى عن أنس بن مالك روى عنه عفيف بن سالم؛ قال أبو حاتم: مجهول؛ وذكره ابن حبان
في الثقات وقال: يروى المقاطيع. والحديث المشهور إتما هو لابن عباس، وليس لأبي
سعيد!!
u فصل: حديث الدعاء في الرخاء
v جاء في مسند أبي يعلى: حدثنا عمرو الناقد حدثنا هشيم حدثنا أبو بشر يعني
جعفر بن إياس بن أبي وحشية عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله، صلى
الله عليه وسلم: «من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد والكرب فليكثر
الدعاء في الرخاء».
قال الشيخ حسين أسد:
إسناده حسن. وهو كما قال، لأنه مسلسل بالثقات الأثبات ما عدا شهر بن حوشب، وهو
صدوق كثير الإرسال والأوهام، وقد صرح هشيم بالتحديث!
كما أخرجه أبو يعلى بإسناد
آخر، والترمذي وقال: (غريب)، وابن عدي، بنفس اللفظ من طريق: عبيد الله بن واقد
حدثنا سعيد بن عطية الليثي عن شهر بن حوشب، وهذه قرينة على أن شهرا حفظ الحديث لأن
سعيد بن عطية من الطبقة السادسة فمن المرجح أن بين سماعه وسماع أبي بشر جعفر بن
إياس ابن أبي وحشية اليشكري، وهو من الخامسة، عشرات السنين، والله أعلم.
قال ابن عدي: (عبيد بن
واقد القيسي بصري يكنى أبا عبادة، وعامة ما يرويه لا يتابع عليه!)، ولكن المتابعة
دليل على أن عبيد الله بن واقد، على ضعفه، قد حفظ هذا الحديث، فلا مكان لاستغراب
الترمذي.
ولم ينفرد به شهر بن حوشب:
v فقد أخرج الحاكم في المستدرك على الصحيحين: حدثنا عبد الله بن محمد
الخراساني ببغداد في القطيعة حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل حدثنا عبد الله بن
صالح حدثنا معاوية بن صالح عن أبي عامر الألهاني عن أبي هريرة، رضي الله تعالى
عنه، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يستجاب له عند الكرب
والشدائد فليكثر الدعاء في الرخاء»، وقال الحاكم: (حديث صحيح الإسناد احتج البخاري
بأبي صالح وأبو عامر الألهاني أظنه الهوزني وهو صدوق).
قلت: أبو صالح عبد الله بن
صالح بن محمد بن مسلم الجهني المصري، كاتب الليث، صدوق كثير الخطأ، فيه غفلة، لكنه
ثبت في كتابه، لم يخرج له البخاري إلا متابعة، معاوية بن صالح بن حدير، نزيل
الأندلس، صدوق له أوهام، وأبو عامر عبد الله بن غابر الألهاني الحمصي، ثقة من
أوساط التابعين، وليس هو ما ظنه الحاكم فذاك أبو عامر عبد الله بن لحي الهوزني
الحمصي، ثقة مخضرم من كبار التابعين، وكلاهما ثقة! فهذا الإسناد جيد بمفرده، بل هو
في الحسن مثل إسناد أبي يعلى، أو ربما أحسن، وهو مستقل عنه، وبمجموعهما يصح الحديث
قطعا!
v وهناك متابعة أخرى في تاريخ بغداد: أخبرنا علي بن أبي علي أخبرنا عبد
الله بن موسى بن إسحاق الهاشمي حدثنا الحسن بن محمد بن عنبر الوشاء حدثنا منصور بن
أبي مزاحم حدثنا روح بن مسافر عن أبان بن أبي عياش عن أبي صالح ذكوان عن أبي هريرة
قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «من سره ان يستجاب له في الشدائد
والكرب فليكثر من الدعاء في الرخاء»، ولكن هذه متابعة لا يفرح بها كثيراً: أبان بن
أبي عياش فيروز متروك الحديث، وروح بن مسافر ليس منه ببعيد في الضعف!
u فصل: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا
بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم»
v جاء في «مصنف ابن أبي
شيبة»،
(ج: 2 ص: 150): [حدثنا زيد بن حباب حدثنا جعفر بن إبراهيم من ولد ذي الجناحين قال
حدثني علي بن عمر عن أبيه عن علي بن حسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت ثم قبر
النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو فدعاه فقال ألا أحدثك بحديث سمعته من
أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تتخذوا قبري عيدا ولا
بيوتكم قبورا وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم»]، وأخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» من طريق ابن أبي شيبة
هذه، وأخرجه أبو يعلى من نفس الطريق، وهو إسناد جيد، رجاله ثقات كما قاله الهيثمي:
v في «مجمع الزوائد»، (ج: 4 ص: 2): [وعن علي
بن الحسين أنه رأى رجلا يجيء إلى فرجة كانت ثم قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم
فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال ألا أحدثكم حديثا سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم قال لا تتخذوا قبري عيدا ولا بيوتكم قبورا فان تسليمكم يبلغني
أينما كنت رواه أبو يعلي وفيه جعفر بن إبراهيم الجعفري ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر
فيه جرحا، وبقية رجاله ثقات].
ــ علي بن الحسين بن علي،
عليهم السلام، المشهور بلقبي زين العابدين والسجاد، إمام ثقة ثبت حجة.
ــ عمر بن علي بن الحسين
ثقة عابد فاضل من رجال مسلم وأخرج له البخاري في الأدب المفرد.
ــ علي بن عمر هو علي بن
عمر بن علي بن الحسين، قليل الحديث مستور،لا بأس به إن شاء الله تعالى، له حديث
واحد عند أبي داود.
ــ جعفر بن إبراهيم هو
جعفر بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن جعفر بن أبى طالب (ذي الجناحين)،
رضي الله تعالى عنهم. ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، وأبو حاتم في «الجرح والتعديل»، ولم يذكرا جرحاً، وقال
ابن حبان: (يعتبر بحديثه من غير روايته عن أبيه).
ــ زيد بن الحباب بن
الريان، ثقة مشهور من رجال مسلم، أخطأ في أحاديث عن الثوري، وهذا ليس منها.
فالإسناد بذلك جيد، والمتن
مستقيم نظيف، ولله الحمد.
u فصل: لم دفن النبي، صلى الله عليه وعلى
آله وسلم، في بيته؟!
v جاء في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أنبأ
قتيبة بن سعيد قال حدثنا حميد بن عبد الرحمن عن سلمة بن نبيط عن نعيم عن نبيط عن
سالم بن عبيد قال، وكان من أصحاب الصفة، قال أغمي على النبي،صلى الله عليه وسلم،
في مرضه فأفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟!»، قالوا: (نعم )، قال: «مروا بلال
فليؤذن ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم أغمي عليه فأفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟!»،
فقلن: (نعم)، فقال: «مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس!»، قالت عائشة: (إن أبي
رجل أسيف!)، فقال: «إنكن صواحبات يوسف: مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل
بالناس!»،
فأمرن بلالا أن يؤذن، وأمرن أبا بكر أن يصلي بالناس، فلما أقيمت الصلاة قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «أقيمت الصلاة؟!»، قلن: (نعم)، قال: «ادعوا لي إنسانا
أعتمد عليه»، فجاءت بريرة وآخر معها فاعتمد عليها، فجاء أبو بكر فصلى، فجلس إلى جنبه
فذهب أبو بكر يتأخر، فحبسه حتى فرغ من الصلاة. فلما توفي النبي، صلى الله عليه
وسلم، قال عمر: (لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا!)، فسكتوا، وكانوا قوما
أميين، لم يكن فيهم نبي قبله، قالوا: (يا سالم: اذهب إلى صاحب النبي، صلى الله
عليه وسلم، فادعه!)، قال: فخرجت فوجدت أبا بكر قائما في المسجد، قال أبو بكر: (مات
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)، قلت: إن عمر يقول: (لا يتكلم أحد بموته إلا
ضربته بسيفي هذا!)، فوضع يده على ساعدي، ثم أقبل يمشي،حتى دخل، قال فوسعوا له، حتى
أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأكب عليه حتى كاد أن يمس وجهه وجه النبي، صلى الله
عليه وسلم، حتى استبان له أنه قد مات فقال أبو بكر: (إنك ميت وإنهم ميتون)، قالوا:
(يا صاحب رسول الله، صلى الله عليه وسلم: أمات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)،
قال: (نعم)، قال فعلموا أنه كما قال قالواك (يا صاحب النبي صلى الله عليه وسلم: هل
يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم؟!)، قال: (نعم)، قالوا: (وكيف يصلى عليه؟!)،
قال: (يدخل قوم فيكبرون، ويدعون، ويجيء آخرون!)، قالوا: (يا صاحب النبي صلى الله
عليه وسلم: هل يدفن النبي صلى الله عليه وسلم؟!)، قال: (نعم)، قالوا: (وأين
يدفن؟!)، قال: (في المكان التي قبض الله فيها روحه فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان
طيبة)، قال فعلموا أنه كما قال، ثم قال أبو بكر: (عندكم صاحبكم!)، وخرج أبو بكر
واجتمع المهاجرون فجعلوا يتشاورون بينهم ثم قالوا: (انطلقو إلى إخواننا من
الأنصار، فإن لهم من هذا الحق نصيبا!)، فأتوا الأنصار فقال الأنصار: (منا أمير،
ومنكم أمير!)، فقال عمر: (سيفان في غمد واحد؟! إذا لا يصلحان!)، ثم أخذ بيد أبي
بكر فقال: (من له هذه الثلاث: إذ يقول لصاحبه من صاحبه؟! إذ هما في الغار من هما؟!
لا تحزن إن الله معنا مع من؟!)، ثم بايعه، ثم قال: (بايعوا!)، فبايع الناس أحسن
بيعة وأجملها]
هذا إسناد في
غاية الصحة، وهو متصل مجود، لذا قدمنا هذه الرواية:
ــ قتيبة بن سعيد بن جميل
بن طريف بن عبد الله، أبو رجاء الثقفي الباغلاني، ثقة ثبت مشهور، من شيوخ البخاري
ومسلم وقد أخرجا له مئات الأحاديث، وأخرج له الجماعة.
ــ حميد بن عبد الرحمن بن
حميد بن عبد الرحمن، أبو علي الرؤاسي الكوفي، من رجال الشيخين والجماعة
ــ سلمة بن نبيط بن شريط،
أبو فراس الأشجعي الكوفي، ثقة بإجماع الأئمة، وكان الإمام وكيع يفتخر بالتحديث عنه
ويقول: (حدثنا سلمة بن نبيط، وكان ثقة)، وكذلك افتخر به أبو نعيم الفضل بن دكين.
يروي عن أبيه نبيط بن شريط الأشجعي، رضي الله عنه، وهو صحابي مباشرة وبواسطة نعيم
بن أبي هند. قيل: اختلط بآخرة، ولم يثبت ذلك، ولا أنه حدث بعد الاختلاط، إن كان قد
اختلط.
ــ نعيم بن أبي هند
الأشجعي، هو نعيم بن النعمان بن أشيم الأشجعي الكوفي، لأبيه صحبة. ثقة من رجال
مسلم، وأخرج له البخاري في الشواهد، والجماعة.
ــ نبيط بن شريط، أبو سلمة
الأشجعي، من صغار الصحابة، رأي نبي الله، عليه وعلى آله صلوات وتسليمات وتبريكات
من الله، في حجة الوداع يخطب وهو على بعيره الأحمر، وسمع بعض خطبة الوداع، رضي
الله عنه.
ــ سالم بن عبيد الأشجعي
الكوفي، صحابي من أهل الصفة ثم نزل الكوفة، له بضعة أحاديث، رضي الله عنه.
v وجاء في «المعجم الكبير»: [حدثنا معاذ بن المثنى
حدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود حدثنا سلمة بن نبيط عن نعيم بن أبي هند عن نبيط
بن شريط عن سالم بن عبيد قال أغمى على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه فأفاق
فقال: «حضرت الصلاة؟!»، فقلت: (نعم)، فقال: «مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس!» فقالت عائشة، رضي الله
تعالى عنها: (إن أبي رجل أسيف، فلو أمرت غيره فليصل بالناس!)، ثم أغمى عليه، فأفاق
فقال: «هل حضرت الصلاة؟!»، قلت: (نعم)، قال: «مروا بلالا فليؤذن،
ومروا أبا بكر فليصل بالناس!» فقالت عائشة: (إن أبي رجل أسيف فلو أمرت غيره فيصلي
بالناس!)، ثم أغمى عليه، فأفاق فقال: «أقيمت الصلاة؟!»، قلت: (نعم)، قال: «ائتوني بإنسان
أعتمد عليه!»، فجاء بريدة وإنسان آخر فاعتمد عليهما، فأتى المسجد فدخل وأبو بكر، رضي الله
تعالى عنه، قائم يصلي بالناس، فذهب أبو بكر يتنحى، فمنعه رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، فأجلس إلى جنب أبي بكر، رضي الله تعالى عنه، حتى فرغ من صلاته. فقبض رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (لا أسمع رجلاً يقول مات
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ضربته بالسيف!)، فأخذ بذراعي، فاعتمد علي، وقام
يمشي حتى جئنا، قال: (أوسعوا!)، فأوسعوا له، فأكب عليه، ومسه، وقال: (إنك ميت
وإنهم ميتون)، قالوا: (يا صاحب رسول الله: مات رسول الله؟!)، قال: (نعم)، فعلموا
أنه كما قال، قالوا: (يا صاحب رسول الله: أنصلي على رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟!)، قال: (نعم)، قالوا: (كيف نصلي عليه؟!)، قال: (يدخل قوم فيكبرون، ويدعون،
ويصلون، ثم ينصرفون، ويجيء آخرون حتى يفرغوا!)، قالوا: (يا صاحب رسول الله: أيدفن
رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)، قال: (نعم)، قالوا: (وأين يدفن؟!)، قال: (حيث
قبض، فإن الله، تعالى، لم يقبضه إلا في بقعة طيبة!)، فعلموا أنه كما قال، ثم قام
فقال: (عندكم صاحبكم!) فأمرهم يغسلونه، ثم خرج، واجتمع المهاجرين يتشاورون فقالوا:
(انطلقوا إلى إخواننا من الأنصار فإن لهم في هذا الأمر نصيبا!)، فانطلقوا فقال رجل
من الأنصار: (منا أمير، ومنكم أمير!)، فأخذ عمر بيد أبي بكر رضي الله تعالى عنهما
فقال: (أخبروني من له هذه الثلاثة: ثاني اثنين إذ هما في الغار، من هما؟! إذ يقول
لصاحبه لا تحزن، من صاحبه؟!، إن الله معنا)، فأخذ بيد أبي بكر رضي الله تعالى عنه
فضرب عليها، وقال للناس: (بايعوه!)، فبايعوه بيعة حسنة جميلة]
وهذا إسناد في غاية الصحة
أيضاً:
ــ معاذ بن المثنى بن معاذ
بن معاذ بن نصر بن حسان، أبو المثنى العنبري، ثقة لا ترجمة حسنة في تاريخ بغداد.
ــ مسدد هو الإمام الشهير
أبو الحسن مسدد بن مسرهد الأسدي الكوفي، أخرج له البخاري وأبو داود مئات الأحاديث،
وفات الإمام مسلم فلم يخرج له، ولا أحمد أو ابن ماجه.
ــ عبد الله بن داود بن
عامر، أبو عبد الرحمن الخريبي الهمداني الكوفي، ثقة مقل عسر الحديث، فات مسلم أن
يخرج له، وأخرج له البخاري وبقية الجماعة.
ــ وبقية الرجال سبقت
دراستهم.
v وجاء في «مسند عبد بن
حميد»:
[حدثني محمد بن الفضل حدثنا عبد الله بن داود قال ذكر سلمة بن نبيط عن نعيم بن أبي
هند عن نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد قال مرض رسول الله، صلى الله عليه وسلم،
فأغمي عليه فأفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟!»، قلن: (نعم)، قال: «مروا بلالا فليؤذن،
ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم أغمي عليه، فأفاق فقال: «أحضرت الصلاة؟!»، قلن:
(نعم)، قال: «مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم أغمي عليه،
فقالت عائشة: (إن أبي رجل أسيف، (أو أسف)، فلو أمر غيره!)، قال: ثم أفاق فقال: «هل
أقيمت الصلاة؟!»، فقالوا: (لا!)، فقال: «مروا بلالا فليقم، ومروا أبا بكر فليصل
بالناس!»، فقالت عائشة: (إن أبي رجل أسيف، فلو أمرت غيره؟!)، فقال: «إنكن صواحب
يوسف: مروا بلالا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، فأقام بلال، وتقدم أبو
بكر. ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أفاق فقال: «أبغوا لي من أعتمد عليه»،
قال فخرج يعتمد على بربرة وإنسان آخر، حتى جلس إلى جنب أبي بكر، فأراد أن يتأخر (فمنعه) رسول الله،،صلى الله
عليه وسلم، فصلى أبو بكر بالناس. فلما قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قال
عمر: (لا أسمع أحدا يقول إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مات إلا ضربته
بسيفي!)، قال سالم بن عبيد: ثم أرسلوني فقالوا: (انطلق إلى صاحب رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، فادعه!)، قال فأتيت أبا بكر وهو في المسجد، وقد أدهشت، فقال لي
أبو بكر: (لعل رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مات؟!)، فقلت: (إن عمر يقول لا أسمع
أحدا يقول إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مات إلا ضربته بسيفي!)، قال فقام أبو
بكر، رضي الله تعالى عنه، فأخذ بساعدي، أنا وهو، فقال: (أوسعو لي!)، فأوسعوا له
فانكب على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ومسه ووضع يديه أو يده، وقال: (إنك ميت
وإنهم ميتون)، فقالوا: (يا صاحب رسول الله: أمات رسول الله، صلى الله عليه
وسلم؟!)، فقال: (نعم)، فعلموا أنه كما قال، وكانوا أميين، لم يكن فيهم نبي قبله،
فقالوا: (يا صاحب رسول الله: أنصلي عليه، [كيف نصلى عليه؟!)، قال:
(يدخل قوم فيكبرون]، ويدعون، [ويصلون] ثم يخرجون، ثم يدخل غيرهم حتى يفرغوا!)، قالوا: (يا صاحب
رسول الله: أيدفن؟!)، قال: (نعم)، قالوا: ( أين يدفن؟!)، قال: (في المكان الذي قبض
فيه روحه، فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيب!)، فعلموا أنه كما قال. قال: ثم خرج،
فأمرهم أن يغسله بنو أبيه، قال ثم خرج واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا: (إن
للأنصار في هذا الأمر نصيبا!)، قال فأتوهم فقال قاتل منهم: (منا أمير، ومنكم أمير
للمهاجرين!)، فقام عمر فقال لهم: (من له ثلاث مثل ما لأبي بكر: ثاني اثنين إذ هما
في الغار من هما؟! إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا من هما؟! من كان، الله عز
وجل، معهما؟!)، قال ثم أخذ بيد أبي بكر فبايعه وبايع الناس، وكانت بيعة حسنة
جميلة]، وكان في الأصل: (فحيه)، وهو تصحيف بلا شك، فأصلحناها: (فمنعه)، كما هي في رواية
الطبراني في «المعجم الكبير»، ويصلح أن يقال أيضاً: (فحبسه) كما هو في رواية النسائي
في «السنن الكبرى»، والمعنى واحد، وسقط سطر من النسخة الأصلية هو الذي بين المعكوفتين: [كيف نصلى
عليه؟!)، قال: (يدخل قوم فيكبرون]، وأضفنا لفظة [ويصلون] بعد لفظة (ويدعون)، كما هي في
رواية الطبراني في «المعجم الكبير».
هذا إسناد في غاية الصحة،
وهو متصل مجود أيضاً:
ــ محمد بن الفضل، هو أبو
النعمان محمد بن الفضل السدوسي البصري، الملقب بـ«عارم»، شيخ كل من البخاري وعبد
بن حميد، ثقة ثبت، من رجال الشيخين والجماعة.
ــ وبقية الرجال سبقت
دراستهم.
v وهو في «الآحاد والمثاني»: [قال أبو عمرو نصر بن
علي الحداني أخبرنا عبد الله بن داود قال سلمة بن نبيط أخبرنا عن نعيم بن أبي هند
عن نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد، رضي الله تعالى عنه، قال: أغمي على رسول الله،
صلى الله عليه وسلم، في مرضه فأفاق فقال: «حضرت الصلاة؟!»، قالوا: (نعم)، فقال: «مروا بلالا
فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل للناس، (أو بالناس)»، ثم أغمى عليه فأفاق فقال: «حضرت الصلاة؟!»، قالوا: (نعم)، فقال: «مروا بلالا
فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، ثم أغمي عليه فأفاق قال: «حضرت الصلاة؟!»، قالوا: (نعم)، قال: «مروا بلالا
فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت عائشة، رضي الله تعالى عنها: (إن أبي رجل
أسيف، إذا قام ذلك المقام يبكي، فلا يستطيع، فلو أمرت غيره!)، قال: ثم أغمي عليه
فأفاق فأمر بلالا فأذن وأمر أبا بكر رضي الله تعالى عنه فصلى بالناس، ثم إن رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، وجد خفة فقال انظروا لي من أتكىء عليه فجاءت بريرة ورجل
آخر فاتكأ عليهما فلما رآه أبو بكر رضي الله تعالى عنه هم ذهب لينكص، فأومى إلي أن
أثبت مكانك، حتى قضى أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، صلاته ثم إن رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، قبض، فقال عمر رضي الله تعالى عنه: (والله لا أسمع أحدا يذكر أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض إلا ضربته بسيفي هذا!)، قال: وكان الناس أميين
لم يكن فيهم نبي قبله، قال فأمسك الناس، وقالوا: (يا سالم انطلق إلى صاحب رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، فادعه!)، فأتيت أبا بكر رضي الله تعالى عنه وهو في
المسجد فأتيته أبكي دهشا فلما رآني قال: (قبض رسول الله، صلى الله عليه وسلم؟!)،
فقلت: (إن عمر يقول: (لا أسمع أحدا يذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض إلا
ضربته بسيفي هذا!))، فقال: (انطلق)، فانطلقت معه، وجاء والناس قد أكبوا على رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا أيها الناس: أفرجوا لي!)، قال: فأفرجوا له،
فجاء حتى أكب عليه، ثم لمسه، ثم قال: (إنك ميت وإنهم ميتون)، فقالوا: (يا صاحب
رسول الله: أقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)، قال: (نعم)، فعلموا أن قد صدق،
فقالوا: (يا صاحب رسول الله: نصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)، قال:
(نعم)، قالوا: (كيف؟!)، قال: (يدخل قوم فيكبرون ويدعون ثم يخرجون حتى يدخل الناس)،
قالوا: (يا صاحب رسول الله: أيدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!)، قال: (نعم)،
قالوا: (أين؟!)، قال: (في المكان الذي قبض الله عز وجل فيه روحه فإن الله تبارك
وتعالى لم يقبض روحه إلا في مكان طيب)، فعلموا أن قد صدق، ثم أمرهم أن يغسله بنو
أبيه، واجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا: (انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار
ندخلهم معنا في هذا الأمر!)، فقالت الأنصار: (منا أمير ومنكم أمير؟!)، فقال عمر
رضي الله تعالى عنه: (من له مثل هذا: إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن
الله معنا من هما؟!)، ثم بسط يده فبايعه، وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة]، قال بن
أبي عاصم: (وأحسبني قد سمعته من نصر بن علي ما لا أحصيه).
v وأخرج الإمام
ابن ماجه صدره فقال: [حدثنا نصر بن علي الجهضمي أنبأنا عبد الله بن داود من كتابه
في بيته قال سلمة بن نبيط أنبأنا عن نعيم بن أبي هند عن نبيط بن شريط عن سالم بن
عبيد به إلى قوله: ثم إن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قبض]، وقال أبو عبد الله
ابن ماجه: (هذا حديث غريب لم يحدث به غير نصر بن علي).
قلت: رحم الله الإمام ابن
ماجه، بل حدث به كل من عارم ومسدد عن عبد الله بن داود الخريبي فتابعوا بذلك نصر
بن علي الجهضمي، وحدث به غير واحد عن سلمة بن نبيط، متابعين للخريبي، فليس في
الحديث أي غرابة. وعلى كل حال فإن الإمام نصر بن علي ثقة ثبت حجة، لا يحتاج إلى
متابعة!
v وجاء بعضه في «سنن البيهقي
الكبرى»
من طريق ثالثة إلي سلمة بن نبيط: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي
عمرو قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد الجبار العطاردي
حدثنا يونس بن بكير عن سلمة بن نبيط عن أبيه نبيط بن شريط الأشجعي عن سالم بن
عبيد، وكان من أصحاب الصفة، قال: دخل أبو بكر، رضي الله تعالى عنه، على رسول الله،
صلى الله عليه وسلم، حين مات، ثم خرج، فقيل له: (توفي رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟!)، فقال: (نعم)، فعلموا أنه كما قال قيل: (ويصلى عليه، وكيف يصلى عليه؟!)،
قال: (يجيئون عصبا عصبا فيصلون)، فعلموا أنه كما قال، فقالوا: (هل يدفن، وأين؟!)،
فقال: (حيث قبض الله روحه فإنه لم يقبض الله روحه إلا في مكان طيب!)، فعلموا أنه
كما قال]
v وجاء بعضه في «سنن البيهقي
الكبرى»
من طريق رابعة إلي سلمة بن نبيط: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو أحمد حمزة
بن العباس بن الفضل بن الحارث العقبي حدثنا عبد الله بن روح المدايني حدثنا سوادة
بن سلمة بن نبيط عن أبيه سلمة بن نبيط عن نبيط بن شريط عن سالم بن عبيد الأشجعي
قال لما مات رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان من أجزع الناس كلهم عليه عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه فذكر الحديث إلى أن قال فقالوا يعني لأبي بكر رضي الله
تعالى عنه يا صاحب رسول الله أمات رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نعم مات رسول
الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم من يغسله
قال رجال أهل بيته الأدنى فالأدنى قالوا يا صاحب رسول الله فأين تدفنه قال ادفنوه
في البقعة التي قبضه الله فيها لم يقبضه إلا في أحب البقاع إليه]
u فصل: وضع الوجه على القبر الشريف
v جاء في «المستدرك على
الصحيحين»: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا العباس بن محمد بن حاتم الدوري حدثنا
أبو عامر عبد الملك بن عمر العقدي حدثنا كثير بن زيد عن داود بن أبي صالح قال:
[أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر، فأخذ برقبته، وقال: (أتدري ما
تصنع؟!)، قال: (نعم)، فأقبل عليه، فإذا هو أبو أيوب الأنصاري، رضي الله تعالى عنه،
فقال: (جئت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ولم آت الحجر، سمعت رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، يقول: «لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا عليه إذا وليه
غير أهله»). وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي في
التلخيص: صحيح.
قلت: هو صحيح كما قالا،
لأن داود بن أبي صالح قد ذكره ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»: (داود بن أبي صالح روى
عن أبي أيوب روى عنه كثير بن زيد سمعت أبي يقول ذلك)، ولم يتكلم فيه بشئ كعادته مع
أكثر المقلين من الثقات، وجاء في تقريب التهذيب: (داود بن أبي صالح حجازي مقبول من
الثالث)، وهذا يعني في اصطلاح الحافظ أن حديثه صحيح إذا توبع، وقد توبع هنا كما
سيأتي أدناه، ولكن الحق أنه على كل حال تابعي على العدالة الأصلية، وثناء النبي،
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على الصحابة والتابعين بالعدالة وحسن الرواية.
وداود بن أبي صالح هذا هو
قطعاً غير داود بن أبي صالح الليثي المديني الذي يروي عن نافع، وعنه: أبو عبد الله
الشقري فهذا منكر الحديث متروك متهم، وهو متأخر جداً، من السابعة. وليس هو داود بن
أبي صالح،مولى أبي قتادة الأنصاري، التمار المدني الذي ترجم له البخاري في «
التاريخ الكبير» وقال عنه: (سمع سالم بن عبد الله وأباه وأمه سمع منه هشام بن عروة
وعبد العزيز بن محمد والوليد بن كثير قال محمد بن عبد الله بن عبيد سمع جده عبيدا
حدثنا مصعب بن ثابت حدثنا داود بن أبي صالح التمار مولى أبي قتادة سمع أبا أمامة
نسبه بن جريج)، ولكن يحتمل أنه هو: فإن كان هو هو فبها ونعمت لأن هذا ثقة لعله من
الطبقة الرابعة وهو مدني لا يبعد أن يكون أدرك في شبابه أبا أيوب الأنصاري قبيل
وفات أبي أيوب، وشاهد القصة ثم طلب العلم متأخراً فكان أكثر شيوخه الذين ذكرهم
البخاري كأنهم أقرانه في السن، وهذا ليس بالأمر النادر، بل لعل هذا هو الصحيح
فالتبس الأمر على الحافظ فميز بين الإثنين، لاختلاف طبقة الشيوخ، وهما في الحقيقة
رجل واحد.
v والحديث كذلك
في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: حدثنا عبد الملك بن عمرو حدثنا كثير بن زيد عن داود بن
أبي صالح به؛ كما أخرجه ابن عساكر من طريق عبد الله بن أحمد بن حنبل فقال: أخبرنا
أبو القاسم بن الحصين أخبرنا أبو علي بن المذهب أخبرنا أحمد بن جعفر أخبرنا عبد
الله بن أحمد به؛ كما أخرجه ابن عساكر من طريق أخرى: أخبرنا أبو سهل بن سعدويه
أخبرنا عبد الرحمن بن أحمد بن الحسن أخبرنا جعفر بن عبد الله أخبرنا محمد بن هارون
أخبرنا محمد بن بشار حدثنا أبو عامر أخبرنا كثير بن زيد به.
v كما أخرج ابن
عساكر طريقاً ثالثة مهمة فيها المتابعة المشار إليها أعلاه وهي: أخبرنا أبو غالب
وابو عبد الله ابنا أبي علي قالا أخبرنا أبو الحسين بن الآبنوسي أخبرنا أحمد بن
عبيد بن الفضل أخبرنا محمد بن الحسين بن محمد أخبرنا ابن أبي خيثمة أخبرنا إبراهيم
ابن حمزة أخبرنا سفيان بن حمزة عن كثير يعني ابن زيد عن المطلب يعني ابن عبد
الله بن حنطب قال جاء أبو ايوب الأنصاري يريد أن يسلم على رسول الله، فجاء مروان وهو كذلك
فأخذ برقبته فقال هل تدري ما تصنع فقال: (قد دريت: إني لم آت الحجر ولا
الخدر،
ولكني جئت رسول الله! سمعت رسول الله، يقول: «لا تبكوا على الدين ما
وليه أهله ولكن ابكوا على الديني إذا وليه غير أهله»). فظهر من ذلك أن المطلب بن عبد
الله بن المطلب بن حنطب تابع داود بن أبي صالح على روايته، والمطلب ثقة ولكن عابوا
عليه كثرة الإرسال، فصح الحديث على كل الاحتمالات فيما يتعلق بداود بن أبي صالح،
ولله الحمد والمنة، وهو الذي تتم بنعمته الصالحات.
u فصل: زيارة فاطمة، رضوان الله وسلامه
عليها، لقبر عمها حمزة:
v جاء في
المستدرك على الصحيحين: حدثنا أبو حميد أحمد بن محمد بن حامد العدل بالطابران
حدثنا تميم بن محمد حدثنا أبو مصعب الزهري حدثني محمد بن إسماعيل بن أبي فديك
أخبرني سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه:
[أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة فتصلي
وتبكي عنده]، وقال الحاكم: هذا الحديث رواته عن آخرهم ثقات. (في الأصل: سليمان بن
داود عن جعفر؛ سقط منه عن أبيه)
v كما جاء في
المستدرك على الصحيحين أيضا من طريق ثانية: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله
الصفار حدثنا أبو بكر بن أبي الدنيا القرشي حدثني علي بن شعيب حدثنا بن أبي فديك
أخبرني سليمان بن داود عن أبيه عن جعفر بن محمد عن أبيه أن أباه علي بن الحسين
حدثه عن أبيه: [أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم كانت تزور قبر عمها حمزة بن
عبد المطلب في الأيام فتصلي وتبكي عنده] وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم
يخرجاه. ولكن قال الذهبي في التلخيص: سليمان بن داود مدني تكلم فيه.
قلت: نعم، ولكنه كلام غير
مفسر لا يضر:
ــ ففي الجرح والتعديل:
سليمان بن داود بن قيس الفراء روى عن عبد الله بن يزيد بن هرمز ويحيى بن سعيد روى
عنه بن وهب ومحمد بن إسحاق المسيبى سمعت أبي يقول ذلك وسئل عنه فقال: (شيخ لا أفهمه
كما ينبغي)، قال أبو محمد: وروى عن موسى بن عقبة وأبيه داود بن قيس وعبيد الله بن عمر
وعطاف بن خالد روى عنه إسماعيل بن أبى أويس
قلت: قول أبي حاتم: (شيخ لا أفهمه
كما ينبغي)، إقرار بعدم معرفة حاله على وجهها، فهو توقف عن الحكم، وليس جرحاً، ولعل ذلك
لقلة حديثه جداً!
ــ وفي لسان الميزان، قال:
(الأزدي تكلم فيه). قلت الأزدي متعنت، ولم يفسر جرحه هذا!
ــ وفي التاريخ الكبير:
قال محمد بن إسحاق المسيبي عن سليمان بن داود بن قيس عن أبيه عن يحيى بن سعيد عن
أنس بن مالك رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، يصلي على حمار والقبلة خلفه وهو إلى
خيبر وقال الحسن بن صباح أخبرنا إسماعيل بن عمر عن داود هو بن عجلان عن يحيى بن
سعيد عن أنس رأى النبي، صلى الله عليه وسلم، نحوه وروى أبو كريب أخبرنا إسحاق بن
سليمان عن داود بن قيس عن يحيى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وقال مالك وعبد
الوارث عن يحيى رأى أنسا وهو أصح.
قلت: رواية سليمان بن داود
بن قيس لهذا الحديث (صلاة النبي على الدابة لغير القبلة) لم ينفرد به، بل قد توبع،
تابعه إسحاق بن سليمان، ولم ينفرد بها أبوه داود بن قيس، وهو ثقة، بل تابعه داود
بن عجلان مع ضعفه. والأولى أن يقال: كلاهما صحيح، فالظاهر أن يحيى بن سعيد
الأنصاري رأى أنسا يصلي هكذا ثم حدثه أنس بما رأى من فعل النبي، صلوات الله وسلامه
وتبريكاته عليه وعلى آله، فروى يحيى تارة هذا وتارة هذا، والله أعلم. وصلاة النبي
على الدابة مشهور منقول في أكثر كتب السنن.
هذا كل ما وجدناه من «الكلام» عن سليمان بن داود بن
قيس، وهو كما ترى لا يضر كثيراً، كما وجدناه قد وثقه ابن حبان، والحاكم، وروى عنه
الثقات: شيخ مسلم محمد بن إسحاق المسيبي المخزومي، محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي
فديك، وهو من رجال البخاري ومسلم، وكذلك ابن وهب وإسماعيل بن أبي أويس (وفق ما
ذكره ابن أبي حاتم). فظهر بذلك أنه إلى الوثاقة أقرب وأنه صدوق، صحيح الحديث،
قليله جداً، والله أعلم وأحكم.
u فصل: حديث سلمة بن الأزرق في اتباع الجائز
v كما جاد في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: حدثنا سليمان بن داود أخبرنا إسماعيل أخبرني محمد بن عمرو بن حلحلة عن محمد
بن عمرو بن عطاء بن علقمة انه كان جالسا مع بن عمر بالسوق ومعه سلمة بن الأزرق إلى
جنبه فمر بجنازة يتبعها بكاء فقال عبد الله بن عمر: (لو ترك أهل هذا الميت البكاء
لكان خيرا لميتهم)، فقال سلمة بن الأزرق: (تقول ذلك يا أبا عبد الرحمن؟!)، قال:
(نعم أقوله!)، قال: (أنى سمعت أبا هريرة، ومات ميت من أهل مروان فاجتمع النساء
يبكين عليه، فقال مروان: (قم يا عبد الملك فإنهن ان يبكين)، فقال أبو هريرة: (دعهن
فإنه مات ميت من آل النبي، صلى الله عليه وسلم، فاجتمع النساء يبكين عليه فقام عمر
بن الخطاب ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعهن يا بن
الخطاب فإن العين دامعة والفؤاد مصاب وان العهد حديث»)، فقال بن عمر: (أنت سمعت هذا من
أبي هريرة؟!)، قال: (نعم!)، قال: (يأثره عن النبي صلى الله عليه وسلم؟!)، قال:
(نعم!)، قال: (فالله ورسوله أعلم).
v وفي «المجتبى
من السنن» متابعة مختصرة: أخبرنا علي بن حجر قال حدثنا إسماعيل هو بن جعفر عن محمد
بن عمرو بن حلحلة عن محمد بن عمرو بن عطاء أن سلمة بن الأزرق قال سمعت أبا هريرة
قاله. ولكن قال الألباني: (ضعيف!)
v وهو في «مسند
الإمام أحمد بن حنبل» من طريق ثانية: حدثنا عبد الرزاق أخبرنا بن جريج أخبرني هشام
بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو انه أخبره ان سلمة بن الأزرق كان جالسا
مع عبد الله بن عمر بالسوق فمر بجنازة يبكى عليها فعاب ذلك عبد الله بن عمر
فانتهرهن فقال له سلمة بن الأزرق: (لا تقل ذلك، فأشهد على أبي هريرة لسمعته يقول،
وتوفيت امرأة من كنائن مروان، وشهدها، وأمر مروان بالنساء التي يبكين فجعل يطردن،
فقال أبو هريرة: دعهن يا أبا عبد الملك فإنه مر على النبي صلى الله عليه وسلم
بجنازة يبكى عليها وأنا معه ومعه عمر بن الخطاب فانتهر عمر اللاتي يبكين مع
الجنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعهن يا بن الخطاب: فإن
النفس مصابة، وإن العين دامعة، وإن العهد حديث»)، قال: (أنت سمعته؟!)، قال: (نعم)
قال: (فالله ورسوله أعلم.)
v وفي «مسند
الإمام أحمد بن حنبل»: حدثنا عفان قال حدثنا وهيب قال حدثنا هشام بن عروة عن وهب
بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء به بطوله.
v وفي «سنن
البيهقي الكبرى»: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن يحيى بن عبد الجبار السكري ببغداد
أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار حدثنا أحمد بن منصور الرمادي حدثنا عبد الرزاق أنبأ
معمر عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان أن محمد بن عمرو أخبره به بطوله.
v وفي «صحيح ابن
حبان» متابعة: أخبرنا عبد الله بن محمد الأزدي قال حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال
أخبرنا عبد الرزاق قال أخبرنا معمر عن هشام بن عروة قال أخبرني وهب بن كيسان أن
محمد بن عمرو أخبره بنحوه، ولكن قال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف.
v وفي «سنن ابن
ماجه»: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن
وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة عن النبي،
صلى الله عليه وسلم، بنحوه مختصراً.
v ولكن جاء في
«المستدرك على الصحيحين»: حدثنا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الفقيه الإسماعيلي حدثنا
أبو جعفر محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني حدثنا عبدة بن
سليمان عن هشام بن عروة عن وهب بن كيسان عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبي هريرة قال
خرج النبي، صلى الله عليه وسلم، على جنازة ومعه عمر بن الخطاب فسمع نساء يبكين
فزبرهن عمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عمر دعهن فإن العين دامعة والنفس
مصابة والعهد قريب. وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه).
قلت: هذا هكذا منقطع سقط منه سلمة بن الأزرق بين محمد بن عمرو بن عطاء بن علقمة
وبين أبي هريرة، ولو لم يكن كذلك لكان على شرط الشيخين. ولكن الحق أنه على شرط
الشيخين، تقوم به الحجة، كما سنبين بعد قليل.
فما السبب الذي دعى
الألباني والأرناؤوط إلي تضعيف الحديث؟! هذا والله علم لأنهما اغترا بقول الحافظ
في «التقريب» عن سلمة بن الزرق: (سلمة بن الأزرق حجازي مقبول من الثالثة)، ولم يزد
علي ذلك حرفاً، وهذا يعني في اصطلاح الحافظ أنه ضعيف إلا إذا توبع، فـ«المقبول» عند الحافظ في الحقيقة
ليس بـ«مقبول». ولما كان المتن مخافاً لهواهما، ولما يقلدانه في شأن اتباع الجاذز والبكاء
على الميت، لم يجهدا أنفسهما بمزيد من البحث والتدقيق.
ولكن من الروايات أعلاه
يتضح أن عبد الله بن عمر بن الخطاب، رضي الله عنهما، راجع سلمة بن الأزرق، وتأكد
من أنه سمعه هكذا من أبي هريرة، رضي الله عنه، وأنه ليس من كلام أبي هريرة، وإنما
هو مرفوع، ثم قبل الرواية، واستسلم لها فقال: (فالله ورسوله أعلم)، عدة مرات. وهذا
توثيق قاطع، وتزكية قوية لسلمة بن الأزرق من عبد الله بن عمر، وبينهما معرفة
ومجالسة، فكيف يقول الحافظ: (مقبول)، فحسب، إلا أن يكون يعني بها أحياناً لا بأس
به، أو نحو ذلك، كما وقع له في عدة مواضع، لا سيما وأنه عاد فوثق سلمة بن الأزرق
كما هو:
v في «فتح الباري
شرح صحيح البخاري» عند الكلام عن اتباع الجنائز للنساء: [ومال مالك إلى الجواز وهو
قول أهل المدينة ويدل على الجواز ما رواه بن أبي شيبة من طريق محمد بن عمرو بن
عطاء عن أبي هريرة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كان في جنازة فرأى عمر امرأة
فصاح بها فقال دعها يا عمر الحديث وأخرجه بن ماجة والنسائي من هذا الوجه ومن طريق
أخرى عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سلمة بن الأزرق عن أبي هريرة، ورجاله ثقات]. وهذا هو الحق الذي لا
يجوز أن تكون فيه شبهة.
إلا أن الأرجح أن سلمة بن
الأزرق، رضي الله عنه، صحابي، وإن لم يكن بالمشهور، وهو أخو عمار بن ياسر من أمه،
ووالد سعيد بن سلمة بن الأزرق المخزومي، رواي الحديث في ماء البحر: «هو الطهور ماؤه،
الحل ميتته»، كما جاء مفصلاً في «الطبقات الكبرى» خلال ترجمة أبي اليقظان عمار بن
ياسر، رضي الله عنه وعن والديه، حيث قال الإمام محمد بن سعد: [وكان لياسر بن آخر
أكبر من عمار وعبد الله يقال له حريث قتله بنو الديل في الجاهلية وخلف على سمية
بعد ياسر الأزرق وكان روميا غلاما للحارث بن كلدة الثقفي وهو ممن خرج يوم الطائف
إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مع عبيد أهل الطائف وفيهم أبو بكرة فأعتقهم رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، فولدت سمية للأزرق سلمة بن الأزرق فهو أخو عمار لأمه.
ثم ادعى ولد سلمة وعمرو وعقبة بني الأزرق أن الأزرق بن عمرو بن الحارث بن أبي شمر
من غسان وأنه حليف لبني أمية وشرفوا بمكة وتزوج الأزرق وولده في بني أمية وكان له
منهم أولاد. وكان بنو الأزرق في أول أمرهم يدعون أنهم من بني تغلب ثم من بني عكب
ويصحح هذا أن جبير بن مطعم تزوج إليهم امرأة وهي بنت الأزرق فولدت له بنية تزوجها
سعيد بن العاص فولدت له عبد الله بن سعيد فمدح الأخطل عبد الله بن سعيد بكلمة
طويلة فقال فيها:
ويجمع نوفلا وبني عكب كلا
الحيين أفلح من أصابا
ثم أفسدتهم خزاعة ودعوهم إلى اليمن وزينوا لهم ذلك وقالوا
أنتم لا يغسل عنكم ذكر الروم إلا أن تدعوا أنكم من غسان فأنتم إلى غسان بعد]
v كما نقل الإمام
المزي هذا الكلان بأحرفه في «تهذيب الكمال» ثم عقب فقال: [وقال يعقوب بن
شيبة نحو ذلك]
ويظهر أن ذلك هو ما قاله
ابن قتيبة أيضاً، كما سيأتي، في استنكار الحافظ لهذه القصة، حيث نسبها إليه:
v كما هو في «الإصابة في
تمييز الصحابة» خلال ترجمة سمية بنت خباط، رضي الله عنها: [سمية بنت خُبَّاط (بمعجمة مضمومة
وموحدة ثقيلة) ويقال بمثناة تحتانية وعند الفاكهي سمية بنت خَبْط بفتح أوله بغير
ألف مولاة أبي حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم والدة عمار بن ياسر
كانت سابعة سبعة في الإسلام عذبها أبو جهل وطعنها في قبلها فماتت فكانت أول شهيدة
في الإسلام وكان ياسر حليفا لأبي حذيفة فزوجه سمية فولدت عمارا فأعتقه وكان ياسر
وزوجته وولده منها ممن سبق إلى الإسلام قال بن إسحاق في المغازي حدثني رجال من آل
عمار بن ياسر أن سمية أم عمار عذبها آل بني المغيرة على الإسلام وهي تأبى غيره حتى
قتلوها وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يمر بعمار وأمه وأبيه وهم يعذبون
بالأبطح في رمضاء مكة فيقول صبرا يا آل ياسر موعدكم الجنة وقال مجاهد أول من أظهر
الإسلام بمكة سبعة رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وبلال وخباب وصهيب
وعمار وسمية فأما رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر فمنعهما قومهما وأما
الآخرون فألبسوا أدراع الحديد ثم صهروا في الشمس وجاء أبو جهل الى سمية فطعنها
بحربة فقتلها أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن مجاهد وهو مرسل صحيح
السند
وقال أبو عمر قال بن قتيبة
خلف على سمية بعد ياسر الأزرق غلام الحارث بن كلدة وكان روميا فولدت له سلمة فهو
أخو عمار لأمه كذا قال وهو وهم فاحش فإن الأزرق إنما خلف على سمية والدة زياد
فسلمة بن الأزرق أخو زياد لأمه فاشتبه على بن قتيبة
وأخرج بن سعد بسند صحيح عن
مجاهد قال أول شهيد في الإسلام سمية والدة عمار بن ياسر وكانت عجوزا كبيرة ضعيفة
ولما قتل أبو جهل يوم بدر قال النبي، صلى الله عليه وسلم،لعمار: «قتل الله قاتل
أمك»].
هكذا قال الحافظ، فنسب ذلك القول إلى بن قتيبة، وصنفه وهماً فاحشاً.
قلت: القول بأن سلمة بن
الأزرق هو أخو عمار لأمه كالمجمع عليه عند المتقدمين، وحتى الحافظ عند كلامه عن
سمية، مولاة الحارث بن كلدة لم يذكر شيئاً من ذلك مطلقاً، فكأنه ناقض نفسه، كما هو
في:
v «الإصابة في
تمييز الصحابة»: [سمية مولاة الحارث بن كلدة وكان يطؤها بملك اليمين فولدت له نافعا ثم
نفيعا فانتفى منه لكونه رآه أسود ثم وهبها لزوجته صفية بنت أبي عبيد بن أسيد بن
أبي علاج الثقفية فزوجتها عبدا لها روميا يقال له عبيد فولدت له زيادا فأعتقته
صفية ذكر ذلك البلاذري عن عوانة ان الكواء اليشكري سبى سمية من الروم ثم وهبها
للحارث بن كلدة فذكره فلها إدراك ولم يرد ما يدل على أنها رأت النبي، صلى الله
عليه وسلم، في حالة إسلامها لكن يمكن أن تدخل في عموم قولهم إنه لم يبق في حجة
الوداع أحد من قريش وثقيف إلا أسلم وشهدها]. فأنت ترى أن ليس هناك ذكر للأزرق
مطلقاً.
والظاهر أن الحافظ استشكل
لفظة: (خلف على سمية بعد ياسر الأزرق ...إلخ)، وهي توهم أن ذلك بعد وفاة ياسر، رضي
الله عنه. وهذا طبعاً مستحيل لوفاتها شهيدة قبله، ولكبر سنها آنذاك، حيث كانت في
أواخر الستينات من عمرها، بلا شك.
والذي يظهر لي أنه ربما
طلق ياسر سمية فتزوجها الأزرق هذا قبل الإسلام فأنجبت منه سلمة هذا على كبر، أي
وهي قريبة من الخمسين، ثم فارقها الأزرق فعادت إلى ياسر، ثم جاء الإسلام بعد ذلك،
وظهر أمر آل ياسر. ويقوي هذا أن سلمة بن الأرق وأولاده ينتسبون إلى مخزوم، مما يدل
على أن الازرق كان له ولاء أو حلف مع مخزوم، ومن ثم فلا عجب أن يتزوج سمية، والدة
عمار، وهي كذلك مخزومية الولاء والحلف.
فيكون عمار على هذا، وهو
من أوائل ولدها، أكبر من سلمة هذا بنحو ثلاثين عاماً أو أكثر من ذلك بقليل. وكان
عمار عند مجئ الإسلام من سن النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، واستشهد في صفين
في أوائل 38 هـ وهو ابن بضع وتسعين سنة، ويكون سلمة في الأرجح آنذاك ابن بضع
وستين. فإن كان عُمِّر كأخيه فلا يبعد أن يكون قد بقي بعد وفاة أبي هريرة عندما
حصلت هذه القصة، وهو في أواخر الثمانينات في سن عالية.
فإذا صح هذا، وهو ما تنسجم
به جميع الوقائع، فيكون سلمة صغيراً عند مجئ الإسلام، ولا يبعد أن يكون مع أبيه في
الطائف، ولم يسلم إلا متأخراً جداً مع أهل الطائف، والظاهر أنه كان على النقيض من
عمار، رضي الله عنه، فمال إلى العزلة والخمول، ولم تكن له شهرة أو مشاركة في
الحياة العامة. والله أعلم وأحكم.
u فصل: حديث «اعقلها وتوكل!»
v جاء في صحيح ابن
حبان: أخبرنا الحسين بن عبد الله القطان قال حدثنا هشام بن عمار قال حدثنا حاتم بن
إسماعيل قال حدثنا يعقوب بن عبد الله عن جعفر بن عمرو بن أمية عن أبيه قال: قال
رجل للنبي، صلى الله عليه وسلم: (أرسل ناقتي وأتوكل؟!)، قال: «اعقلها وتوكل». قال
أبو حاتم، رضي الله تعالى عنه، يعقوب هذا هو يعقوب بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن
أمية الضمري من أهل الحجازمشهور مأمون، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: حديث حسن.
v وأخرجه أحمد بن
عمرو بن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني»، فقال: حدثنا هشام بن عمار، إلى منتهاه
بمثله.
v كما أخرجه ابن
أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» من طريق ثانية فقال: حدثنا إبراهيم بن المنذر
الحزامي: أخبرنا عبد الله بن موسى: حدثني يعقوب بن عبد الله، به.
ــ يعقوب بن عبد الله، هو
يعقوب بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري: لا بأس به، أخرج له النسائي
حديثا واحدا، وترجم له البخاري في التاريخ الكبير، وكذلك ابن أبو حاتم، ولم يذكرا
فيه جرحا ولا تعديلا، وذكره بن حبان في الثقات، وقال بعد ذكر الحديث: مشهور مأمون،
ولخص الحافظ حاله في التقريب فقصر شيئا ما إذ قال: (مقبول، من السابعة)، فحديثه لا
ينزل عن مرتبة الحسن.
و بقية رجال الإسناد ثقات
مشاهير من رجال البخاري، فالإسناد حسن قطعاً، ولكن الحديث صحيح بملاحظة الطريق
التالية:
v قال الترمذي:
حدثنا عمرو بن علي حدثنا يحيى بن سعيد القطان حدثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي
قال سمعت أنس بن مالك يقول: قال رجل: (يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها
وأتوكل؟!)، قال: «اعقلها وتوكل!».
قال عمرو بن علي الفلاس:
قال يحيى (يعني بن سعيد القطان): وهذا عندي حديث منكر! قال أبو عيسى: (وهذا حديث
غريب من حديث أنس لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد روي عن عمرو بن أمية الضمري عن
النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا)، وحسنه الألباني.
ــ المغيرة بن أبي قرة:
مستور، لم يرد فيه جرح قط، وقد وثقه ابن حبان.
ــ وبقيته أئمة ثقات
أثبات!
قلت: هذا إسناد لا بأس به،
والمتن مستقيم، لا سيما وقد رويَ مثله عن عمرو بن أمية الضمري، رضي الله عنه، ولم
يظهر لي وجه استنكار الإمام الحجة يحيى بن سعيد القطان، رحمه الله، ولعله إنما
أراد الغرابة والانفراد فحسب، لا النكارة الحقيقية، التي توجب رد الحديث وتضعيفه!
v ثم وجدنا
طريقاً ثالثة ذكرها الحافظ تعليقاً في «تعجيل المنعة» في خلال ترجمة النعمان
الغفاري من رواية أبي الأسود الغفاري عن النعمان الغفاري عن أبي ذر الغفاري، رضي
الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «اعقلها وتوكل!».
فالحديث صحيح بمجموع
الطرق، وقد جزم الحافظ بنسبته إلى النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، في غير
موضع من «فتح الباري»، ولله الحمد والمنة.
u فصل: حديث «طاعة الإمام حق على
المرء المسلم»:
v أخرج تمام في
«الفوائد»: أخبرنا الحسن بن حبيب: حدثنا بدر بن الهيثم الدمشقي: حدثنا سليمان بن
عبد الرحمن: حدثنا عبد الرحمن بن المغراء عن عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد
المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «طاعة الإمام حق
على المرء المسلم، ما لم يأمر بمعصية الله عز وجل، فإذا أمر بمعصية الله، فلا طاعة
له».
ـ الحسن بن حبيب، أبو علي
الفقيه الشافعي، المعروف بالخضايري، ثقة ثبت، كما قال ابن عساكر في ترجمته: (أحد
الثقات الأثبات، ولد سنة 242، ومات سنة 338).
ــ بدر بن الهيثم، أبو
القاسم اللخمي، القاضي، كوفي نزل بغداد، ثقة. ترجم له الخطيب فقال: (وكان ثقة، من
المعمرين، مات سنة 317).
ــ سليمان بن عبد الرحمن،
هو أبو داود سليمان بن عبد الرحمن بن حماد، الطلحي التمار، من ولد طلحة بن عبيد
الله، كوفي ثقة، مات سنة 252، من شيوخ أبي داود. ترجم له الحافظ، وقال: (صدوق).
ــ عبد الرحمن بن مغراء،
أبو زهير الدوسي الكوفي، ثقة، تكلموا فقط في حديثه من الأعمش، وليس هذا منها، وقال
الحافظ: (صدوق، تكلم في حديثه من الأعمش).
وبقيته أئمة ثقات مشاهير،
والمتن مستقيم تشهد له نصوص الكتاب والسنة المتضافرة، فالحديث صحيح قطعاً، وقد قصر
الألباني عندما قال: (حسن)، فحسب!
u فصل: حديث عدي بن حاتم في تفسير: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{:
v وقد جاء في تفسير
هذه الآية عن عدي بن حاتم ــ رضى الله عنه ــ قال: [أتيت رسول الله، صلى الله عليه
وعلى آله وسلم، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: «يا عدي، اطرح هذا الوثن من عنقك!»،
قال: فطرحته؛ وانتهيت إليه وهو يقرأ في سورة «براءة» فقرأ هذه الآية: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله{، قال قلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم!،
قال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» قال قلت:
بلى، قال: «فتلك عبادتهم»، (وفي رواية: قال: «صدقت، ولكن كانوا يحلون ما حرم الله
فيستتحلونه، يحرمون ما أحل الله لهم فيحرمونه»)]، رواه الطبري في «التفسير»، وهذا
هو لفظه من طريق أبي كريب، قال: حدثنا أبو كريب وابن وكيع قالا: حدثنا مالك بن
إسماعيل؛ وحدثنا أحمد بن إسحاق، قال: حدثنا أبو أحمد، جميعاً، عن عبد السلام بن
حرب، قال: حدثنا غطيف بن أعين، عن مصعب بن سعد، عن عدي بن حاتم، به. وله في الطبري
طرق أخري بطوله ومختصراً.
كمارواه الطبراني في
«الكبير» من عدة طرق، وهو كذلك في تاريخ أصبهان، ورواه البيهقي في سننه، وكذلك
الترمذي في سننه وقال: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب،
وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث)، كلهم عن عبد السلام بن حرب، وهو ثقة حافظ،
أما غطيف بن أعين فهو قليل الحديث جداً، روى عنه عبد السلام بن حرب وإسحاق بن أبي
فروة، ذكره ابن حبان في «الثقات» على قاعدته العامة، وذكره البخاري في تاريخه
الكبير مع ذكر هذا الحديث من غير جرح ولا تعديل، وضعفه الدارقطني، متعنتاً، هكذا
مرسلاً من غير تفسير لجرحه، وتلبعه الحافظ بدون حجة، فلم يصب ولم يحسن.
والحق أنه لم يروى عن غطيف
بن أعين هذا قط ما يستنكر، وعدالته ثابته برواية اثنين من الثقات عنه، وعدم ورود
جرحة مفسرة معتبرة فيه أصلاً، فهو حسن الحديث، لا بأس به. فالحديث حسن لذاته، متنه
مستقيم، تقوم به الحجة، وقد صححه واعتمده الإمام أبو محمد علي بن أحمد بن حزم
الأندلسي في «الإحكام»، وهو صحيح على شرط ابن حبان، وهو صحيح قطعاً بشواهده
التالية:
ـ قال الطبري في
«التفسير»: حدثنا محمد بن بشار، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، قال: حدثنا سفيان
(يعني الثوري)، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي البختري، عن حذيفة بن اليمان، رضي
الله عنه، أنه سئل عن قوله تعالى: }اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون
الله{، أكانوا
يعبدونهم؟! قال: لا، (وفي رواية: أما إنهم لم يكونوا يصومون لهم، ولا يصلون لهم،
ولكنهم) كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً حرموه. وكفاك
بهذا الإسناد قوة! وقد أخرجه الطبري بطوله من طرق عدة صحاح وحسان عن حبيب بن أبي
ثابت، وروى مثله البيهقي، كما أخرجه الطبري من طريق أخرى عن حذيفة مختصراً بلفظ:
(لم يعبدوهم، ولكنهم أطاعوهم في المعاصي!).
ـ وأخرج الطبري بسنده عن
ابن عباس في تفسير الآية، قال: (زينوا لهم طاعتهم).
ـ وأخرج بسند آخر عن
السدي، قال: قال عبد الله بن عباس: (لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن أمروهم بمعصية
الله فأطاعوهم، فسماهم الله بذلك أرباباً).
ـ وأخرج بسنده عن الحسن
البصري في تفسيرها، قال: (في الطاعة).
ـ وأخرج بسنده عن الربيع
بن أنس عن أبي العالية في تفسير هذه الآية، قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت
الربوبية التي كانت في بني إسرائيل؟! قال: لم يسبوا أحبارنا بشيئ مضى؛ ما أمرونا
به ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، وهم يجدون في كتاب الله ما أمروا به، وما
نهوا عنه، فاستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم!
u فصل: قول ابن مسعود: (الرشا في
الحكم كفر)
v جاء في مسند
أبي يعلى: حدثني محمد حدثنا عثمان بن عمر حدثنا فطر بن خليفة عن منصور عن سالم بن
أبي الجعد عن مسروق قال: [كنت جالسا عند عبد الله، فقال له رجل: (ما السحت؟!)،
قال: (الرشا!)، فقال: (في الحكم؟!)، قال: (ذاك الكفر!)، ثم قرأ: }ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون{]. قال الشيخ حسين أسد: إسناده صحيح، وهو كما
قال، فالأثر عن ابن مسعود ثابت صحيح يقيناً، خصوصا مع المتابعات، والطرق، والشواهد
التالية:
ــ ففي سنن البيهقي
الكبرى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر القاضي قالا: حدثنا أبو العباس محمد
بن يعقوب: حدثنا إبراهيم بن مرزوق: حدثنا مكي بن إبراهيم: حدثنا فطر بن خليفة، عن
منصور بن المعتمر، عن سالم بن أبي الجعد، عن مسروق قال: [سئل عبد الله عن السحت فقال:
(هي الرشا)، فقال: (في الحكم؟!)، فقال عبد الله: (ذلك الكفر!)، وتلا هذه الآية: }ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون{]، هذا كذلك إسناد صحيح.
ــ وقد توبع فطر بن خليفة
كما في سنن البيهقي الكبرى: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أنبأ أبو بكر أحمد بن إسحاق:
أنبأ عمر بن حفص: حدثنا عاصم بن علي: حدثنا شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الجعد عن
مسروق قال: [سألت عبد الله يعني بن مسعود عن السحت فقال: (الرشا!)، وسألته عن
الجور في الحكم فقال: (ذلك الكفر!)].
ــ وجاء من طريق أخرى عن
مسروق كما هو في المعجم الكبير: حدثنا علي بن عبد العزيز: حدثنا أبو نعيم: حدثنا
شريك، عن السدي، عن أبي الضحى، عن مسروق عن عبد الله أنه سئل عن السحت، قال:
(الرشا!)، قيل: (في الحكم؟!)، قال: (ذاك الكفر!).
ــ وجاء من طريق ثالثة عن
مسروق، كما قال النسائي في «المجتبى من السنن»: أخبرنا قتيبة وعلي بن حجر قالا
حدثنا خلف يعني بن خليفة عن منصور بن زاذان عن الحكم بن عتيبة عن أبي وائل عن
مسروق قال: ( القاضي إذا أكل الهدية فقد أكل السحت وإذا قبل الرشوة بلغت به
الكفر)، وقال مسروق: (من شرب الخمر فقد كفر، وكفره أن ليس له صلاة). وهذا كذلك
صحيح بذاته، إذا أمنا اختلاط خلف بن خليفة بن صاعد الأشجعي، لأنه اختلط في الآخر،
وقد أمنا ذلك بشهادة المتابعات السابقة واللاحقة.
ــ بل وجاء من غير طريق
مسروق ففي المعجم الكبير:حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي: حدثنا سعيد بن منصور:
حدثنا حماد بن يحيى الأبح عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن بن مسعود قال: (الرشوة في
الحكم كفر، وهي بين الناس سحت).
ــ وهذا هو كذلك قول
مسروق، وفعله، كما في الطبقات الكبرى: أخبرنا عمرو بن الهيثم أبو قطن قال حدثنا
المسعودي عن بكير بن أبي بكير عن أبي الضحى أن مسروقا شفع لرجل بشفاعة فأهدى له
جارية فغضب وقال: [لو علمت أن هذا في نفسك ما تكلمت فيها ولا أتكلم فيما بقي منها
أبدا سمعت عبد الله بن مسعود يقول من شفع شفاعة ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما
فأهدي له فقبل فذلك السحت! قالوا: ما كنا نرى السحت إلا الأخذ على الحكم؟! قال:
الأخذ على الحكم كفر]. هذا الإسناد صحيح إذا أمنا اختلاط المسعودي، لأنه اختلط في
الآخر، وقد أمنا ذلك لأن سماع عمرو بن الهيثم، أبي قطن، من المسعودي قديم، وكذلك
بشهادة المتابعات السابقة.
u فصل: قصة مالك بن الدُخْشُم
v الحديث بطوله
هو كما في «الجامع الصحيح المختصر» للإمام البخاري: [حدثني يحيى بن
بكير حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن
عتبان بن مالك، وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار،
أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني أنكرت بصري وأنا أصلي
لقومي فإذا كانت الأمطار سأل الوادي الذي بيني وبينهم لم أستطع أن آتي مسجدهم
فأصلي لهم فوددت يا رسول الله أنك تأتي فتصلي في بيتي فأتخذه مصلى فقال سأفعل إن
شاء الله قال عتبان فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار
فاستأذن النبي صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال لي أين
تحب أن أصلي من بيتك فأشرت إلى ناحية من البيت فقام النبي صلى الله عليه وسلم فكبر
فصففنا فصلى ركعتين ثم سلم وحبسناه على خزير صنعناه فثاب في البيت رجال من أهل
الدار ذوو عدد فاجتمعوا، فقال قائل منهم: (أين مالك بن الدخشن؟!)، فقال بعضهم: (ذلك
منافق لا يحب الله ورسوله!)، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقل: ألا تراه قال
لا إله إلا الله يريد بذلك وجه الله»، قال: (الله ورسوله أعلم)، قال: قلنا: ( فإنا
نرى وجهه ونصيحته إلى المنافقين!)، فقال: «فإن الله حرم على النار من قال لا إله
إلا الله يبتغي بذلك وجه الله!». قال بن شهاب ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري أحد
بني سالم وكان من سراتهم عن حديث محمود فصدقة]
ـ وهو في «الجامع الصحيح
المختصر»:
[حدثنا سعيد بن عفير قال حدثني الليث قال حدثني عقيل عن بن شهاب قال أخبرني محمود
بن الربيع الأنصاري به بطوله كسابقه]
ــ وهو في «صحيح مسلم»: [حدثني حرملة بن يحيى
التجيبي أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب أن محمود بن الربيع الأنصاري حدثه
أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار
أنه أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد أنكرت بصرى، فساق
الحديث بطوله كسابقه]
v وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا محمد بن الحسن
بن قتيبة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا بن وهب أخبرنا يونس عن بن شهاب أن محمود بن
الربيع الأنصاري أخبره به بعين حديث مسلم]، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: (إسناده
صحيح على شرط مسلم)
ــ وهو في «صحيح ابن خزيمة»: [أخبرنا أبو طاهر
أخبرنا أبو بكر أخبرنا محمد بن عزيز الأيلي أن سلامة حدثهم عن عقيل أخبرني محمد بن
مسلم أن محمود بن الربيع الأنصاري أخبره أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وممن شهد بدرا من الأنصار أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقال يا رسول الله إني قد أنكرت بصري، فساق الحديث بطوله]
ــ وهو في «المعجم الكبير» بنحوه: [حدثنا مطلب بن
شعيب الأزدي حدثنا عبد الله بن صالح حدثني الليث عن عقيل (ح) وحدثنا عمرو بن أبي
الطاهر بن السرح المصري حدثنا محمد بن عزيز الأيلي حدثنا سلامة بن روح عن عقيل
أخبرني محمد بن مسلم أن محمود بن الربيع الأنصاري أخبره بطوله، قال محمد: (ثم سألت
الحصين بن محمد وهو أحد بني سالم من سراتهم عن حديث محمود فصدقه)]
ــ وهو بطوله في «سنن البيهقي
الكبرى»:
[أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان أنبأ أحمد بن عبيد الصفار حدثنا بن ملحان حدثنا يحيى
عن الليث عن عقيل عن بن شهاب أنه قال حدثني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن
مالك وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار أنه أتى
رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني قد أنكرت بصري، فساق الحديث]
ثم قال البيهقي: [رواه البخاري في الصحيح عن يحيى بن بكير]
ــ وهو في «سنن البيهقي
الكبرى»:
[أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبا أبو بكر أحمد بن إسحاق الفقيه أنبأ أحمد بن
إبراهيم حدثنا بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن بن شهاب أنه قال أخبرني محمود بن
الربيع الأنصاري به بتمام طوله]، ثم قال البيهقي: [رواه البخاري في الصحيح عن يحيى
بن بكير وأخرجه مسلم من وجه آخر عن الزهري فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقبل قول
الواقع في مالك بن الدخشن بأنه منافق حتى تبين له من أين يقول ذلك لما بينه لم يره
نفاقا فرد عليه قوله]
ــ وهو في «الجامع الصحيح
المختصر»
من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهرى مطولاً: [حدثني إسحاق حدثنا يعقوب بن إبراهيم
حدثنا أبي عن بن شهاب قال أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أنه عقل رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، وعقل مجة مجها في وجهه من بئر كانت في دارهم فزعم محمود أنه سمع
عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه وكان ممن شهد بدرا مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم يقول كنت أصلي لقومي ببني سالم وكان يحول بيني وبينهم واد إذا جاءت
الأمطار فيشق علي اجتيازه قبل مسجدهم فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له
إني أنكرت بصري وإن الوادي الذي بيني وبين قومي يسيل إذا جاءت الأمطار فيشق علي
اجتيازه فوددت أنك تأتي فتصلي من بيتي مكانا أتخذه مصلى فقال رسول الله صلى، الله
عليه وسلم، سأفعل فغدا علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى
عنه بعد ما اشتد النهار فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس
حتى قال أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي فيه فقام
رسول الله صلى الله عليه وسلم فكبر وصففنا وراءه فصلى ركعتين ثم سلم وسلمنا حين
سلم فحبسته على خزير يصنع له فسمع أهل الدار رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي
فثاب رجال منهم حتى كثر الرجال في البيت فقال رجل منهم: (ما فعل مالك؟! لا أراه!)،
فقال رجل منهم: «ذاك منافق لا يحب الله ورسوله»، فقال رسول الله، صلى الله عليه
وسلم: «لا تقل ذاك: ألا تراه قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله»، فقال: (الله ورسوله
أعلم، أما نحن فوالله لا نرى وده ولا حديثه إلا إلى المنافقين)، قال رسول الله،
صلى الله عليه وسلم: «فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا
الله يبتغي بذلك وجه الله»، قال محمود فحدثتها قوما فيهم أبو أيوب صاحب رسول الله،
صلى الله عليه وسلم، في غزوته التي توفي فيها ويزيد بن معاوية عليهم بأرض الروم،
فأنكرها على أبو أيوب قال: (والله ما أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ما
قلت قط)، فكبر ذلك علي فجعلت لله علي إن سلمني حتى أقفل من غزوتي أن أسأل عنها
عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه إن وجدته حيا في مسجد قومه فقفلت فأهللت بحجة أو
بعمرة ثم سرت حتى قدمت المدينة فأتيت بني سالم فإذا عتبان شيخ أعمى يصلي لقومه
فلما سلم من الصلاة سلمت عليه وأخبرته من أنا ثم سألته عن ذلك الحديث فحدثنيه، كما
حدثنيه أول مرة]
ــ وهو في «مسند أبي داود
الطيالسي» أيضاً من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهرى بطوله مع تعقيب لطيف للإمام الزهري:
[حدثنا إبراهيم بن سعد قال سمعت الزهرى عن محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك
السالمي قال كنت أؤم قومي بنى سالم وكان إذا جاءت السيول شق علي ان اجتاز واديا
بيني وبين المسجد، ..، فساقه بطوله، قال الزهرى: (ونحن نرى ان ذاك قبل ان تنزل
موجبات الأمور قد نزل أمر أدركنا العلماء وهم يرون ذلك فمن استطاع منكم ان لا يغتر
فلا يغتر ان الله عز وجل فرض على أهل هذه الكلمة أموراً نخشى ان يكون الأمر قد صار
إليها)]
ــ وهو في «سنن البيهقي
الكبرى»
من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهرى مختصراً من غير ذكر لقصة ابن الدخشم: [وأخبرنا
أبو عمرو محمد بن عبد الله الأديب أنبأ أبو بكر الإسماعيلي أنبأ الفاريابي حدثنا
محمد بن عثمان بن خالد حدثنا إبراهيم بن سعد عن بن شهاب عن محمود بن الربيع
الأنصاري عن عتبان بن مالك بنحوه إلى قوله: فكبر وصففنا خلفه وصلى لنا ركعتين]، ثم
عقب البيهقي فقال: [أخرجه البخاري في الصحيح من حديث يعقوب بن إبراهيم عن أبيه
أطول من هذا وذكر فيه هذه الألفاظ وأخرجه مسلم من وجه آخر عن الزهري]
ــ وهو في «الآحاد
والمثاني» من طريق معمر عن الزهري في قصة طويلة جميلة إليكها بطولها: [حدثنا حسين بن
حسن أخبرنا عبد الله بن المبارك حدثنا معمر عن الزهري حدثه: حدثنا محمود بن الربيع
زعم أنه عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقل مجة مجها من دلو كان في دارهم قال
سمعت عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه، ثم أحد بنى سالم، يقول كنت أصلي
لقومي بني سالم فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إني قد أنكرت بصري وإن السيول
تحول بيني وبين مسجد قومي فلوددت أنك جئت فصليت في بيتي مكانا أتخذه مسجدا فقال
النبي صلى الله عليه وسلم أفعل إن شاء الله تعالى فغدا علي رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأبو بكر رضي الله تعالى عنه معه بعد ما اشتد النهار فاستأذن فأذنت له
فلم يجلس حتى قال أين تحب أن أصلي من بيتك فأشرت له إلى المكان الذي أحب أن أصلي
فيه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصففنا خلفه ثم سلم وسلمنا حين سلم فحبسناه
على خزيرة صنع لنا فسمع أهل الدار وهم يدعون فرآهم أهل الدار فثابوا حتى امتلأ
البيت فقال رجل: (أين مالك بن الدخشم؟!)، فقال رجل منا: (ذاك منافق لا يحب الله عز
وجل ولا رسوله عليه السلام)، فقال: «لا تقولوه: يقول لا إله إلا الله يبتغي
بذلك وجه الله، عز وجل!»، فقال: (أما نحن فنرى وجهه وحديثه إلى المنافقين!)، فقال
النبي صلى الله عليه وسلم: «لن يوافي عبد يوم القيامة وهو يقول لا إله إلا
الله يبتغي بها وجه الله عز وجل إلا حرم الله عز وجل عليه النار!». قال محمود فحدثت به
قوما فيهم أبو أيوب الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغزوة التي
توفي فيها مع يزيد بن معاوية فأنكر ذلك وقال ما أظن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال ما قلت قط فكبر علي ذلك فجعلت لله عز وجل علي إن سلمني الله عز وجل حيا حتى
أقفل من غزوتي أن أسأل عنه عتبان بن مالك إن وجدته حيا فأهللت من الليل أو من
إيليا (الشك مني) حتى قدمت المدينة فأتيت بني سالم فإذا عتبان شيخ كبير قد ذهب
بصره وهو إمام قومه فلما سلم من صلاته فجئته فسلمت عليه وأخبرته من أنا فحدثني كما
حدثني أول مرة].
ــ وهو في «الآحاد
والمثاني»: [حدثنا أبو موسى أخبرنا عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن محمود بن الربيع عن
عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه أنه قال يا رسول الله إن السيول تحول بيني وبين
مسجد قومي فذكر نحوه]
ــ وهو في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا
سويد بن نصر قال حدثنا عبد الله يعني بن المبارك عن معمر عن الزهري قال أخبرني
محمود بن الربيع، زعم أنه عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقل مجة مجها من دلو
كانت في دارهم، قال سمعت عتبان بن مالك الأنصاري ثم أحد بني سالم يقوله بنحوه]،
وأخرجه بنفس السند في «المجتبى من السنن» مختصراً، وقال الألباني:(صحيح).
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري قال حدثني محمود بن الربيع عن
عتبان بن مالك قاله بنحوه، وزاد: قال معمر فكان الزهري إذا حدث بهذا الحديث قال:
(ثم نزلت فرائض وأمور نرى ان الأمر انتهى إليها فمن استطاع ان لا يغتر فلا يغتر)]
ــ وهو في «المعجم الكبير»: [حدثنا إسحاق بن
إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري حدثني محمود بن الربيع بن عتبان
بن مالك قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت إني قد أنكرت بصري وإن السيول
تحول بيني وبين مسجد قومي ولوددت أنك جئت وصليت في بيتي مكانا أتخذه مسجدا، فساق
الحدي بتمامه، وكذلك تعقيب الزهري المحذر من الاغترار]
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى عن معمر عن الزهري عن محمود بن الربيع عن
عتبان بن مالك أنه قاله بنحوه]
ــ وهو في «المعجم الكبير»: [حدثنا إسماعيل بن
الحسن الخفاف المصري حدثنا أحمد بن صالح أخبرنا بن وهب أخبرني يونس عن بن شهاب أن
محمود بن الربيع الأنصاري حدثه أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب رسول الله صلى الله
عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا
رسول الله إني قد أنكرت بصري وأنا أصلي لقومي وإذا كانت الإمطارات سألت الوادي
الذي بيني وبينهم ولم أستطع أن آتي مسجدهم فأصلي لهم ووددت يا رسول الله أنك
تأتيني فتصلي في مصلى أتخذه مصلى فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «سأفعل إن شاء
الله»، قال عتبان فغدا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر حين ارتفع النهار
فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذنت له فلم يجلس حتى دخل البيت ثم قال أين
تحب أن أصلي من بيتك فأشرت الى ناحية من البيت فقام فكبر فقمنا وراءه فصلى ركعتين
ثم سلم وحبسناه على خزيرة صنعناها فقال رجال من أهل الدار حولنا حتى اجتمع في
البيت رجال ذو عدد فقال قائل منهم أين مالك بن الدخشن فقال بعضهم ذاك منافق لا يحب
الله ورسوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل إلا تراه قد قال لا إله
إلا الله يريد بذلك وجه الله فقالوا الله ورسوله أعلم قال فإنما وجهه ونصحته
للمنافقين فقال النبي صلى الله عليه وسلم فإن الله قد حرم على النار من قال لا إله
إلا الله يبتغي بذلك وجه الله عز وجل قال بن شهاب ثم سألت الحصين بن محمد الأنصاري
وهو أحد بني سالم عن حديث محمود بن الربيع فصدقه بذلك. قال أحمد بن صالح: (أو
تقولون: الدخشم وهو الصواب).
ــ وفي «المعجم الكبير»: [حدثنا إسماعيل بن
الحسن الخفاف المصري حدثنا أحمد بن صالح حدثنا عنبسة بن خالد عن يونس عن بن شهاب
أخبرني محمود بن الربيع الأنصاري أن عتبان بن مالك وهو من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم ممن شهد بدرا من الأنصار قال إنه أتى النبي، صلى الله عليه وسلم، فذكر مثله]
v وهو في «صحيح مسلم» من غير طريق الزهري في
سياق آخر، فيه زوائد وفوائد: [حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا سليمان يعني بن المغيرة
قال حدثنا ثابت عن أنس بن مالك قال حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال:
قدمت المدينة فلقيت عتبان فقلت حديث بلغني عنك قال أصابني في بصري بعض الشيء فبعثت
إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أحب أن تأتيني فتصلي في منزلي فأتخذه مصلى
قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله من أصحابه فدخل وهو يصلي في منزلي
وأصحابه يتحدثون بينهم ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم قالوا ودوا أنه
دعا عليه فهلك وودوا أنه أصابه شر فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وقال
أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله قالوا إنه يقول ذلك وما هو في قلبه
قال لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه قال أنس
فأعجبني هذا الحديث فقلت لابني اكتبه فكتبه]
ــ وهو بعينه في «مسند أبي يعلى»: [حدثنا شيبان بن فروخ
حدثنا سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت عن أنس حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن
مالك به بعينه]، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)
ــ وهو في «مسند أبي يعلى» بزيادات عن حديث مسلم:
[حدثنا أبو خيثمة حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس عن
عتبان بن مالك نحوا من حديث مسلم، وزاد فيه: وأصحابه يتحدثون بينهم ويذكرون ما
يلقون من المنافقين ثم أسندوا عظم ذلك إلى مالك بن دخشم قال ودوا أنه دعا عليه
يحملونه عليه فقضى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فذكر نحوا منه]، وقال الشيخ
حسين أسد: (إسناده صحيح)
ــ وهو أيضاً بعينه في «الآحاد والمثاني» من نفس طريق مسلم:
[حدثنا شيبان بن فروخ أخبرنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك
رضي الله تعالى عنه قال وحدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك رضي الله تعالى
به]
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا حجاج حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك حدثنا
محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك بنحوه، إلى آخر كلام النبي، صلى الله عليه وعلى
آله وسلم، إلا أنه لم يذكر إعجاب أنس بالحديث وأمره ابنه بكتابته]
ــ وهو في «المعجم الكبير» باختصار طفيف: [حدثنا
محمد بن عبد الله الحضرمي حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا سليمان بن مغيرة حدثنا ثابت
البناني عن أنس بن مالك حدثني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال: أصابني في
بصري بعض الشيء فبعثت الى رسول الله صلى الله عليه وسلم أني أحب أن تأتيني تصلي في
منزلي فأتخذه مصلى فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم ومن شاء الله من أصحابه فدخل
عليه وهو يصلي في منزلي وأصحابه يتحدثون بينهم ويذاكرون المنافقين ثم أسندوا عظم
ذلك وكبره الى مالك بن الدخشم ودوا أنه دعا عليه فهلك ودوا أنه أصابه شر فقضى رسول
الله صلى الله عليه وسلم الصلاة وقال أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله
صلى الله عليه وسلم قالوا أنه يقول ذاك وما هو في قلبه قال لا يشهد أحد أنه لا إله
إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو يطعمه النار]
ــ وهو في «مسند أبي يعلى»: [حدثنا أبو حمزة هريم
بن عبد الأعلى حدثنا معتمر بن سليمان عن سليمان بن المغيرة حدثنا ثابت عن أنس عن
محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك قال لقيت عتبان بعد ذلك فحدثني بحديث أعجبني
فقلت لابني اكتبه فكتبه قال وقد كان ذهب بصره قال قلت يا نبي الله لو أتيتني فصليت
عندي في مكان أتخذه مسجدا قال فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل يصلي وجعل
أصحابه يتحدثون قال فذكروا ما يلقون من المنافقين من الأذى فحملوا عظم ذلك على
مالك بن الدخشم فكان يعجبهم أن يحملوا النبي صلى الله عليه وسلم فيدعو عليه فيهلك
فقالوا يا نبي الله إن من أمره كذا وكذا قال فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أليس يشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؟!»، قالوا: (إنما يقول ذلك بلسانه، وليس له حقيقة في
قلبه)، قال: فقال نبي الله، صلى الله عليه وسلم: «لا يشهد أحد أن لا إله
إلا الله وأني رسول الله فيدخله الله النار أو قال فتطعمه النار أبدا». قال المعتمر: قال أبي:
(سمعته من أنس وما حدثت به أحدا)]، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح). قلت:
القائل: (لقيت عتبان بعد ذلك فحدثني بحديث أعجبني فقلت لابني اكتبه فكتبه)، هو أنس
بن مالك، رضي الله عنه، وهذا الإسناد الصحيح يثبت أن أنساً وابنه أبا بكر سمعا
الحديث أولا من محمود بن الربيع، رضي الله عنه، ثم قدما المدينة فوجدا عتبان بن
مالك، رضي الله عنه، حياً فحدثهما به بعينه، ومن هذا يظهر أن على بن زيد بن جدعان،
وهو ليس بالقوي، قد حفظ هذا الحديث، كما سيأتي قريباً:
v كما هو في «المعجم الكبير» في قصة طويلة من طريق
أخرى: [حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد حدثنا
علي بن زيد قال كنا عند أنس بن مالك فقال لابنه أبي بكر حدثهم حديث عتبان بن مالك
الأنصاري فحدثنا أبو بكر وأنس شاهد فقال خرجت مع أبي الى الشام فلما أقبل من الشام
مشى معنا محمود بن الربيع الأنصاري فشيعنا حتى إذا أراد أن يفارقنا قال ألا أحدثكم
بحديث عتبان بن مالك قلنا بلى قال فإنه حدثني أنه ذهب بصره على عهد رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله فلو أتيت منزلي فبوأت لي فيه مسجدا وصليت فيه
فاتخذه مسجدا وإن بصري قد ذهب وضعفت عن الخروج الى المسجد!)، فوعده رسول الله صلى
الله عليه وسلم يوما يأتيه فيه فلما كان ذلك اليوم حشد له أصحابه فاجتمعوا في
منزلي فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعهم يتذاكرون أشد أهل المدينة على
أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعظمهم له عداوة فردوا ذلك الى مالك بن
الدخشم فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم ما يتذاكرون قال: «أليس يشهد أن لا
إله إلا الله وأني رسول الله»، قالوا يا رسول الله إنه صاحب (..)، قال أليس يشهد أن لا
إله إلا الله وأني رسول الله قالوا بلى قال: «والذي نفسي بيده لئن كان
يقولها صادقا من قلبه لا تأكله النار أبدا»، فقال لي أنس احفظ هذا الحديث
فإنه من كنوز العلم فلما أتينا المدينة وجدنا عتبان بن مالك حيا فقلت لأبي هل لك
في عتبان تسأله عن الحديث الذي حدثناه محمود عنه فانطلقنا فسألناه عنه فحدثنا]،
قلت: علي بن زيد بن جدعان ليس بالقوي، ولكن هذه متابعة جيدة تشهد لها الطرق
الأخرى.
v وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا حسين بن محمد قال حدثنا جرير يعنى بن حازم عن على بن زيد بن جدعان
قال حدثني أبو بكر بن أنس بن مالك قال قدم أبي من الشام وافدا وأنا معه فلقينا
محمود بن الربيع فحدث أبي حديثا عن عتبان بن مالك قال أبي أي بنى أحفظ هذا الحديث
فإنه من كنوز الحديث فلما قفلنا انصرفنا إلى المدينة فسألنا عنه فإذا هو حي وإذا
شيخ أعمى قال فسألناه عن الحديث فقال نعم ذهب بصرى على عهد رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقلت يا رسول الله ذهب بصرى ولا أستطيع الصلاة خلفك فلو بوأت في داري
مسجدا فصليت فيه فاتخذه مصلى قال نعم فإني غاد عليك غدا قال فلما صلى من الغد
التفت إليه فقام حتى أتاه فقال يا عتبان أين تحب أن أبوئ لك فوصف له مكانا فبوأ له
وصلى فيه ثم حبس أو جلس وبلغ من حولنا من الأنصار فجاؤوا حتى ملئت علينا الدار
فذكروا المنافقين وما يلقون من أذاهم وشرهم حتى صيروا أمرهم إلى رجل منهم يقال له
مالك بن الدخشم وقالوا من حاله ومن حاله ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت فلما
أكثروا قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أليس يشهد أن لا إله إلا الله»، فلما
كان في الثالثة قالوا: (انه ليقوله)، قال: «والذي بعثني بالحق لئن قالها صادقا من
قلبه لا تأكله النار أبدا»، قالوا فما فرحوا بشيء قط كفرحهم بما قال
v وهو في «المعجم الكبير» من طريق أخرى بلفظ فيه
نكارة: [حدثنا محمد بن العباس المؤدب حدثنا محمد بن بكير الحضرمي حدثنا عامر بن
يساف عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس قال لما أصيب عتبان بن
مالك في بصره بعث الى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أحب أن تأتيني فتصلي في بيتي
وتدعو لنا بالبركة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه فدخلوا
عليه فتحدثوا بينهم فذكروا مالك بن الدخشم فقال بعضهم يا رسول الله ذاك كهف
المنافقين ومأواهم فاكثروا فيه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليس يصلي
قالوا نعم يا رسول الله صلاة لا خير فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم نهيت
عن قتل المصلين مرتين]. قلت: هذا لفظ منكر، فليس في الحديث شئ عن القتل، ولا محل
لذكر «قتل المصلين» أصلاً، والظاهر أن أحد الرواة خلط بين أحاديث متباينة.
ــ لكن اللفظ الأصح هو ما
جاء في «السنن الكبرى»: [أخبرنا عبيد بن آدم بن أبي إياس قال حدثنا أبي قال حدثنا شيبان عن قتادة
عن أنس قال ذكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم عند رسول الله صلى
الله عليه وسلم فوقعوا فيه وشتموه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم دعوا لي
أصحابي فقالوا يا رسول الله إنه كهف المنافقين وملجؤهم الذي يلجؤون إليه فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم أليس يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله قالوا بلى
ولا خير في شهادته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يشهد بها عبد صادقا من
قلبه ثم يموت على ذلك إلا حرمه الله على النار]
فالروايات كلها كما ترى
متطابقة في جوهرها، مع الاختلاف اليسير في ألفاظها، وقد رواها كل من محمود بن
الربيع، وأنس بن مالك، وابنه أبو بكر بن أنس عن عتبان بن مالك، رضي الله عنهم
جميعاً. وكلهم قد أتقن الحديث لأن كل واحد منهم سمعه أكثر من مرة: فمحمود بن
الربيع أعاد سماعه بعد أن انتقده أبو أيوب الأنصاري، وشكك في سماعه، فأعاد السماع
لقطع كل شك. وأنس وابنه أبو بكر سمعاه من محمود ثم سمعاه مرة أخرى من عتبان نفسه.
وقد صدق الحصين بن محمد الأنصاري أحد بني سالم، ومن سراتهم، حديث محمود فهو إما
سمعه من عتبان، أو سمعها من ثقاة، غير محمود، عن عتبان: فهؤلاء أربعة من جبال
الحفظ والثقة، يصدق بعضهم بعضاً
والحديث بعد ذلك منقول عن
هؤلاء نقل تواتر، لا يكاد يخلو منه شئ من كتب السنة، والمتن في غاية النظافة
والاستقامة، فهو من أصح أحاديث الدنيا، تقوم به الحجة اليقينية القاطعة، ولا شك.
u فصل: إهداء الثمائن للمشركين
v جاء في «الجامع الصحيح
المختصر»:
[حدثنا عبد الله بن يوسف قال أخبرنا مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن
الخطاب رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال: (يا رسول الله لو اشتريت هذه فلبستها
يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك؟!)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس هذه
من لا خلاق له في الآخرة»، ثم جاءت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، منها حلل فأعطى
عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، منها حلة فقال عمر: (يا رسول الله كسوتنيها
وقد قلت في حلة عطارد ما قلت؟!)، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إني لم أكسكها
لتلبسها!»، فكساها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أخا له بمكة مشركا]
ــ وهو بعينه في «موطأ الإمام
مالك»:
[عن نافع عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء تباع عند باب المسجد
فساقه بعينه]
ــ وهو في «مسند الشافعي»: [أخبرنا مالك عن نافع
عن بن عمر به بعينه]
ــ وهو في «الجامع الصحيح
المختصر»:
[حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى
عنهما بنحوه]
- وهو بعينه، سنداً
ومتناً، في «سنن أبي داود»: [حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن
عمر به]
ــ وهو في «صحيح مسلم»: [حدثنا يحيى بن يحيى
قال قرأت على مالك عن نافع عن بن عمر بنحوه]
ــ وفي «المجتبى من
السنن»
للإمام النسائي، وكذلك في «السنن الكبرى»: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن نافع
عن عبد الله بن عمر بنحوه]
ــ وهو بنحوه في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عبيد الله عن نافع عن بن عمر به].
ــ وهو في «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا عمر بن سعيد بن
سنان قال أخبرنا أحمد بن أبي بكر عن مالك عن نافع عن بن عمر به بنحوه]، وقال الشيخ
شعيب الأرناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين)
ــ وهو في «الأدب المفرد»: [حدثنا محمد بن سلام
قال أخبرنا عبدة عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر بنحو من حديث مالك، إلا أنه قال:
(فأهداها عمر لأخ له من أمه مشرك)]
ــ وهو في «صحيح مسلم»: من غير طريق مالك
[وحدثنا بن نمير حدثنا أبي (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو أسامة (ح)
وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي حدثنا يحيى بن سعيد كلهم عن عبيد الله (ح) وحدثني
سويد بن سعيد حدثنا حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة كلاهما عن نافع عن بن عمر عن
النبي صلى الله عليه وسلم، بنحو حديث مالك]
v وهو في «الجامع الصحيح
المختصر»
من غير طريق مالك: [حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا عبد العزيز بن مسلم حدثنا عبد الله
بن دينار قال سمعت بن عمر، رضي الله تعالى عنهما، يقول: رأى عمر حلة سيراء تباع
فقال: (يا رسول الله ابتع هذه والبسها يوم الجمعة، وإذا جاءك الوفود!)، قال: «إنما يلبس هذه
من لا خلاق له»، فأتى النبي، صلى الله عليه وسلم، منها بحلل فأرسل إلى عمر بحلة، فقال: (كيف
ألبسها وقد قلت فيها ما قلت؟!)، قال: «إني لم أعطكها لتلبسها، ولكن تبيعها أو
تكسوها!»،
فأرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم]
ــ وهو بعينه، سنداً
ومتناً، في «الأدب المفرد»: [حدثنا موسى قال حدثنا عبد العزيز بن مسلم عن عبد
الله بن دينار قال سمعت بن عمر يقوله بعينه]
ــ وهو «الجامع الصحيح
المختصر»:
[حدثنا خالد بن مخلد حدثنا سليمان بن بلال قال حدثني عبد الله بن دينار عن بن عمر
رضي الله تعالى عنهما بنحوه إلا أنه قال: «من لا خلاق له في الآخرة»،]
ــ وهو في «السنن الكبرى»: [أخبرنا محمد بن عبد
الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث عن بن الهاد عن عبد الله بن دينار عن عبد الله
بن عمر بنحوه]
ــ وهو في «صحيح مسلم» بتمام طوله مع قصته:
[وحدثنا شيبان بن فروخ حدثنا جرير بن حازم حدثنا نافع عن بن عمر قال رأى عمر
عطاردا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء وكان رجلا يغشى الملوك، ويصيب منهم، فقال
عمر: (يا رسول الله إني رأيت عطاردا يقيم في السوق حلة سيراء، فلو اشتريتها،
فلبستها لوفود العرب إذا قدموا عليك> (وأظنه قال ولبستها يوم الجمعة))، فقال له
رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في
الآخرة»،
فلما كان بعد ذلك أتى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحلل سيراء فبعث إلى عمر
بحلة، وبعث إلى أسامة بن زيد بحلة، وأعطى علي بن أبي طالب حلة، وقال: «شققها خمرا
بين نسائك!»، قال فجاء عمر بحلته يحملها فقال: (يا رسول الله بعثت إلي بهذه وقد
قلت بالأمس في حلة عطارد ما قلت؟!)، فقال: «إني لم ابعث بها إليك
لتلبسها، ولكني بعثت بها إليك لتصيب بها!»، وأما أسامة فراح في حلته، فنظر
إليه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، نظرا عرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
أنكر ما صنع فقال: (يا رسول الله:ما تنظر إلي فأنت بعثت إلي بها؟!)، فقال: «إني لم أبعث
إليك لتلبسها ولكني بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين نسائك»]
ــ وهو في «مسند أبي يعلى»: [حدثنا شيبان حدثنا
جرير حدثنا نافع عن بن عمربه بنحوه]، وقال الشيخ حسين أسد: إسناده صحيح.
ــ وهو بنحوه في «المجتبى من
السنن»
باختصار طفيف: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال أنبأنا عبد الله بن الحارث المخزومي
عن حنظلة بن أبي سفيان عن سالم بن عبد الله قال سمعت بن عمر يحدث أن عمر خرج فرأى
حلة إستبرق تباع في السوق فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله
اشترها فألبسها يوم الجمعة وحين يقدم عليك الوفد فقال رسول الله صلى الله عليه
وسلم إنما يلبس هذا من لا خلاق له ثم أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث حلل
منها فكسا عمر حلة وكسا عليا حلة وكسا أسامة حلة فأتاه فقال يا رسول الله قلت فيها
ما قلت ثم بعثت إلي فقال بعها واقض بها حاجتك أو شققها خمرا بين نسائك]، وقال
الألباني: صحيح
ــ وهو في «مسند الإمام
أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن أيوب عن نافع
عن بن عمر ان عمر بن الخطاب رأى عطاردا يبيع حلة من ديباج فأتى رسول الله صلى الله
عليه وسلم فقال يا رسول الله اني رأيت عطاردا يبيع حلة من ديباج فلو اشتريتها
فلبستها للوفود وللعيد وللجمعة فقال إنما يلبس الحرير من لا خلاق له حسبته قال في
الآخرة قال ثم أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلل من سيراء حرير فأعطي علي بن
أبي طالب حلة وأعطي أسامة بن زيد حلة وبعث إلى عمر بن الخطاب بحلة وقال لعلي شققها
بين النساء خمرا وجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله
سمعتك قلت فيها ما قلت ثم أرسلت الي بحلة فقال أني لم أرسلها إليك لتلبسها ولكن
لتبيعها فأما أسامة فلبسها فراح فيها فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه
فلما رأي أسامة يحدد إليه الطرف قال يا رسول الله كسوتنيها قال شققها بين النساء
خمرا، أو كالذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم]
والحديث عند البيهقي،
وغيره، من طرق شتى. وجاء في بعض الطرق أنه باعه في السوق بألفي درهم، والظاهر أنه
عرضه للسوم فجاء بهذا السعر، ثم بعثه لأخيه من أمه هديةً، أو أن البيع لحلة أخرى
مثل هذه التي أهداها لأخيه المشرك بمكة. وعلى كل فالحلة حلة سيراء من حرير خالص من
أفخر الثياب، من أكسية الملوك، وتباع بأغلى الأثمان.
u فصل: إشكالية الحديث في (مناقب)
أبي سفيان المزعومة
والآن نتفرغ لما وعدنا من
معالجة إشكالية الحديث في «مناقب» أبي سفيان، وذلك بقصد تبرئة ساحة الإمام عكرمة بن
عمار، رحمه الله:
v قال مسلم:
حدثني عباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن جعفر المعقري قالا حدثنا النضر وهو ابن
محمد اليمامي حدثنا عكرمة حدثنا أبو زميل حدثني ابن عباس قال: [كان المسلمون لا
ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا نبي الله:
ثلاث أعطنيهن؟!)، قال: «نعم!»، قال: (عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي
سفيان أزوجكها؟!)، قال: «نعم!»، قال: (ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك؟!)، قال:
«نعم»، قال: (وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟!)، قال: «نعم!»].
قال أبو زميل: (ولولا أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك، لأنه
لم يكن يسأل شيئا إلا قال: «نعم»).
v وجاء في «سنن البيهقي
الكبرى»
مع تعقيب جيد للإمام البيهقي: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو عبد الله
الصفار حدثنا أحمد بن محمد البرتي حدثنا موسى بن مسعود حدثنا عكرمة بن عمار (ح)
وأخبرنا أبو عبد الله أنبأ أبو عبد الله بن يعقوب وأبو عمرو الفقيه قالا حدثنا عبد
الله بن محمد حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري وأحمد بن يوسف قالا: حدثنا النضر
بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا أبو زميل حدثني بن عباس رضي الله تعالى عنه
قال: ( كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله
عليه وسلم يا نبي الله ثلاث أعطيتهن قال نعم قال عندي أحسن العرب وأجملهن أم حبيبة
بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم قال
وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال نعم)، قال أبو زميل: (ولولا
أنه طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا
قال نعم ). وقال البيهقي معقباً: (رواه مسلم في الصحيح عن عباس بن عبد العظيم
وأحمد بن جعفر فهذا أحد ما اختلف البخاري ومسلم فيه فأخرجه مسلم بن الحجاج وتركه
البخاري وكان لا يحتج في كتابه الصحيح بعكرمة بن عمار وقال لم يكن عنده كتاب
فاضطرب حديثه قال الشيخ رحمه الله وهذا الحديث في قصة أم حبيبة رضي الله تعالى
عنها، قد أجمع أهل المغاري على خلافه: فإنهم لم يختلفوا في أن تزويج أم حبيبة رضي الله
تعالى عنها كان قبل رجوع جعفر بن أبي طالب وأصحابه من أرض الحبشة وإنما رجعوا زمن
خيبر فتزويج أم حبيبة كان قبله وإسلام أبي سفيان بن حرب كان زمن الفتح أي فتح مكة
بعد نكاحها بسنتين أو ثلاث فكيف يصح أن يكون تزويجها بمسألته؟!)، ثم حاول البيهقي
حل الإشكالية فقال: (وإن كانت مسألته الأولى إياه وقعت في بعض خرجاته إلى المدينة
وهو كافر حين سمع نعي زوج أم حبيبة بأرض الحبشة، والمسألة الثانية والثالثة وقعتا
بعد إسلامه؟! لا يحتمل إن كان الحديث محفوظا إلا ذلك، والله تعالى أعلم).
والمشكلة الكبرى هنا، كما
لاحظ الإمام البيهقي، هي في القول المنسوب إلى أبي سفيان: (عندي أحسن العرب وأجمله
أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها؟!)، مع أن إجماع أهل المغازي (كما يقوله البيهقي،
وسيأتي قريباً) على أن تزويج أم حبيبة للنبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله،
إنما كان وهي بالحبشة قبيل قدوم جعفر وأصحابه يوم خيبر، في حين أن أبا سفيان لم
يسلم إلا يوم فتح مكة. وقد حاول بعض من يجهل حقيقة كيفية رواية السيرة رد ذلك بزعم
أن الأحاديث الصحاح أولى بالتقديم على ما يرويه أهل السير، وقليل منه مسند، ولكن
أكثره مراسيل! هذا هكذا بعمومه باطل، لأن إجماع أهل السير على رواية الخبر أو
الواقعة معينة دليل على تلقيهم ذلك بالتواتر. فضلاً على كون هذا خاصة في هذه
المسألة ها هنا باطلاً، لأن خبر تزويج أم حبيبة ثبت عنها نفسها، وهي صاحبة الشأن،
وعن غيرها بأصح أسانيد الدنيا، فلا تقدم عليه هذه الرواية المنكرة، كما هو مفصل في
الفصل الآتي المعنون: «تزويج أم حبيبة إلى النبي، صلى الله عليه وعلى
آله وسلم».
قلت: محاولة البيهقي لحل
الإشكالية غير مقنعة، بل هي مناقضة لما تواتر من وجود حالة الحرب بين أبي سفيان
والمسلمين، وأنه ما جاء إلى المدينة إلا على رأس جيش للقتال أو في الهدنة في
محاولة تجديد صلح الحديبية الذي نقضه حلفاء قريش بعدوانهم على خزاعة، وكانت أم
حبيبة آنذاك في عصمة النبي، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.
على كل فالطريقة الصحيحة
هي تقصي الروايات والأسانيد أولا، ثم النظر في المتن المستنكر لحل إشكالياته
ثانياً، وقد سبق الكلام عن عكرمة بن عمار، أما أبو زميل، فهو سماك بن الوليد
الحنفي، يمامي تابعي، ثقة بإجماعهم، أخرج له مسلم والجماعة، وقال ابن حبان في
مشاهير علماء الأمصار: (كان متقنا ثبتا قدم البصرة فحدثهم بها فكتب عنه
العراقيون).
v ولم ينفرد مسلم
بالحديث، فقد أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» بنفس الإسناد واللفظ، ما
عدا كلام أبي زميل: حدثنا العباس بن عبد العظيم أخبرنا النضر بن محمد أخبرنا عكرمة
بن عمار أخبرنا أبو زميل أخبرنا بن عباس بمثله.
v وهو كذلك في «المعجم الكبير»: حدثنا محمد بن محمد
الجذوعي حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا النضر بن محمد الجرشي حدثنا
عكرمة بن عمار حدثنا أبو زميل حدثني بن عباس بمثله. ومن طريق أخرى: حدثنا عبدان بن
أحمد حدثنا العباس بن عبد العظيم العنبري حدثنا النضر بن محمد حدثنا عكرمة بن عمار
حدثنا أبو زميل حدثنا بن عباس بمثله.
v ولم ينفرد به
العباس بن عبد العظيم العنبري، وهو ثقة حافظ، وأحمد بن جعفر المعقري، وهو مقبول،
ففي «صحيح ابن حبان»: [أخبرنا أحمد بن محمد الشرقى حدثنا أحمد بن يوسف السلمي حدثنا النضر بن
محمد حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا أبو زميل سماك الحنفي عن بن عباس بمثله]. وأحمد بن
يوسف بن خالد السلمي، هو شيخ مسلم، أبو الحسن الأزدي النيسلبوري، الحافظ الجوال،
الملقب بحمدان، وهو ثقة حافظ مشهور.
v ولم ينفرد به
النضر بن محمد، فقد تابعه موسى بن مسعود شيخ البخاري (وهو صدوق لكنه سيء الحفظ،
وكان يصحف، لكنه حفظ وضبط هاهنا كما هو بيِّن من السياق)، كما هو في «سنن البيهقي
الكبرى»،
وقد سلف ذكرها في أول الفصل.
ولكن هناك طريق
ملفتة للنظر وهي:
v كما جاءت في «المعجم الكبير»: [حدثنا علي بن سعيد
الرازي حدثنا عمر بن خلف بن إسحاق بن مرسال الخثعمي حدثني عمي إسماعيل بن مرسال عن
أبي زميل الحنفي حدثني بن عباس بمثله]
ــ علي بن سعيد الرازي، هو
علي بن سعيد بن بشير بن مهران، أبو الحسن الرازي، الملقب (عليك)، نزيل مصر
ومحدثها، مات سنة سبع وتسعين ومائتين، وقيل تسع وتسعين. قال الذهبي في التذكرة:
(الحافظ البارع)، وقال الحافظ في اللسان: (حافظ رحال جوال)، وقال حمزة السهمي سألت
الدارقطني عنه فقال: (لم يكن في دينه بذاك، سمعت بمصر انه كان والى قرية فإذا
مطلوه الخراج جمع خنازيرهم في المسجد!!) قلت: فيكف هو في الحديث؟! قال: (حدث بأحاديث
لم يتابع عليها)، وقال بن يونس: (كان يفهم ويحفظ)، وقال أيضا: (تكلموا فيه). وحكى
حمزة بن محمد الكتاني أن عبدان بن أحمد الجواليقي كان يعظمه. وقال مسلمة بن قاسم:
(يعرف بعليك، وكان ثقة، عالما بالحديث، حدثني عنه غير واحد). وقال الحافظ
في اللسان محاولا تلخيص حاله: (لعل كلامهم فيه من جهة دخوله في أعمال السلطان).
قلت: وهذا هو الأرجح، إن
شاء الله تعالى، وهو على كل حال غير متهم بكذب، أو سرقة حديث، أو قلب أسانيد، وهذا
هو الذي يهمنا هنا، أما تفرده بأحاديث لم يتابع عليها، فليس ذلك بمستبعد ممن اتسعت
رحلته، وكانت له مكانة عند السلطان تمكنه من أشياء لا يقدر عليها غيره، والوصول
إلى رجال لا يصل إليهم غيره!
ــ أما عمر بن خلف بن
إسحاق بن مرسال الخثعمي فهو شبه مجهول، قال في «لسان الميزان»: [عمر بن خلف بن عبد
الوهاب (؟!) بن إسماعيل بن مرسال الخثعمي روى عنه يعقوب بن إسحاق العسقلاني. قال
مسلمة: (مجهول)].
قلت: هذا تصحيف، وإنما هو:
عمر بن خلف بن إسحاق بن مرسال عن عمه إسماعيل بن مرسال، ولم ينفرد يعقوب بن إسحاق
العسقلاني، وهو متهم، عنه بالرواية، بل روي عنه أبو الحسن علي بن سعيد بن بشير بن
مهران الرازي الحافظ، وهو ليس بمتهم، كما أسلفنا، وإن كان فيه كلام. ولم نجد لعمر
بن خلف هذا عن عمه سوى حديثين توبع عليهما: حديث الإمام مسلم محل البحث والتمحيص،
وحديث آخر في سنن الدارقطني، وهو الآتي:
v كما جاء في «سنن الدارقطني»: [حدثنا محمد بن أحمد بن
عمرو بن عبد الخالق حدثنا علي بن سعيد الرازي حدثنا عمرو بن خلف بن إسحاق بن مرسال
الخثعمي حدثنا أبي حدثنا عمي إسماعيل بن مرسال حدثنا محمد بن المنكدر عن جابر بن
عبد الله قال: (صنع رجل من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، طعاما فدعا
النبي، صلى الله عليه وسلم، وأصحاباً له فلما أتى بالطعام تنحى أحدهم فقال له
النبي، صلى الله عليه وسلم: «مالك؟!»، قال: (إني صائم!)، فقال له النبي، صلى الله
عليه وسلم: «تكلف لك أخوك، وصنع، ثم تقول: إني صائم؟! كل وصم يوما مكانه!».
وليس هذا المتن
بمنكر فقد جاء:
v في «مسند أبي داود
الطيالسي»: حدثنا محمد بن أبي حميد عن إبراهيم بن عبيد بن رفاعة الزرقي عن أبي سعيد
قال: (صنع رجل طعاما ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال رجل: (اني
صائم)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخوك صنع طعاما ودعاك؟! أفطر واقض
مكانه»، وأخرجه البيهقي من طريق أبي داود الطيالسي، وقال: ورواه بن أبي فديك عن بن
أبي حميد وزاد فيه: «أن أحببت، (يعني القضاء)»، وابن أبي حميد يقال له محمد ويقال
حماد وهو ضعيف.
v وأخرجه
الدارقطني من غير طريق الطيالسي: [حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد الزعفراني حدثنا
أحمد بن محمد بن سوادة حدثنا حماد بن خالد عن محمد بن أبي حميد عن إبراهيم بن عبيد
قال: (صنع أبو سعيد الخدري طعاما فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فقال رجل
من القوم إني صائم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع لك أخوك وتكلف لك
أخوك أفطر وصم يوما مكانه»)]. وقال الدارقطني: هذا مرسل.
v وجاء في «سنن البيهقي
الكبرى»:
[أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن قتادة الأنصاري أنبأ أبو حاتم بن أبي الفضل
الهروي حدثنا محمد بن عبد الرحمن السامي أنبأ إسماعيل بن أبي أويس حدثنا أبو أويس
عن محمد بن المنكدر عن أبي سعيد الخدري أنه قال: (صنعت لرسول الله، صلى الله عليه
وسلم، طعاما فأتاني هو وأصحابه فلما وضع الطعام قال رجل من القوم إني صائم فقال
رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «دعاكم أخوكم وتكلف لكم؟!»، ثم قال له: «أفطر وصم
مكانه يوما، إن شئت»).
فالحديث له أصل، ولا شك،
ولعل رواية إسماعيل بن مرسال الخثعمي أولى بالقبول لأن محمد بن المنكدر معروف
بالرواية عن جابر، وقد صرح بالسماع منه كما هو في صحيح البخاري، أما صانع الطعام
فهو أبو سعيد الخدري رضي الله عنه، لذلك جاءت الروايات الأخرى عنه.
فإسناد الطبراني لحديث
مسلم موضع النزاع: حدثنا علي بن سعيد الرازي حدثنا عمر بن خلف بن إسحاق بن مرسال
الخثعمي حدثني عمي إسماعيل بن مرسال عن أبي زميل الحنفي حدثني بن عباس، وإن كان لا
تقوم به حجة بمفرده لما ذكرناه، غير أننا لا نريد الاحتجاج به لصحة أو ضعف الحديث
وإنما لدفع التهمة عن عكرمة بن عمار، ولعله يكفي لهذا الغرض. فإن كان الأمر كذلك،
وكان أبو زميل متقن ثبت، وعبد الله بن عباس من باب أولى فوق الشبهات قطعاً، فكيف
إذن يحل الإشكال؟!
الحل الذي نتبناه، بعد طول
تأمل، واستخارة لله عز وجل، أن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، وهو من رجالات
الدولة في دولة إمام الهدى علي بن أبي طالب، رضوان الله وسلانه عليه، وقد قاتل معه
الفئة الباغية، لم يكن يحدث بهذا الحديث الذي قد يفهمه من لم يرزقه الله عقلاً أو
فقهاً أنه من مناقب أبي سفيان (وهو ليس كذلك كما سنبينه). ولكن الظاهر أنه حدث به
مرة واحدة، أو مراراً قليلة في آخر حياته، بعد كارثة الحرة، واجتماع الناس على
أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما، وخروج مروان بن الحكم، وولده،
البغاة الفسقة في الشام. فلعل سب بني أمية عامة، وآل أبي سفيان خاصة كان قد كثر
آنذاك، وربما كان من ذلك شيء في حلق درس الإمام ابن عباس، وهو ما يتأذى منه
الصالحون من طلبة العلم من بني أمية وذوي رحمهم في حلقته، فأراد ابن عباس أن يلقن
التلاميذ في حلقته درساً في كيفية التعامل الشرعي المؤدب مع الخصوم من خلال تأمل
كيفية تعامل سيد ولد آدم، أبي القاسم محمد، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى
آله، مع عدوه اللدود الأسبق، الذي كان هو وأهل بيته السبب المباشر وراء قتل حمزة
بن عبد المطلب، وغيره من شهداء أحد، رضوان الله عليهم.
لذلك، أي لعدم تكرار ابن
عباس للحديث، وهم أبو زميل في بعض لفظه، فأصبح بالصورة المنكرة التي وردت في صحيح
مسلم. ولعل أصل الحديث كان كالتالي:
[كان المسلمون
لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه، فقال للنبي، صلى الله عليه وسلم: (يا نبي
الله: ثلاث أعطيتهن؟!)، قال: «نعم!»، قال: (بنتي، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أحسن
العرب وأجمله تزوجتَها؟!)، قال: «نعم!»، قال: (ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك؟!)،
قال: «نعم»، قال: (وتؤمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين؟!)، قال:
«نعم!»].
هذا التغيير الطفيف يكفي
لرفع الإشكال. فبدلاً من لفظة: (أَعطنيهن)، عند مسلم، بصيغة الطلب، يكون اللفظ:
(أُعطيتهن) بصيغة الماضي المبني للمجهول، وهي في الأصل للخبر عن الماضي، وتصلح -
مجازاً - للتعبير عن الطلب الملح، مع الرجاء القوي في الإجابة (وهذا هو بعينه لفظ
رواية البيهقي!). ثم بدأ أبو سفيان بذكر كون ابنته، أم حبيبة رضي الله عنها، عند
رسول الله زوجة له، وهي من أجمل نساء العرب وأكثرهن حسناً، وذلك على وجه الاستشفاع
بتلك المكانة الخاصة الرفيعة. فالأصل الصحيح، والله أعلم، كان خبراً وهم أبو زميل
فجعله طلباً، كما هو في روايته عند مسلم وغيره.
ثم طلب أن يكون معاوية،
كاتباً عند رسول الله، فأجابه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بنعم. وقد كان ذلك
فعلاً كما هو ثابت من روايات كثيرة عند ابن سعد في «الطبقات الكبرى» تنص كلها في ختام الكثير
مما كتبه النبي، صلى الله عليه وسلم، من رسائل وعهود وإقطاعات وغيره على أنه كتبه
معاوية بن أبي سفيان.
ويحتمل كذلك أن معاوية كان
كاتباً بالفعل عند النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قبل صدور هذا الكلام من
أبي سفيان، فتكون الجملة خبرية في الأصل، وليست طلباً، هكذا: (ومعاوية جعلته
كاتبا بين يديك؟!)، ولكن بعض الرواة وهم فجعلها طلباً.
وأما الثالثة وهي طلب أبي
سفيان تأميره لقتال الكفار كما كان يقاتل المسلمين، فليس فيها كبير إشكال، وإن كان
الإمام الكبير الحجة أبو محمد علي بن حزم اعترض حتى على هذه، حيث قال:
v كما جاء في «الإحكام في أصول
الأحكام لابن حزم»، (ج: 6 ص: 198) مفصلاً: [قال أبو محمد: وقبل كل شيء فهذا اللفظ إنما روي من
هذه الطريق وفيها عكرمة بن عمار وهو منكر الحديث جدا وقد روينا من طريقه حديثا
موضوعا مكذوبا من طريق هذا الإسناد نفسه عكرمة بن عمار عن سماك أبي زميل عن ابن
عباس وهكذا لا شك فيه ليس في سنده أحد متهم غيره، وهذا الحديث الذي فيه أن أبا
سفيان بن حرب بعد إسلامه كان المسلمون يجتنبونه وأنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم
أن يتزوج ابنته أم حبيبة وأن يستكتب ابنه معاوية وأن يستعمله يعني نفسه ويوليه.
قال أبو محمد وهذا هو الكذب البحت لأن نكاح رسول الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة
كان وهي بأرض الحبشة مهاجرة وأبو سفيان كان بمكة قبل الفتح بمدة طويلة ولم يسلم
أبو سفيان إلا ليلة يوم الفتح. ولأن الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قوله إنا لا
نستعمل على عملنا من أراده روينا ذلك من طريق أبي موسى الأشعري فظهر كذب رواية
عكرمة بن عمار بيقين لا إشكال فيه ولا يخلو ضرورة هذا الخبر من أن عكرمة بن عمار
وضعه أو أخذه عن كذاب وضعه فدلسه هو إلى أبي زميل وكلتاهما مسقطة لعدالته مبطلة
لروايته]
v وكما جاء في «المحلى»، (ج: 2 ص: 32) مجملاً:
[وأما خبر عائشة رضي الله عنها فساقط لأنه من طريق عكرمة بن عمار عن عبد الله بن
عبيد بن عمير أن عائشة، وعكرمة ساقط وقد وجدنا عنه حديثا موضوعا في نكاح رسول الله
صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بعد فتح مكة]
فأما الاعتراض بأنه، صلى
الله عليه وعلى آله وسلم، قال للأشعريين: «إنا لا نولي هذا الأمر
من طلبه، أو حرص عليه»، أو كما قال، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فليس بمستقيم،
لأن الرجلين الأشعريين طلبا الإمارة بحرص وجشع ظاهر، لا تعبداً لله بها، كما هو
الواجب، ولكن حباً في العلو والسلطة أو ما يترتب على السلطة من متعة، ومال، ومكانة
وجاه، وغيره من حطام الدنيا، مع عدم الأهليه، وقلة السابقة في الإسلام. وقد سأل
أبو ذر، رضي الله عنه، الإمارة، فلم يقل له، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، شيئاً
من ذلك، وإنما بين له أنه لا يتحلى بصفات الأمارة لضعفه عن متطلباتها، ونصحه بعدم
التأمر أبداً، ولا بتولي مال يتيم. وطلب أبي سفيان هنا هو لقتال الكفار، وللتكفير
عما سلف من قتال المسلمين، وهذا مطلب شرعي جميل، لا غبار عليه، فضلاً على كون أبي
سفيان زعيم وقائد مجرب، له سهم وافر من الحنكة والدهاء. ونحن نعلم أنه، صلى الله
عليه وعلى آله وسلم، بعث أبا سفيان على الزكاة مصدقاً، ولم نجد أنه أمَّره لقتال،
فإما أن يكون قد فعل وفاتنا الاطلاع عليه، أو أن يكون النبي، صلى الله عليه وعلى
آله وسلم، قبض قبل أن تتهيء فرصة لذلك.
والحديث واضح في أن ذلك
كله إنما كان من حسن معاملته، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتجمله مع أعدائه
السابقين، ومع الناس عامة، وصفحه عنهم، وليس لفضيلة أو منقبة خاصة لأبي سفيان، ولو
لم يطلبه أبو سفيان، مستشفعاً بمكانة ابنته الرفيعة، لما أعطاه النبي، صلى الله
عليه وعلى آله وسلم، ذلك ابتداءً، لذلك عقب أبو زميل، رحمه الله، بحق قائلاً: (ولولا أنه طلب
ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال:
«نعم»).
وقد يقول قائل: إن هذا كله
رجم بالغيب، لا برهان عليه! فنقول: نعم، هو كذلك، ولكنه أعدل من اتهام عكرمة ابن
عمار أو أبي زميل بالوضع أو التدليس المتعمد عن غير ثقة وإسقاط عدالة واحد منهم.
كما أنه منسجم مع كافة الوقائع التاريخية والروايات الصحيحة، مع الاقتصار على أقل
قدر من تغيير اللفظ المروي، وبما تقتضيه الضرورة فقط.
وقد استشكل الأئمة هذا
الحديث، وحاولوا جاهدين حل الإشكالية، في مثل:
v ما قاله الإمام
ابن كثير في «البداية والنهاية» ((السيرة) ج: 4 ص: 144): [لكن قال
الحافظ البيهقي ذكر أبو عبد الله ابن منده أن تزويجه عليه السلام بام حبيبة كان في
سنة ست وان تزويجه بأم سلمة كان في سنة أربع قلت وكذا قال خليفة وأبو عبيد الله
معمر بن المثنى وابن البرقي وان تزويج أم حبيبة كان في سنة ست وقال بعض الناس سنة
سبع قال البيهقي هو أشبه قلت قد تقدم تزويجه عليه السلام بام سلمة في أواخر سنة
أربع وأما أم حبيبة فيحتمل أن يكون قبل ذلك ويحتمل أن يكون بعده وكونه بعد الخندق
أشبه لما تقدم من ذكر عمرو بن العاص أنه رأى عمرو بن أمية عند النجاشي فهو في
قضيتها والله أعلم وقد حكى الحافظ ابن الاثير في الغابة عن قتادة أن أم حبيبة لما
هاجرت من الحبشة الى المدينة خطبها رسول الله وتزوجها وحكي عن بعضهم أنه تزوجها
بعد اسلام أبيها بعد الفتح واحتج هذا القائل بما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار
اليماني عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس أن أبا سفيان قال يا رسول الله
ثلاث أعطنيهن قال نعم قال تؤمرني على أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين قال
نعم قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم قال وعندي أحسن العرب واجمله أم
حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها الحديث بتمامه قال ابن الاثير: "وهذا الحديث مما
أنكر على مسلم لان أبا سفيان لما جاء يجدد العقد قبل الفتح دخل على ابنته أم حبيبة
فثنت عنه فراش النبي فقال والله ما أدري أرغبت بي عنه أو به عني قالت بل هذا فراش
رسول الله وأنت رجل مشرك فقال والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر". وقال ابن
حزم هذا الحديث وضعه عكرمة بن عمار وهذا القول منه لا يتابع عليه. وقال آخرون اراد
أن يجدد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه وقال بعضهم لانه اعتقد انفساخ
نكاح ابنته باسلامه وهذه كلها ضعيفة والاحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته
الاخرى مرة لما رأى في ذلك من الشرف له واستعان باختها أم حبيبة كما في الصحيحين
وانما وهم الراوي في تسميته أم حبيبة وقد اوردنا لذلك خبرا مفردا].
قلت: وهذا المخرج لا خير
فيه أيضاً، لأن الجمع بين الأختين حرام. فحتى لو جهل أبو سفيان ذلك، وجهلته أم
حبيبية، فمن المحال الممتنع أن ينعم النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على ذلك
قائلاً: «نعم»
v وجاء نحو ذلك
في «الفصول في اختصار سيرة الرسول»، (ج: 1 ص: 221 وما بعدها): [وفي هذه السنة وقيل في التي
قبلها سنة ست تزوج ام حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية بن عبد
شمس الاموية خطبها عليه عمرو بن أمية الضمري وكانت بالحبشة وذلك حين توفي عنها
زوجها عبيدالله بن جحش فولي عقدها منه خالد بن سعيد بن العاص وقيل النجاشي والصحيح
الأول ولكن أمهرها النجاشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعمائة دينار وجهزها
وأرسل بها اليه رضي الله عنه فأما ما رواه مسلم في صحيحه من حديث عكرمة بن عمار
اليماني عن أبي زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس أن أبا سفيان لما أسلم قال في
حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم عندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبي
سفيان ازوجكها الحديث فقد استغرب ذلك من مسلم رحمه الله كيف لم يتنبه لهذا لأن أبا
سفيان إنما أسلم ليلة الفتح وقد كانت بعد تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم أم
حبيبة بسنة وأكثر وهذا مما لا خلاف فيه وقد أشكل هذا على كثير من العلماء فأما ابن
حزم فزعم أنه موضوع وضعف عكرمة بن عمار ولم يقل هذا أحد قبله ولا بعده وأما محمد
بن طاهر القدسي فقال أراد أبو سفيان أن يجدد العقد لئلا يكون تزوجها بغير إذنه
غضاضة عليه أو أنه توهم أن بإسلامه ينفسخ نكاح ابنته وتبعه على هذا أبو عمرو بن
الصلاح وأبو زكريا النووي في شرح مسلم وهذا بعيد جدا فإنه لو كان كذلك لم يقل عندي
أحسن العرب وأجمله إذ رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ سنة فأكثر وتوهم فسخ
نكاحها بإسلامه بعيد جدا والصحيح في هذا آن أبا سفيان لما رأى صهر رسول الله صلى
الله عليه وسلم مشرفا أحب أن يزوجه ابنته الأخرى وهي عزة واستعان على ذلك بأختها
أم حبيبة كما أخرجا في الصحيحين عن أم حبيبة أنها قالت يا رسول الله صلى الله عليه
وسلم انكح أختي بنت أبي سفيان قال أو تحبين ذلك قالت نعم الحديث وفي صحيح مسلم
أنها قالت يا رسول الله انكح أختي عزة بنت أبي سفيان الحديث وعلى هذا فيصح الحديث
الاول ويكون قد وقع الوهم من بعض الرواة في قوله وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة
وإنما قال عزة فاشتبه على الراوي او أنه قال الشيخ يعني ابنته فتوهم السامع أنها
أم حبيبة إذ لم يعرف سواها ولهذا النوع من الغلط شواهد كثيرة قد أفردت سرد ذلك في
جزء مفرد لهذا الحديث ولله الحمد والمنة].
قلت: كل تلك
المخارج من الإشكالية لا تنتج شيئاً.
v لهذا قال
الإمام ابن القيم في (حاشية ابن القيم، ج: 6 ص: 75): (وقد روى مسلم في
الصحيح من حديث عكرمة بن عمار عن ابن عباس قال كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي
سفيان ولا يقاعدونه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم يانبي الله ثلاث أعطيتهن قال
نعم قال عندي أحسن العرب وأجملها أم حبيبة بنت أبي سفيان أزوجكها قال نعم قال
ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك قال نعم قال وتأمرني حتى أقاتل الكفار كما كنت أقاتل
المسلمين قال نعم وقد رد هذا الحديث جماعة من الحفاظ وعدوه من الأغلاط في كتاب
مسلم قال ابن حزم هذا حديث موضوع لا شك في وضعه والآفة فيه من عكرمة بن عمار فإنه
لم يختلف في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها قبل الفتح بدهر وأبوها كافر
وقال أبو الفرج بن الجوزي في كتاب الكشف له هذا الحديث وهم من بعض الرواة لا شك
فيه ولا تردد وقد اتهموا به عكرمة بن عمار راويه وقد ضعف أحاديثه يحيى بن سعيد
الأنصاري وقال ليست بصحاح وكذلك قال أحمد بن حنبل هي أحاديث ضعاف وكذلك لم يخرج
عنه البخاري إنما أخرج عنه مسلم لقول يحيى بن معين ثقة. قال وإنما قلنا إن هذا وهم
لأن أهل التاريخ أجمعوا على أن أم حبيبة كانت تحت عبيد الله بن جحش وولدت له وهاجر
بها وهما مسلمان إلى أرض الحبشة ثم تنصر وثبتت أم حبيبة على دينها فبعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي يخطبها عليه فزوجه إياها وأصدقها عن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أربعة آلاف درهم وذلك سنة سبع من الهجرة وجاء أبو سفيان في زمن
الهدنة فدخل عليها فنحت بساط رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لا يجلس عليه ولا
خلاف أن أبا سفيان ومعاوية أسلما في فتح مكة سنة ثمان ولا يعرف أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم أمر أبا سفيان. وقد تكلف أقوام تأويلات فاسدة لتصحيح الحديث: كقول بعضهم إنه سأله
تجديد النكاح عليها وقول بعضهم إنه ظن أن النكاح بغير إذنه وتزويجه غير تام فسأل
رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه إياها نكاحا تاما فسلم له النبي صلى الله
عليه وسلم حاله وطيب قلبه بإجابته وقول بعضهم إنه ظن أن التخيير كان طلاقا فسأل
رجعتها وابتداء النكاح عليها وقول بعضهم إنه استشعر كراهة النبي صلى الله عليه
وسلم لها وأراد بلفظ التزويج استدامة نكاحها لا ابتداءه وقول بعضهم يحتمل أن يكون
وقع طلاق فسأل تجديد النكاح وقول بعضهم يحتمل أن يكون أبو سفيان قال ذلك قبل
إسلامه كالمشترط له في إسلامه ويكون التقدير ثلاث إن أسلمت تعطينيهن وعلى هذا
اعتمد المحب الطبري في جواباته للمسائل الواردة عليه وطول في تقريره. وقال بعضهم
إنما سأله أن يزوجه ابنته الأخرى وهي أختها وخفي عليه تحريم الجمع بين الأختين
لقرب عهده بالإسلام فقد خفي ذلك على ابنته أم حبيبة حتى سألت رسول الله صلى الله
عليه وسلم ذلك وغلط الراوي في اسمها.
وهذه التأويلات في غاية
الفساد والبطلان وأئمة الحديث والعلم لا يرضون بأمثالها ولا يصححون أغلاط الرواة
بمثل هذه الخيالات الفاسدة والتأويلات الباردة التي يكفي في العلم بفسادها تصورها
وتأمل الحديث. وهذا التأويل الأخير وإن كان في الظاهر أقل فسادا فهو
أكذبها وأبطلها وصريح الحديث يرده فإنه قال أم حبيبة أزوجكها قال نعم فلو كان
المسؤول تزويج أختها لما أنعم له بذلك صلى الله عليه وسلم فالحديث غلط لا ينبغي
التردد فيه والله أعلم] انتهى كلام الإمام ابن القيم، وهو كلام قيم جداً،
فتأمّلْه!
فأقول: إذا صح كلام الإمام
المحقق الكبير ابن القيم، وهو صحيح بلا ريب، فقد سقط هذا الحديث بصورته التي جاءت
في «صحيح مسلم» عن مرتبة الاحتجاج. وغايته أن يكون أصله كما أسلفنا، وتكون إجابات النبي،
صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بـ«نعم»، إنما هي من باب المجاملة المستحسنة، والمداراة
المشروعة، لتأليف القلوب، وانتزاع غل الصدور، وإذهاب العداوات، كما قاله أبو زميل،
رحمه الله معفباً على الحديث كما هو نصاً في «صحيح مسلم»: (ولولا أنه طلب
ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم ما أعطاه ذلك، لأنه لم يكن يسأل شيئا إلا قال:
«نعم»).،
فلبيس هو من باب الفضائل في صدر ولا ورد.
وحتى قولته صلى الله عليه
وعلى آله وسلم: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن»، ليس فيها شئ من الفضائل، وإنما
جاء أيضاً من باب المجاملة المستحسنة، والمداراة المشروعة، لرجل يحب الفخر، وليس
حب الفخر من الصفات الحميدة:
v كما هو مثلاً
في «الآحاد والمثاني»، (ج: 1 ص: 364): [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا يحيى بن آدم أخبرنا عبد
الله بن إدريس عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله عن عبد الله بن عباس أن
العباس أتى النبي بأبي سفيان بمر الظهران فقال: (يا رسول الله إن أبا سفيان رجل
يحب الفخر فأجعل له منه شيئا)، فقال رسول الله: «من دخل دار أبي سفيان
فهو آمن»]
وقد أطلنا البحث في هذا
لمقصد رئيس واحد، ألا وهو توثيق الإمام الفاضل عكرمة بن عمار، رحمه الله، ودفع
تهمة الكذب الشنيعة التي زلت قدم الإمام الحجة الكبير أبي محمد على بن حزم بها.
أما فضائل أبي سفيان المزعومة فليست هي مما يهمنا، ولا مما يشغل بالنا، ولكننا
خفنا من عدم براءة الذمة فيما بيننا وبين الله لو ذكرنا الحديث، من غير بيان أنه
ليس من باب الفضائل أصلاً، خلافاً لما قد يزعمه بعض التافهين، ممن تسطح فكره، أو
بعض الدجاجلة، ممن خبثت سريرته، وما أكثرهم من الصنفين، لا كثرهم الله!
u فصل: «تزويج أم حبيبة إلى النبي،
صلى الله عليه وسلم»
يجب القطع بأن تزويج أم
حبيبة إلى رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، إنما كان بأرض الحبشة، قبل
عودة جعفر وصحبه منها، وقبل إسلام أبيها، أبي سفيان صخر بن حرب، بزمن طويل.
وهوالثابت بالتواتر عند أهل السير، وقد أوردنا طرفاً من ذلك في ما سبق من نقول من:
«البداية والنهاية» ((السيرة)، للإمام ابن كثير، ومن «الفصول في
اختصار سيرة الرسول»، وسيأتي قريباً بعض ذلك من غير استقصاء، وإلا فالنصوص كثيرة جداً. وهو كذلك
ثابت بالأسانيد الصحيحة على طريقة أهل الحديث المتشددة، ومنها:
v ما جاء في «صحيح ابن حبان» عن عائشة: [أخبرنا بن
خزيمة قال حدثنا محمد بن يحيى الذهلي قال حدثنا سعيد بن كثير بن عفير قال حدثنا
الليث عن بن مسافر عن بن شهاب عن عروة عن عائشة قالت: [هاجر عبيد الله بن جحش بأم
حبيبة بنت أبى سفيان وهي امرأته إلى أرض الحبشة فلما قدم أرض الحبشة مرض فلما حضرته
الوفاة أوصى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوج رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، أم حبيبة، وبعث معها النجاشي شرحبيل بن حسنة]. صححه ابن حبان، وقال الشيخ
شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري، وهو كما قال، وليس هو من شرط مسلم
ببعيد فإنه أخرج لعبد الرحمن بن خالد بن المسافر، وهو صدوق ما به من بأس إطلاقا،
في المتابعات، والحديث صحيح على كل حال.
v وفي «سنن أبي داود» حديث آخر عن أم حبيبة،
نفسها: [حدثنا حجاج بن أبي يعقوب الثقفي حدثنا معلى بن منصور حدثنا بن المبارك
حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات
بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث
بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة]، (قال أبو داود: حسنة هي
أمه)، وهذا كذلك في الصحة غاية، وقال الألباني: صحيح.
ــ وأخرجه النسائي بإسناد
غاية في الصحة فقال: [أخبرنا العباس بن محمد الدوري، قال حدثنا علي بن الحسن بن
شقيق، قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أم
حبيبة أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، تزوَّجها وهي بأرض الحبشة، زوجها النجاشي
وأمهرها أربعة آلاف، وجهزها من عنده، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة، ولم يبعث لها
رسول الله بشيء، وكان مهر نسائه أربعمائة درهم]
ــ وهو كذلك في مسند
الإمام أحمد بن حنبل: [حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن إسحاق حدثنا عبد
الله بن المبارك عن معمر (ح) قال أبي وعلي بن إسحاق: أنبأنا عبد الله أخبرنا معمر
عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة: [انها كانت تحت عبيد الله بن جحش وكان أتى النجاشي
(وقال علي بن إسحاق وكان رحل إلى النجاشي) فمات؛ وان رسول الله صلى الله عليه وسلم
تزوج أم حبيبة وإنها بأرض الحبشة زوجها إياه النجاشي ومهرها أربعة آلاف ثم جهزها
من عنده وبعث بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع شرحبيل بن حسنة وجهازها
كله من عند النجاشي ولم يرسل إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء وكان مهور
أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أربعمائة درهم]. وهذا كذلك إسناد في غاية الصحة.
ــ وأخرج ابن أبي عاصم في «الآحاد
والمثاني»: [حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا يعمر بن بشر أخبرنا بن المبارك عن معمر
عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها: [أنها كانت تحت عبيد الله بن
جحش وكان رحل إلى النجاشي وأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة وأنها بأرض
الحبشة زوجها إياه النجاشي وأمهرها أربعة آلف درهم وجهزها من عنده ثم بعث بها مع
شرحبيل بن حسنة وجهازها كله من عند النجاشي ولم يرسل إليها رسول الله صلى الله
عليه وسلم بشيء وكان مهر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أربع مائة درهم]. وهذا الإسناد
في غاية الصحة كذلك.
ــ وفي «المعجم الكبير»: حدثنا عبيد بن غنام
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة (ح) وحدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا عثمان بن أبي
شيبة قالا: حدثنا يعمر بن بشر حدثنا عبد الله بن المبارك، بمثله.
ــ وفي «سنن البيهقي
الكبرى»:
وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنبأ عبد الله بن جعفر بن درستويه
حدثنا يعقوب بن سفيان حدثنا عبد الله بن عثمان أنبأ عبد الله هو بن المبارك أنبأ
معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أم حبيبة، رضي الله تعالى عنها، أنها كانت
تحت عبيد الله بن جحش وكان رحل إلى النجاشي فمات وأن رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، تزوج أم حبيبة وأنها لبأرض الحبشة زوجها إياه النجاشي ومهرها أربعة آلاف ثم
جهزها من عنده فبعث بها إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، مع شرحبيل بن حسنة
وجهازها كله من عند النجاشي ولم يرسل إليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بشيء
وكان مهور أزواج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أربعمائة درهم.
ــ وفي «المستدرك على
الصحيحين»: [حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه حدثنا أبو بكر محمد بن شاذان
الجوهري حدثنا معلي بن منصور حدثنا بن المبارك أنبأ معمر عن الزهري عن عروة عن أم
حبيبة رضي الله تعالى عنها أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات بأرض الحبشة
فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة آلاف وبعث بها إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم مع شرحبيل بن حسنة]، وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على
شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.
قلت: لم يخرج البخاري
شيئاً لأبي يعلى معلى بن منصور، وهو ثقة اتفاقاً، أما الإسناد فهو في الصحة غاية.
ــ وأخرجه «البيهقي في سننه
الكبرى»
من طريق الحاكم، فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو بكر محمد بن أحمد بن بالويه
به مختصراً.
ــ وفي «سنن الدارقطني»: [أخبرنا أبو بكر
النيسابوري أخبرنا أبو أمية محمد بن إبراهيم أخبرنا معلى بن منصور أخبرنا بن
المبارك أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة أنها كانت تحت عبيد الله بن
جحش فمات بأرض الحبشة فزوجها النجاشي النبي صلى الله عليه وسلم وأمهرها عنه أربعة
آلاف وبعث بها إليه مع شرحبيل بن حسنة. وهذا في الصحة كسابقه.
ــ وفي «سنن أبي داود»: [حدثنا محمد بن يحيى بن
فارس حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن أم حبيبة: (أنها
كانت عند بن جحش فهلك عنها وكان فيمن هاجر إلى أرض الحبشة فزوجها النجاشي رسول
الله صلى الله عليه وسلم، وهى عندهم). هذا إسناد غاية في الصحة، وقال الألباني:
صحيح.
ــ وفي «الآحاد والمثاني»: حدثنا سلمة بن شبيب
أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة رضي الله تعالى عنها
أنها كانت تحت عبيد الله بن جحش فمات عنها وكان ممن هاجر إلى أرض الحبشة فتزوجها
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهي عندهم.
ــ وفي «سنن الدارقطني»: [أخبرنا عبد الله بن
محمد بن زياد أخبرنا أحمد بن منصور أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن
عروة عن أم حبيبة أنها كانت عند عبد الله بن جحش فهلك عنها وكانت ممن هاجر إلى أرض
الحبشة فزوجها النجاشي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عندهم بأرض الحبشة]. قال
أحمد بن منصور بن سيار الرمادي: (كذا قال عبد الرزاق، وإنما هو عبيد الله بن
جحش الذي
مات على النصرانية!)، وهذا كسابقه في الصحة.
v وفي «سنن البيهقي
الكبرى»
حديث ثالث عن عائشة: [أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل ببغداد أنبأ أبو عمر
وعثمان بن أحمد بن عبد الله بن السماك حدثنا محمد بن سليمان حدثني موسى بن إسماعيل
أنبأ بن المبارك عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
[ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من نسائه ولا بناته فوق اثني عشر
أوقية إلا أم حبيبة فإن النجاشي زوجه إياها وأصدقها أربعة الآف ونقد عنه ودخل بها
النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعطها شيئا] قال البيهقي متعجباً: (كذا قال: عن
عائشة؛ ورواه غيره عن بن المبارك فقال عن أم حبيبة).
قلت: آبو سلمة موسى بن
إسماعيل التبوذكي، ثقة ثبت، وهذا حديث يتعلق بمقدار صداق نساء النبي وبناته، فهو
حديث آخر غير حديث أم حبيبة، المتعلق بقصة زواجها في الحبشة كما روتها هي، وكلاهما
حديث مختلف عن الحديث في صحيح ابن حبان، الذي هو رواية عائشة لقصة نكاح أم حبيبة،
كل ذلك أحاديث مختلفة متباينة.
v وقد جاء نحو
هذا من طريق أنس بن مالك في «المعجم الأوسط»، قال الطبراني: [حدثنا أحمد قال
حدثنا يوسف بن عبد الرحمن المروزي قال حدثنا مروان بن محمد بن الطاطري قال حدثنا
سفيان بن عيينة عن سعيد بن بشير عن قتادة عن أنس بن مالك: (أن النجاشي زوج النبي،
صلى الله عليه وسلم، أم حبيبة وأصدق عنه من ماله مائتي دينار)]. قال الطبراني: لم
يرو هذا الحديث عن قتادة إلا سعيد ولا عن سعيد إلا سفيان تفرد بن مروان. قلت:
مروان بن محمد بن حسان، أبو بكر الطاطري الدمشقي ثقة اتفاقا، ولكن سعيد بن بشير
فيه لين، فلعل الوهم في العدد إنما هو منه، لأن الصداق كان أربعمائة دينار، أي ما
يعدل أربعة آلاف درهم، آنذاك، كما في الأحاديث الأخرى!!
فهذه طرق صحاح، بل في غاية
الصحة، إلى أم حبيبة وعائشة، رضي الله عنهما، وطريق أخرى، لا بأس بها، إلى أنس بن
مالك توجب القطع بأن تزويج أم حبيبة إلى رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى
آله، إنما كان بأرض الحبشة، قبل عودة جعفر وصحبه منها، وقبل إسلام أبيها، أبي
سفيان صخر بن حرب، بزمن طويل. وهوالثابت بالتواتر عند أهل السير، وكذلك في عدد من
المراسيل المسندة إلى أرباب المغازي، وإليك طرف منها:
v ففي «المستدرك على
الصحيحين»: [فأخبرني مخلد بن جعفر الباقرحي حدثنا محمد بن جرير الفقيه حدثنا محمد بن
عمر حدثنا إسحاق بن محمد حدثني جعفر بن محمد بن علي عن أبيه قال: بعث رسول الله
صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي يخطب عليه أم حبيبة بنت أبي
سفيان وكانت تحت عبيد الله بن جحش فزوجها إياه وأصدقها النجاشي من عنده عن رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، أربعمائة دينار]
v وفي «سنن البيهقي
الكبرى»:
[أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أحمد بن عبد
الجبار حدثنا يونس بن بكير عن بن إسحاق حدثني أبو جعفر قال: بعث رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان
وساق عنه أربعمائة دينار]
v وفي «المعجم الكبير»: [حدثنا محمد بن عمرو بن
خالد الحراني حدثنا أبي حدثنا بن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة بن الزبير: في تسمية
من هاجر إلى أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب من بني أسد بن خزيمة: عبيد الله بن
جحش بن رئاب مات بأرض الحبشة نصرانيا ومعه أم حبيبة بنت أبي سفيان واسمها رملة
فخلف عليها رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أنكحه إياها عثمان بن عفان بأرض الحبشة
وأم حبيبة أمها صفية بنت أبي العاص أخت عفان بن أبي العاص عمة عثمان بن عفان]
v وفي «الآحاد والمثاني»: [حدثنا محمد بن مصفى
أخبرنا بقية عن أبي بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس: أن أم حبيبة، رضي الله تعالى
عنها، كانت في أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب، رضي الله تعالى عنه، وأن النبي،
صلى الله عليه وسلم، تزوجها وأصدق عنه النجاشي أربع مائة دينار]
ــ وهو في «المعجم الكبير»: [حدثنا إبراهيم بن محمد
بن عرق حدثنا محمد بن مصفى حدثنا بقية حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن عطية بن قيس:
أن أم حبيبة كانت في أرض الحبشة مع جعفر بن أبي طالب وأن النبي، صلى الله عليه
وسلم، تزوجها وأصدق عنه النجاشي أربع مائة دينار]
v وفي «الآحاد والمثاني»: [حدثنا سلمة بن شبيب
أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن بن أبي منيع عن جده عن الزهري قال: تزوج رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن
عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر واسم أم حبيبة، رضي
الله تعالى عنها، رملة. وأنكح رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أم حبيبة عثمان بن
عفان، رضي الله تعالى عنه، من أجل أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أمها صفية بنت أبي
العاص وصفية عمة عثمان أخت عفان لأبيه وأمه وقدم بأم حبيبة على رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، شرحبيل بن حسنة]
v وفي «المستدرك على
الصحيحين»: [أخبرنا محمد بن القاسم بن عبد الرحمن العتكي حدثنا الفضل بن محمد الشعراني
حدثنا نعيم بن حماد حدثنا بن المبارك عن معمر عن الزهري عن عروة: أن النجاشي بعث
أم حبيبة، رضي الله تعالى عنها، إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، مع شرحبيل بن
حسنة.]
v وفي «المستدرك على
الصحيحين»: [أخبرنا أبو عبد الله الأصبهاني حدثنا الحسن بن الجهم حدثنا الحسين بن
الفرج حدثنا محمد بن عمر حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن الزهري قال: (جهز
النجاشي أم حبيبة إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وبعث بها مع شرحبيل بن
حسنة)، قال بن عمر وحدثني عبد الله بن جعفر عن عبد الواحد بن أبي عون قال لما بلغ
أبا سفيان بن حرب نكاح النبي، صلى الله عليه وسلم، ابنته قال: ذاك الفحل لا
يقرع أنفه]
v وفي «المستدرك على
الصحيحين»: [فحدثني أبو عبد الله الأصبهاني حدثنا الحسن بن مصقلة حدثنا الحسين بن الفرج
حدثنا محمد بن عمر قال: وأم حبيبة اسمها رملة بنت أبي سفيان بن حرب وأمها صفية بنت
أبي العاص بن أمية بن عبد شمس عمة عثمان بن عفان تزوجها عبيد الله بن جحش بن رباب
حليف حرب بن أمية فولدت له حبيبة فكنيت بها وتزوج حبيبة داود بن عروة بن مسعود
الثقفي. وقال بن عمر: حدثنا عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو بن سعيد
بن العاص قال: قالت أم حبيبة: (رأيت في المنام كأن عبيد الله بن جحش زوجي بأسوأ
صورة وأشوهه ففزعت، فقلت: تغيرت والله حاله، فإذا هو يقول حين أصبح: يا أم حبيبة
إني نظرت في الدين، فلم أر ديناً خيراً من النصرانية، وكنت قد دنت بها، ثم دخلت في
دين محمد، ثم رجعت إلى النصرانية! فقلت: والله ما خير لك! وأخبرته بالرؤيا التي
رأيت له فلم يحفل بها، وأكب على الخمر، حتى مات. فأرى في النوم كأن آتيا يقول لي:
يا أم المؤمنين! ففزعت وأولتها أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتزوجني. قالت
فما هو إلا أن انقضت عدتي فما شعرت إلا برسول النجاشي على بابي يستأذن فإذا جارية
له يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ودهنه فدخلت علي فقالت إن الملك يقول لك إن
رسول الله، صلى الله عليه وسلم، كتب إلي أن أزوجك فقلت: بشرك الله بخير! وقالت:
يقول لك الملك: وكلي من يزوجك! فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت
أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجليها وخواتيم فضة كانت في أصابع رجليها
سرورا بما بشرتها به فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب ومن هناك من
المسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن
العزيز الجبار الحمد لله حق حمده وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله
وأنه الذي بشر به عيسى بن مريم، صلى الله عليه وسلم، أما بعد فإن رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، كتب إلي أن أزوجه أم حبيبة بنت سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، وقد أصدقتها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير بين يدي
القوم فتكلم خالد بن سعيد فقال الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله
إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله
ولو كره المشركون أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله لرسوله ودفع الدنانير إلى خالد بن
سعيد فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال اجلسوا فإن سنة الأنبياء عليهم الصلاة
والسلام إذا تزوجوا أن يؤكل الطعام على التزويج فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا قالت
أم حبيبة فلما وصل إلي المال أرسلت إلى أبرهة التي بشرتني فقلت لها إني كنت أعطيتك
ما أعطيتك يومئذ ولا مال بيدي وهذه خمسون مثقالا فخذيها فاستعيني بها فأخرجت إلي
حقة فيها جميع ما أعطيتها فردته إلي وقالت عزم علي الملك أن لا أرزأك شيئا وأنا
التي أقوم على ثيابه ودهنه وقد اتبعت دين رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأسلمت
لله وقد أمر الملك نساءه أن يبعثن إليك بكل ما عندهن من العطر فلما كان الغد
جاءتني بعود وورس وعنبر وزباد كثير وقدمت بذلك كله على رسول الله، صلى الله عليه
وسلم، وكان يراه علي وعندي فلا ينكر! ثم قالت أبرهة: فحاجتي إليك أن تقرئي رسول
الله، صلى الله عليه وسلم، مني السلام وتعلميه أني قد اتبعت دينه قالت ثم لطفت بي
وكانت هي التي جهزتني وكانت كلما دخلت علي تقول: لا تنسي حاجتي إليك! قالت فلما
قدمنا على رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أخبرته كيف كانت الخطبة وما فعلت بي
أبرهة فتبسم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وأقرئته منها السلام فقال: «وعليها
السلام ورحمة الله وبركاته».]
قلت: وتولي خالد بن سعيد
بن العاص تزويج أم حبيبة لكونه حاضراً عندها في الحبشة أولى بالصواب من قول من زعم
أن عثمان بن عفان، رضي الله عنه، تولى ذلك في المدينة.
v وفي «الطبقات الكبرى» لابن سعد ترجمة كاملة
لأم حبيبة مع طرف جيد من أخبارها بأحسن أسانيد أهل المغازي والتواريخ منها القصص
آنفة الذكر في «المستدرك» بطولها، ومنها أيضاً: [أخبرنا محمد بن عمر حدثنا محمد بن
عبد الله عن الزهري قال لما قدم أبو سفيان بن حرب المدينة جاء إلى رسول الله، صلى
الله عليه وسلم، وهو يريد غزو مكة فكلمه أن يزيد في هدنة الحديبية فلم يقبل عليه
رسول الله فقام فدخل على ابنته أم حبيبة فلما ذهب ليجلس على فراش النبي، صلى الله
عليه وسلم، طوته دونه! فقال: يا بنية أرغبت بهذا الفراش عني، أم بي عنه؟! فقالت:
بل هو فراش رسول الله وأنت امرؤ نجس مشرك! فقال: يا بنية لقد أصابك بعدي شر!!]
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق