الاثنين، 19 مايو 2014

(كت)28






ملحق: عن تواتر القرآت



ملحق: عن تواتر القرآت
u فصل: هل تشديد التاء في لفظة (اللاتُّ) قراءة متواترة؟!
زعم قوم أن قراءة تشديد التاء في لفظة (اللاتُّ) قراءة متواترة، ومنهم صاحبنا «المتعالم الدعي»، المذكور في صلب الكتاب، مستشهدين بأنها: [قرأ بها رويس عن يعقوب. كما في المستنير لابن سوار (2/805) وبستان الهداة في اختلاف الأئمة والرواة لابن الجندي (1/106) والنشر لابن الجزري (2/379).
ورويس هو أحد راويي يعقوب، وكان إماما في القراءة قيما بها ماهرا ضابطا، وهو من أحذق أصحاب يعقوب توفي بالبصرة سنة ثمان وثلاثين ومائتين. انظر معرفة القراء الكبار للذهبي (1/216).
أما شيخه يعقوب فهو أحد القراء العشرة وكان إماما كبيرا ثقة عالما صالحا دينا، إليه انتهت رياسة القراء بعد أبي عمرو البصري. قال أبو حاتم السجستاني: هو أعلم من رأيت بالحروف والاختلاف في القراءات وعللها ومذاهبها. توفي سنة خمس ومائتين. انظر غاية النهاية (2/386) ومعرفة القراء الكبار (1/157).
وقد ذكر ابن الجزري هذه القراءة في طيبة النشر فقال:
تا اللات شدد غر. وغر هو رمز رويس. انظر الطيبة ص (97).
وقرأ بالتشديد أيضا البزي عن ابن كثير، وهي من طريق اللهبي عن البزي كما في الروضة (1/379). وانظر المصباح (2/1322) والمستنير (2/805).
والبزي كما هو معلوم أحد راويي ابن كثير وابن كثير هو أحد السبعة وانظر تراجمهم في مصادر ترجمة من سبقهم.
وبناء على ما تقدم فقراءة التشديد قراءة ثابتة متواترة]، انتهى كلام صاحبنا «المتعالم الدعي».
ثم حاولوا، ومنهم صاحبنا «المتعالم الدعي»، ممارسة «الإرهاب الفكري» فقالوا: [قال ابن الجزري وهو يتكلم عن القراءات الثابتة: لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين. انظر النشر (1/9). ثم إن ابن الجزري رحمه الله سأل قاضي القضاة عبدالوهاب بن السبكي الشافعي فقال له: (ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في القراءات العشر التي يقرأ بها اليوم هل هي متواترة أو غير متواترة؟ وهل كلما انفرد به واحد من العشرة بحرف من الحروف متواتر أم لا؟ وإذا كانت متواترة فما يجب على من جحدها أو حرفا منها؟)
فأجابه السبكي بخطه قائلا: (الحمد لله، القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة أنها منزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكابر في شئ من ذلك إلا جاهل. وليس تواتر شئ منها مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. ولو كان مع ذلك عاميا جلفا لا يحفظ من القرآن حرفا. وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى ويحزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين، لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شئ منه، والله أعلم. انتهى كلام السبكي رحمه الله. انظر النشر (2/379).]، انتهى كلام صاحبنا «المتعالم الدعي».
ثم احتجوا لزعمهم بتواترها بكلام ابن الجزري، وهو يتكلم عن القراءات الثابتة، حيث قال: [لا يجوز ردها، ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها، سواء كانت عن الأئمة السبعة أم عن العشرة أم عن غيرهم من الأئمة المقبولين] انظر النشر (1/9). ثم إن ابن الجزري، رحمه الله، سأل قاضي القضاة عبدالوهاب بن السبكي الشافعي فقال له: (ما تقول السادة العلماء أئمة الدين في القراءات العشر التي يقرأ بها اليوم هل هي متواترة أو غير متواترة؟ وهل كلما انفرد به واحد من العشرة بحرف من الحروف متواتر أم لا؟ وإذا كانت متواترة فما يجب على من جحدها أو حرفا منها؟)
فأجابه السبكي بخطه قائلا: (الحمد لله، القراءات السبع التي اقتصر عليها الشاطبي، والثلاث التي هي قراءة أبي جعفر وقراءة يعقوب وقراءة خلف متواترة معلومة من الدين بالضرورة أنها منزلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا يكابر في شئ من ذلك إلا جاهل. وليس تواتر شئ منها مقصورا على من قرأ بالروايات، بل هي متواترة عند كل مسلم يقول أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله. ولو كان مع ذلك عاميا جلفا لا يحفظ من القرآن حرفا. وحظ كل مسلم وحقه أن يدين الله تعالى ويحزم نفسه بأن ما ذكرناه متواتر معلوم باليقين، لا تتطرق الظنون ولا الارتياب إلى شئ منه، والله أعلم)، انتهى كلام السبكي رحمه الله كما هو في النشر (2/379)]، انتهى كلام صاحبنا «المتعالم الدعي».
فنقول: هذا غير صحيح فتواتر القراءات، كل واحدة بمفردها على حدة، أمر مختلف فيه، كما يظهر من كلام الطبري، وأبي شامة، ومخالفة ابن الجزري لهما. والظاهر أن الأمر يحتاج إلى تفصيل، فتواتر الأصول (كالمدود والهمزات والإمالات) لا شك فيه، أما فرش الحروف (كما هو ها هنا في اللات بالتخفيف، وهي متواترة، واللاتّ بالتشديد، وهي ليست متواترة) فهو ليس كذلك، وسيأتي تفصيل ذلك فيما بعد.
ومذهب ابن الجزري، رحمه الله، في تواتر القراءات معروف، وقد خالفه علماء كثيرون من أمثال الطبري وأبو شامة، كما أسلفنا، وقد حاول هو ها هنا، عفا الله عنه، في محاولة لـ«الإرهاب الفكري»، أن ينتزع حكماً بـ«التكفير» من قاضي القضاة عبدالوهاب بن السبكي الشافعي، فلم يفلح، واكتفى السبكي بوصف من قال بخلاف ذلك بـ«الجهل». وقاضي القضاة السبكي أمام في الفقه، ولكن ليس هو من أئمة القراءات المحيطين بدقائقها، بل إن ابن الجزري أعلم به منها. وكلام السبكي إنما ينصرف إلى القرآن جملة. هذا هو الذي يعلمه كل أحد، حتى العامي الجلف.
وعلى كل حال فرواية اللهبي عن البزي لا تثبت شيئاً لأن الإمام البزي، رحمه الله، عرف بالشذوذ ومخالفة الجمهور، كما سيأتي. وأما يعقوب فلم يعرف بالتزامه بالتواتر، خلافاً لشيخ شيوخه أبي عمرو بن العلاء الذي كان لا يقرأ إلا بما ثبت عنده عن الكافة.
وقد أسلفنا أن «المتعالم الدعي»، وإخوانه من أدعياء السلفية، أصحاب هوى متلاعبون: ما وافق الهوى من الأحاديث صحيح، ومن القراءات متواتر، وما لم يكن على (المزاج) ففيه نظر، وكر وفر، واستشهاد بكلام (أكثر العلماء)، و(ما ذهب إليه الجمهور)، ..إلخ، كما يشهد به النقل السابق.
والرد على زعمهم تواتر القراءات» بكل موجود في ملحق مستقل، يلي هذا مباشرة، حيث أوردنا نقلاً طويلاً من كتاب (مناهل العرفان) وهو، وإن كان من كتب المتأخرين العصرية، إلا أنه متين الأسلوب، جيد العرض، يشبه كتب المتقدمين في الاستقصاء، وينقل نصوصهم بدقة، وإذا احتاج أن يتصرف في نقولهم قام بذلك بعناية على نحو يظهر منها أن المؤلف ثقة مأمون (والكتاب موجود في بعض برامج الحاسوب مما يسهل الاقتباس)، ونكتفي هنا بمقتطفات منه حسب ما يقتضيه المقام، وبما لا يقطع تسلسل البحث.
هذا النص المنقول يبين شدة الخلاف بين الأئمة الأكابر حول موضوع تواتر القراءات: هل هي متواترة في الجملة، أم أن التواتر يقتصر على الأصول، دون الفرش، أو على الفرش دون الأصول. وهل المدود، والإمالات، وتسهيل الهمزة متواتر أم لا؟! ومذهب الإمام ابن الجزري، رحمه الله، وهو من أئمة القراءات المعدودين هو أنها متواترة (كما هو في النص المنقول في الملحق حيث تجد حجة الإمام ابن الجزري، رحمه الله، مفصلة)، وهو على التحقيق أعلم من قاضي القضاة عبدالوهاب بن السبكي الشافعي بهذا الشأن، لأن ابن السبكي فقيه وأصولي وليس من أئمة الإقراء، وإنما كان سؤاله للحصول على حكم فقهي بتفسيق أو تضليل أو حتى تكفير من قال بخلاف ذلك، كما زعمه البعض، إلا أن السبكي كان أورع وأذكى من أن يقع في مثل ذلك الفخ واكتفى بوصم من قال بذلك بالجهل، لا غير، فتأمل كلامه بدقة.
نعم: مناقشة الإمام ابن الجزري، رحمه الله، قوية جيدة لا أحسب أحداً عنده عقل يستطيع الإفلات منها، ولكنها لم تشمل كل المواضيع محل النزاع فهو قد ناقش الأصول، خصوصاً المدود وتسهيل الهمزات والإمالات، وبعض وجوه الإعراب، وأثبت تواترها، بما لا مزيد عليه إن شاء الله، في ما أحسب، لكنه لم يناقش فرش الحروف (أي الفروق من نوع: مالك، وملك، ننشزها وننشرها، واللاتُ بالتخفيف واللاتُّ بالتشديد، ونحو ذلك) مناقشة مقنعة. وإن كنت غير مصدق فراجع الملحق، أو راجع كتابة: (طيبة النشر)، وغيره.
والظاهر، في حدود علمي، أنه ليس ثمة برهان عام قاطع في حالة فرش الحروف، بخلاف الأصول، ومن كان عنده شئ من ذلك فليتحفنا به، مشكوراً.
ويزداد هذا وضوحاً إذا علمت أن فرش الحروف لا تسري عليه قاعدة عامة، بخلاف الأصول كالمدود والهمزات والإمالات ونحوها. فلا مناص لمن زعم بتواتر شيء من ذلك أن يدرس الروايات والأسانيد لكل حالة بعينها، أما الادعاءات المحضة، والمزاعم المجردة فهي هكذا: مزاعم وادعاءات مجردة رخيصة، يستطيعها كل أحد، وإنما العبرة في الحجة والدليل والبرهان، فقط لا غير، من غير زيادة ولا نقصان!
وها نحن نفعل ذلك بالنسبة لموضوعنا وهو (اللات) هل هي بالتشديد أو التخفيف، فنقول، وبالله التوفيق:
فنقول أولاً أنه من المقطوع به أنه لم ترد إلا هاتان القراءتان مطلقاً:
(1) فمن المحال الممتنع أن تكونا كلاهما باطلتين، هذا خلاف النقل المتواتر، والحجة اليقينية القاطعة في قوله تعالى: }إنا نحن نزلنا الذكر وإتا له لحافظون{، وهذه مقولة كفر، يكفر قائلها بها، ويخرج من الإسلام، إلا إذا قام به بعينه مانع من موانع تكفير المعيَّن!
(2) كذلك محال ممتنع أن تكون الرواية بالتخفيف باطلة، لأنها قطعاً متواترة، فهي إجماع السبعة، ما عدا ابن كثير (من طريق اللهبي عن البزي، وسنعود إليها قريباً)، والعشرة ( ما عدا يعقوب برواية رويس)، والسلف ما عدا بن عباس ومجاهد وأبو صالح، وربما بعض تلامذة ابن عباس أو تلامذة تلامذتهم، كما هو عند الطبري حيث قال: [واختلفت القراء في قراءة قوله اللات فقرأته عامة قراء الأمصار بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت، (...)، وقرأ ذلك بن عباس ومجاهد وأبو صالح اللاتَّ بتشديد التاء]، وعليه كذلك إجماع الحجة من القراء، كما نص عليه الإمام الطبري في «تفسير الطبري»، (ج 27، ص 58 وما بعدها): [القول في تأويل قوله تعالى: }أفرأيتم اللات والعزى v ومناة الثالثة الأخرى vألكم الذكر وله الأنثى v تلك إذا قسمة ضيزى{ ]، فذكر عدة روايات راجعها في مقالنا الرئيس، ثم عقَّب قائلاً: [وأولى القراءتين بالصواب عندنا في ذلك قراءة من قرأه بتخفيف التاء على المعنى الذي وصفت لقارئه كذلك لإجماع الحجة من قراء الأمصار عليه]. والإجماع ها هنا ليس إجماعاً على رأي أو قضية نظرية، وإنما هو إجماع على نقل، أي على قضية روائية نصية، فهو إذا من أعلى أنواع نقل التواتر.
والإمام الطبري إمام كبير، ومجتهد مطلق، وهو رأس في التفسير والقراءات فلا بد من حمل قوله ذلك محمل الجد، فهو إذا يعتقد أن من قرأ بالتشديد لا تقوم به حجة، ونحن لا نزعم أن ذلك أمر مقطوع به، وإنما هو أمر اجتهادي، ولكن سعة علم الطبري، وإمامته في القراءات والتفسير تعطي قوله أهمية خاصة، وهو أولى بالتقديم على الأئمة المتأخرين من أمثال أبي شامة، والجزري، والسبكي. فالقراءة بالتاء المخففة هي قرآن قطعاً، لا يشك في ذلك إلا كافر، وليس كذلك بالنسبة للمثقلة.
لاحظ أن قراءة الإمام أبي عمرو بن العلاء جاءت فقط (في كل الطرق والروايات عنه) مخففة. وللإمام أبي عمرو مكانة خاصة ها هنا لأسباب منها:
أولاً: أنه صرح بأنه لا يأخذ القراءة عن شيوخه إلا إذا كانت قراءة العامة، ونقل الكواف، كما هو في الملحق، حيث جاء نصاً: [وقال محمد بن صالح سمعت رجلا يقول لأبي عمرو كيف تقرأ لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد فقال لا يعذب بالكسر، فقال له الرجل كيف وقد جاء عن النبي لا يعذب بالفتح، فقال له أبو عمرو: (لو سمعت الرجل الذي قال سمعت النبي ما أخذته عنه: أو تدري ما ذاك؟! لأني أتهم الواحد الشاذ إذا كان على خلاف ما جاءت به العامة].
v وجاء تأكيد ذلك في «كتاب السبعة في القراءات»، (ج: 1 ص: 82): [حدثني إسماعيل بن إسحق قال حدثنا نصر بن علي قال أخبرنا الأصمعي قال سمعت أبا عمرو يقول لولا أنه ليس لي أن أقرأ إلا بما قد قرىء به لقرأت حرف كذا كذا وحرف كذا كذا]، فهذا تصريح بأنه لا يخالف الكواف، حتى لو مالت نفسه لقراءة مخالفة، أو أعجبه وجه من اللغة يغري بقراءة أخرى!
ثانياً: وقد أخذ الإمام أبو عمرو بن العلاء القراءة من مجاهد وسعيد بن جبير خاصة، وغيرهما من الحجازيين عامة، فهو إذاً من مدرسة ابن عباس، رضي الله عنهما، كما جاء في «كتاب السبعة في القراءات»، (ج: 1 ص: 83): [قرأ على مجاهد وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر وابن كثير وحميد بن قيس:
ــ حدثني الحسن بن مخلد قال حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا ابن المبارك قال قرأت على أبي عمرو بن العلاء وقرأ أبو عمرو على مجاهد وقرأ مجاهد على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقرأ ابن عباس على أبي رضي الله تعالى عنه وقرأ أبي على النبي.
ــ حدثني أبو بكر موسى بن إسحق قال حدثنا هرون بن حاتم قال حدثنا أبو العباس ختن ليث قال سألت أبا عمرو على من قرأت فقال على مجاهد وسعيد بن جبير وغيرهما.
ــ وحدثني فضلان المقرىء قال حدثني أبو حمدون عن يحيى بن مبارك اليزيدي عن أبي عمرو قال سمع سعيد بن جبير قراءتي فقال الزم قراءتك هذه.
ــ حدثنا ابن يوسف عن أبي عبيد عن حجاج عن هرون عن ابن أبي إسحق قال قال أبو عمرو بن العلاء أخذنا عن الأشياخ نصر بن عاصم وأصحابه قال هرون فذكرت ذلك لأبي عمرو فقال: (لكني لا آخذ قراءاتي عن نصر بن عاصم ولا أصحابه ولكن عن أهل الحجاز)]
ثالثاً: أنه رحمه الله عرف بالإدغام الكبير ( مثل: }فتري الناسّكاري{، بدلا من: }فترى الناسَ سكارى{)، فقراءة (اللاتّ) بالتشديد على أنها من (اللاتت) على مذهبه أولى وأحرى، ومع ذلك ما قرأ بها، ولا رويت عنه قط.
فإذا كان الأمر كذلك فمن العجيب حقاً أن لا تروى عنه قراءة اللاتّ بالتاء المشددة، لا سيما أنه حجازي القراءة من تلاميذ تلاميذ ابن عباس!
والإمام أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان المازني من صغار التابعين، فهو متقدم جداً. وهو كذلك محدث ثقة، ورأس في العربية.، ورأس في الدين والورع، وتوفي رضي الله عنه عام 153 هـ، عن سن عالية تناهز الخامسة والثمانين!
بقيت إذاً مسألة واحدة فقط: هل القراءة بالتاء المثقلة قرآن متواتر أيضاً، وإذا كانت كذلك فما تخريجها؟!
فأما عن ثبوت القراءة المثقَّلة فحوله إشكالات واعتراضات:
(1) طريق اللهبي عن البزي: فيشكل عليها أن البزي كان لا يلتزم بنقل الكافة، وربما تفرد برواية أشياء كما هو في الملحق، حيث جاء نصاً: [كل أهل بلدة كانوا يقرؤونها أخذوها أمما عن أمم، ولو انفرد واحد بقراءة دون أهل بلده لم يوافقه على ذلك أحد بل كانوا يجتنبونها ويأمرون باجتنابها، قلت صدق، ومما يدل على هذا ما قال ابن مجاهد قال لي قنبل قال القواس في سنة سبع وثلاثين ومائتين الق هذا الرجل يعني البزي فقل له هذا الحرف ليس من قراءتنا: يعني وما هو بميت مخففا، وإنما يخفف من الميت من قد مات ومن لم يمت فهو مشدد، فلقيت البزي فأخبرته فقال له قد رجعت عنه]. فظهر أن البزي كان ربما قرأ بغير الحرف الذي عليه الكافة، وقد كلمه الإمام «قنبل»، راوية ابن كثير الآخر، ونهاه، فأخبر أنه قد تراجع عن ذلك. لذلك لا يجوز أن يقال فيما انفرد به أنه متواتر، إلا بدليل مستقل. على أن هذا ها هنا هو أبعد وأنكى، فلم تأت (اللاتّ) بالتثقيل إلا من طريق واحدة فقط عن البزي، وهذا عن التواتر أبعد، بل لعله قد تراجع عنها، لذلك لم تأت عنه إلا من طريق واحدة فقط!
(2) رويس عن يعقوب، وليس عندنا برهان على أن يعقوب أو رويس كان يلتزم بالأخذ فقط عن الكافة، فلا يجوز إذاً أن يقال أن ذلك تواتر، إلا ببينة مستقلة. ويعقوب على إمامته، وجلالة قدره، متأخر (توفي 205 هـ)، فهو إنما أخذ القراءات من طبقة تلاميذ أبي العلاء، وما أدرك هو أبا العلاء، ولا أخذ منه مباشرة. وأبو العلاء، وقد كان أكثر أخذه من تلاميذ ابن عباس من أمثال مجاهد وسعيد بن جبير، رضوان الله عليهم جميعاً، لم يقرأ بالتثقيل، مع أن بعض أساتذته كان قد قرأ بها، كما سلف قريباً. وهذا يرجح أنها قراءة آحاد، وليس تواتر، في زمان أبي عمرو فكيف صارت تواتراً بعده بجيلين؟!
(3) بن عباس ومجاهد وأبو صالح، والظاهر أن مجاهداً وأبا صالح إنما أخذا من ابن عباس. فهي إذا قراءة منفردة لابن عباس، وهذا قطعاً ليس بتواتر. ولابن عباس اجتهاد في قراءات كثيرة مخالفة للمصحف الإمام، ولم يقرأ بها أحد من السبعة أو العشرة أو حتى الأربعة عشر، خرجها الأئمة على أوجه، نكتفي ببعض ذلك، لأن استقصاء ذلك يطول جداً، ومن أعجبها قراءة: (وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا)، بإبدال كلمة (أمام) من كلمة (وراء)، وبزيادة كلمة (صالحة)، (وأما الغلام فكان كافرا)، بزيادة كلمة (كافرا) ونحو ذلك مما ثبت برواية الثقات، راجع الملحق واقرأه بعناية، مع ملاحظة أن هذا من القسم الثاني الذي ذكره الإمام مكي فقال: (والقسم الثاني: ما صح نقله عن الآحاد وصح وجهه في العربية وخالف لفظه خط المصحف فهذا يقبل ولا يقرأ به لعلتين إحداهما أنه لم يؤخذ عن إجماع إنما أخذ أخبار الآحاد ولا يثبت قرآن يقرأ به بخبر الواحد، والعلة الثانية أنه مخالف لما قد أجمع عليه فلا يقطع على تعينه وصحته وما لم يقطع على صحته لا تجوز القراءة به ولا يكفر من جحده ولبئس ما صنع إذا جحده).
ولعلك قائل يقول: هذه جاءت على وجه التفسير، فنقول: وكذلك اللاتّ بالتاء المشددة ربما كانت باجتهاد ابن عباس على وجه التفسير، ولا فرق، إلا إذا جاءنا مدعي خلاف ذلك ببرهان قاطع يثبت مقولته.
فالقراءة إذا ليس ثابتة ذلك الثبوت القطعي، الذي لا يجوز أن يؤخد القرآن إلا به، فسقطت، على كل حال بذلك المزاعم المرسلة بتواترها!
(4) والقراءة بالتشديد ليست مما يقرأ به المسلمون اليوم، نعم يدرسها طلاب علم القراءات، وتجدها في الكتب، ولكن الكافة إنما يقرئون برواية حفص عن عاصم في عامة بلاد المسلمين، وبرواية قالون عن نافع في ليبيا وتشاد وبعض وسط أفريقيا، وبرواية ورش عن نافع في بلاد المغرب: الجزائر والمغرب وموريتانيا وبعض غرب أفريقيا، وبرواية الدوري عن أبي عمرو في السودان وبعض نواحي أفريقيا الشرقية. وحتى المتفننين من القراء من أمثال المنشاوي لا تجد لهم تسجيلاً بقراءة ابن كثير أو يعقوب، وإنما تجدهم إذا أرادوا الإغراب والتفنن يجدونه في قراءة خلف عن حمزة، لما فيها من الإمالات والسكت على الهمزات، وهي مذاهب صوتية يحسن التغني بها، وتطرب لها الآذان!
وربما زعم زاعم أن قراءة التشديد لا تعارض قراءة التخفيف لأنه معلوم أن العرب تخفف الثقيل نطقا في أشياء كثيرة من لغتها، وهذا منها، والقرآن عربي. وعليه فمن خفف فإنما فعل ذلك فيما يظهر من باب التسهيل.
فنقول لهذا المدعي: كلامك هذا لا معنى له لأن القراءة بالتثقيل لم تثبت قرأناً، فلا معنى لإضاعة الوقت بمحاولة تخريجها. ومع هذا فهذا القول زعم باطل، لأنه حتى مع الافتراض أن القراءة بالتشديد قرآن ثابت، وأنه تجوز القراءة بها في الصلاة، لا يعني أن اللاتّ، المشددة، إنما هو بمعنى ذلك الرجل الخرافي الذي كان يلت السويق للحجاج، لأن ذلك يؤدي إلى تناقضات في القرآن، وهذا لا يجوز.
ولا شك أيضاً أن العرب ربما خفَّفت، وكثيرا ما تثقل، ولكنها لا تفسد بنية الكلمة، وتخفيف اللاتَّ المثقلة، التي هي بزعمهم في الأصل: اللاتت، لا يكون بحذف التاء الأولى، التي هي عين الفعل الثلاثي، ولا حذف التاء الثانية، التي هي لام الفعل الثلاثي، لأن هذا ليس تخفيفاً أو تثقيلاً، وإنما هو (تخريب وإفساد)، وقد عصم رب العزة العرب من مثل هذا التخريب، حتى تكون اللغة العربية كاملة الفصاحة، تامة الرونق، جاهزة مستعدة لتلقي القرآن العظيم، عند مجيء الزمن المقدر، المعلوم من الأزل، لإنزاله. وبلفظ آخر: العرب تقول: اللاتَّ أو اللاتت فقط لا غير، وأكثرها، لا سيما أهل نجد، يستثقلون اللاتت، ويفضلون اللاتّ عليها. تماماً مثل: يرتدد ويرتدَّ، ويبرر ويبرّ، وعليه فقس!
فـ( اللات) المخففة، و(اللاتّ) المثقلة كلمتان مستقلتان، من أصلين مختلفين، ليست هذه تخفيف تلك، ولا تلك تثقيل هذه، كما شطح بهؤلاء الخيال المريض. ولكن هذا لا يمنع من كونهما قرآناً في نفس الوقت، نزل به الوحي من فوق سبع سماوات، بشرط أن لا يحدث هذا الاعتبار أي تناقض، لأن القرآن من عند الله: }ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً{.
فمثلاً قراءة: (ننشزها)، و(ننشرها) يكمل بعضها بعضاً، وما ثمة تناقض: فالأولى تدل على أن العظام ارتفعت، ثم كسيت لحماً، والثانية تدل على أنها نشرت أي ظهرت وتميزت بعد أن كانت متراكمة متراكبة فوق بعضها البعض، وربما كان بعضها مدفوناً تحت التراب فخرج وظهر، أو عادت حية، ثم كسيت لحما. وكل ذلك حدث ضرورة أمام ذلك الرجل المدهوش الذي كان يعاين تلك الخارقة المعجزة بعيني رأسه. وبلفظ آخر: كل من القرائتين تعطيناً علماً وفهماً وزيادة معنى، وتعرض لنا ذلك الواقع المدهش من زاوية أخرى، وكل زاوية تصدق وتوضح الزاوية الأخرى، لا تناقض فيه، وكلاهما قرآن شاف كاف، ولله الحمد والمنة.
وكذلك (ملك)، و(مالك) فهذان لفظان يشتركان في كثير من المعاني، ولكن للفظة (ملك) معاني، وظلال وإيحاءات لا توجد في (مالك)، وكذلك (مالك) فيها معاني مخصوصة، لا توجد في (ملك)، فنزل القرآن بهما من فوق سبعة أرقعة، وكلاهما قرآن شاف كاف، ولله الحمد والمنة.
وهناك تخريجات أخرى للفظة (اللاتّ) المثقلة، ذكرها الإمام الشوكاني، كما ذكر أن بعض القراء وقف عليها بالهاء، وليس بالتاء، وهذا يجعل قراءة التشديد أبعد وأبعد:
v كما جاء في «فتح القدير»، (ج: 5 ص: 107 وما بعدها): [أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى: لما قص الله سبحانه هذه الأقاصيص قال للمشركين موبخا لهم ومقرعا أفرأيتم أي أخبروني عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله هل لها قدرة توصف بها وهل أوحت إليكم شيئا كما أوحى الله إلى محمد أم هي جمادات لا تعقل ولا تنفع ثم ذكر هذه الأصنام الثلاثة التي أشتهرت في العرب وعظم اعتقادهم فيها وقال الواحدي وغيره وكانوا يشتقون لها أسماء من أسماء الله تعالى فقالوا من الله اللات ومن العزيز العزى وهي تأنيث الأعز بمعنى العزيزة ومناة من منى الله الشيء إذا قدره قرأ الجمهور اللات، بتخفيف التاء فقيل هو مأخوذ من أسم الله سبحانه كما تقدم. وقيل أصله لات يليت فالتاء أصلية وقيل هي زائدة وأصله لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون عليها ويطوفون بها واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء فوقف عليها الجمهور بالتاء ووقف عليها الكسائي بالهاء واختار الزجاج الفراء والوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف فإنها تكتب بالتاء وقرأ أبن عباس وأبن الزبير ومجاهد ومنصور بن المعتمر وأبو الجوزاء وأبو صالح وحميد(اللاتّ) بتشديد التاء ورويت هذه القراءة عن أبن كثير فقيل هو أسم رجل كان يلت السويق ويطعمه الحاج فلما مات عكفوا على قبره يعبدونه فهو أسم فاعل في الأصل غلب على هذا الرجل قال مجاهد كان رجلا في رأس جبل وسمنها حيسا ويطعم الحاج وكان ببطن نخلة فلما مات عبدوه وقال الكلبي كان رجلا من ثقيف له صرمة غنم وقيل إنه عامر بن الظرب العدواني وكان هذا الصنم لثقيف وفيه يقول الشاعر:
لا تنصروا اللات إن الله مهلكها وكيف ينصركم من ليس ينتصر
قال في الصحاح واللات أسم صنم لثقيف وكان بالطائف وبعض العرب يقف عليها بالتاء وبعضهم بالهاء.
والعزى: صنم قريش وبني كنانة قال مجاهد هي شجرة كانت بغطفان وكانوا يعبدونها فبعث إليها النبي صلى الله عليه وإله وسلم خالد بن الوليد فقطعها وقيل كانت شيطانة تأتي ثلاث سمرات ببطن نخلة وقال عن سعيد بن جبير العزى حجر أبيض كانوا يعبدونه وقال قتادة هي بيت كان ببطن نخلة.
ومناه: صنم بني هلال وقال أبن هشام صنم هذيل وخزاعة وقال قتادة كانت للأنصار قرأ الجمهور مناة بألف من دون همزة وقرأ أبن كثير وأبن محيصن وحميد ومجاهد والسلمي بالمد والهمزة فأما قراءة الجمهور فاشتقاقها من منى يمنى أي صب لأن دماء النسائك كانت تصب عندها يتقربون بذلك إليها وأما على القراءة الثانية فاشتقاقها من النوء وهو المطر لأنهم كانوا يستمطرون عندها الأنواء وقيل هما لغتان للعرب ومما جاء على القراءة الأولى قول جرير:
أزيد مناة توعد يا بن تيم تأمل أين تاه بك الوعيد
ومما جاء على القراءة الأخرى قول الحارثي:
إلا هل أتى التيم بن عبد مناءة على السر فيما بيننا أبن غيم
وقف جمهور القراء عليها بالتاء اتباعا لرسم المصحف ووقف أبن كثير وأبن محيصن عليها بالهاء قال في الصحاح ومناة أسم صنم كان بين مكة والمدينة والهاء للتأنيث ويسكت عليها بالتاء وهي لغة قوله الثالثة الأخرى هذا وصف لمناة وصفها بأنها ثالثة وبأنها أخرى والثالثة لا تكون إلا أخرى قال أبو البقاء فالوصف بالأخرى للتأكيد وقد استشكل وصف الثالثة بالأخرى والعرب إنما تصف به الثانية فقال الخليل إنما قال ذلك لوفاق رؤوس الآي كقوله مآرب أخرى وقال الحسين بن الفضل فيه تقديم وتأخير والتقدير أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة وقيل إن وصفها بالأخرى لقصد التعظيم لأنها كانت عند المشركين عظيمة وقيل إن ذلك للتحقير والذم وإن المراد المتأخرة الوضيعة كما في قوله قالت أخراهم لأولاهم أي وضعاؤهم لرؤسائهم ثم كرر سبحانه توبيخهم وتقريعهم بمقالة شنعاء قالوها فقال: }ألكم الذكر وله الأنثى{، أي كيف تجعلون لله ما تكرهون من الإناث وتجعلون لأنفسكم ما تحبون من الذكور وقيل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله وقيل المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء الله ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث ثم ذكر سبحانه أن هذه التسمية والقسمة المفهومة من الاستفهام قسمة جائزة فقال: }تلك إذا قسمة ضيزى{، قرأ الجمهور ضيزى بياء ساكنة بغير همزة وقرأ أبن كثير بهمزة ساكنة والمعنى أنها قسمة خارجة عن الصواب جائرة عن العدل ومائلة عن الحق قال الأخفش يقال ضاز في الحكم أي جار وضازه حقه يضيزه ضيزا أي نقصه وبخسه قال وقد يهمز وأنشد:
فإن تناء عنا تنتقصك وإن تغب vvvv فحقك مضئوز وأنفك راغم
وقال الكسائى ضاز يضيز ضيزا وضاز يضوز ضوزا إذا تعدى وظلم وبخس وانتقص ومنه قول الشاعر:
ضازت بنو أسد بحكمهم vvvv إذ يجعلون الرأس كالذنب
قال الفراء وبعض العرب يقول ضيزى بالهمزة، ...، إلخ]، انتهى نص الإمام الشوكاني، رحمه الله، بطوله كما هو إلا من ترتيب السطور، وعلامات الترقيم فبعضها من اجتهادنا.
فهناك إذاً روايات أخرى لأصل كلمة اللات، ذكرها الإمام الشوكاني، رحمه الله، في نصه الذي سقناه آنفاً، وإليك نصوصه بين أقواس:
(1) (وقيل أصله لات يليت فالتاء أصلية)، فالأصل إذا مادة (ل ا ت) أو (ل ي ت) الثلاثية. وعلى هذا فلعل العرب استثقلت حرف العلة ها هنا، فحذفته، واستبدلت تاءً أخرى، لأن ألسنتها لا تقبل إسماً أو فعلاً يكون أقل من الثلاثي، (وإنما تقبل دون الثلاثي في بعض الحروف والأدوات فقط)
(2) (وقيل هي زائدة وأصله لوى يلوي لأنهم كانوا يلوون أعناقهم إليها أو يلتوون عليها ويطوفون بها) ، فالأصل إذاً هو مادة (ل و ي)، ولا أدري كيف جاءت التاء ها هنا؟!
فما الذي جعل هذين الاحتمالين أولى بعدم القبول من مادة (ل ت ت) الثلاثية؟!
(3) وزيادة على ذلك فقد قال الإمام الشوكاني أيضاً: (واختلف القراء هل يوقف عليها بالتاء أو بالهاء فوقف عليها الجمهور بالتاء ووقف عليها الكسائي بالهاء واختار الزجاج الفراء والوقف بالتاء لاتباع رسم المصحف فإنها تكتب بالتاء).
فأقول: الوقف بالهاء يشعر بأن أصل اللفظة ربما كان: إلاهة، أي تأنيث إلاه، ثم أدخلت عليه الف لام التعريف: الإلاهة، ثم سهل إلى الاهة، ثم إلى (اللات)، سواءً بالتخفيف أو بالتثقيل لتذكر أن أصله حرفين: هاء أصلية، وتاء تأنيث. وهذا تفعله العرب أحياناً، فأهل نجد يقولون وَدّ، ويقصدون وتد (راجع مادة: ودد في لسان العرب!)
هذا كله لا يلزمنا، لأننا لا نقول بتواتر القراءات، على الأقل فيما يتعلق بفرش الحروف، والكسائي، وهو من السبعة، مقدم قطعاً على يعقوب، وهو من العشرة (أما طريق البهي عن البزي فالأرجح أنها ساقطة، لا يحل الاحتجاج بها، كما أسلفنا). وهذا على كل حال تفسير أجود للفظة (اللاتّ) بالتشديد، فيكون هكذا أصلها، فتنسجم القراءات كلها في نسق واحد لا تعارض بينها، أما (اللات) الأسطوري، الذي كان رجلاً ذكراً يلت السويق للحجاج، فمن المحال الممتنع أن ينسجم مع نص القرآن القاطه بأن (اللات) ضرورة إلهة أنثى، كما أسلفنا في صلب الكتاب، وكما سيأتي.
أما فيما يتعلق بقوله تعالى: }ألكم الذكر وله الأنثى{، وإلى ماذا تشير، فلا يخرج الأمر عن احتمالين اثنين، هما كما قال الإمام الشوكاني: [وقيل وذلك قولهم إن الملائكة بنات الله وقيل المراد كيف تجعلون اللات والعزى ومناة وهي إناث في زعمكم شركاء الله ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث]، فذكر قولين بصيغة التمريض:
ثانيهما: هو الحق الذي يقتضيه السياق وهو أنهم جعلوا اللات والعزى ومناة إناثاً، وهن بزعمهم شركاء الله ومن شأنهم أن يحتقروا الإناث، هذا هو ما تقتضيه لغة العرب (بل ولغة أهل الصين أيضاً). فهم يكرهون أن يكون الولد بنتاً، ومع ذلك طابت أنفسهم بجعل ولد الله إناثاً، وكذلك هم يحتقرون المرأة، ويكرهون أن تكون الزوجة شريكاً في الأمر، ولا يأذنون للنساء بالقيادة أو الزعامة، كعضوية دار الندوة المكية مثلاً، ولكنهم جعلوا (صاحبة) الله، تعالى وتقدس، شريكة في الملك والتدبير. وعلى هذا يجوز أن تكون (اللات) عندهم إلاهة أنثى هي (صاحبة) الله، تعالى وتقدس عن ذلك، في حين أن العزى ومناة ابنتان له. هذا هو الصحيح والمنسجم مع قول جمهور المفسرين أن اللات تأنيث لفظ الجلالة، أو بتعبير أدق: أن (اللات) من (إيلات) في أكثر اللغات السامية، وهي بمعنى الإلاهة، وهذه بدون شك تأنيث لفظة (إيل)، وهي بمعنى الإله، وهو ما تدل عليه الحفريات وعلوم الآثار.
أما أولهما: وهو قولهم: (قولهم إن الملائكة بنات الله)، فلا يمكن أن يتسق مع سياق الآيات كما هي بحال من الأحوال لأن جملة }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ عائدة ضرورة إلى (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى) لأن السياق التام هو:
v كما قال الله جل جلاله، وسمى مقامه: }مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى v لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى v أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى v وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى v أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى v تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى v إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى v أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى v فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى v وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى v إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى v وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً v فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا v ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى{، (النجم، 53: 17-30).
نعم: هذا هو السياق التام، وزيادة آيات سابقة ولاحقة خارجة عن السياق، فقوله تعالى: }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ لم يسبقه في هذا السياق، بل ولا من أول السورة أي ذكر للملائكة ، اللهم إلا إشارة إلى جبريل، صلوات الله عليه في قوله تعالى أول السورة: }علَّمه شديد القوى{، وقد قيل أنها إشارة إلى الرب جل وعلا.
فمن المحال الممتنع أن تكون هذه الجملة محل البحث }أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى{ عائدة على شئ غير (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى). فلا يوجد من أول السورة، إلى الآية محل البحث شيء يصلح أن تشير الجملة إليه إلا: (اللات، والعزى، ومناة الثالثة الأخرى)، ومن المحال الممتنع أن يكون شيء غير ذلك.
نعم: هم يعتقدون أن الملائكة إناث، وهي بنات الله، أي أنها كائنات إلاهية من عنصر أو جوهر أو نسب إلاهي. هذا موضوع مستقل عن كون (اللات والعزى ومناة)، وهي آلهة إناث، وشريكة لله في العنصر الإلاهي أو في الملك والتدبير، أو في كليهما، لا سيما أن الآيات بعد ذلك بقليل توبخهم على تسميتهم الملائكة تسمية الأنثى وأنها بنات الله، جل وعز، كما جاء في «فتح القدير»، (ج: 5 ص: 107 وما بعدها): [قوله: }إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى{، أي أن هؤلاء الذين لا يؤمنون بالبعث وما بعده من الدار الآخرة وهم الكفار يضمون إلى كفرهم مقالة شنعاء وجهالة جهلاء وهي أنهم يسمون الملائكة لنبرهن عن كل نقص تسمية الأنثى وذلك أنهم زعموا أنها بنات الله فجعلوهم إناثا وسموهم بنات]، واكتفى الإمام الشوكاني بذلك ثم أفاض في مبحث الظن، والعلم، وغيرها. وعدم ذكر الإمام لقول آخر يشعر بأن هذا هو إجماع المفسرين، لم يخرج منهم أحد عليه.
فالصحيح إذاً أن يكون هذا كلاماً مستأنفاً جديداً، يتعلق بقضية عامة جديدة، ألا وهي كون كفار قريش يسمّون الملائكة تسمية الأنثى، وهو موضوع مستقل عن مبحث (اللات والعزى ومناة).
وتسميتهم الملائكة تسمية الأنثى أمر مقطوع به، مجمع عليه:
v كما هو في «تفسير الجلالين»: }إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى{، حيث قالوا هم بنات الله!
v وقال الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم لقوله: } يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي{، إلى قوله: }عما يعملون{،} بخساً{، نقصاً، قال مجاهد: }وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً{، قال كفار قريش: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم بنات سروات الجن! قال الله: }ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون{، ستُحْضَر للحساب].
v وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم أشار بهذه الترجمة إلى اثبات وجود الجن وإلى كونهم مكلفين ... إلخ) في كلام طويل، إلى قوله: (قوله: (وقال مجاهد وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا الخ)) وصله الفريابي من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد به وفيه فقال أبو بكر: (فمن أمهاتهم؟!)، قالوا: (بنات سروات الجن ...الخ)، وفيه قال علمت الجن أنهم سيحضرون للحساب قلت وهذا الكلام الأخير هو المتعلق بالترجمة وسروات بفتح المهملة والراء جمع سرية بتخفيف الراء أي شريفة].
v وقال البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: باب تفسير سورة الصافات. وقال مجاهد: }وبين الجنة نسبا{، قال كفار قريش: (الملائكة بنات الله وأمهاتهم بنات سروات الجن!)
v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [قوله باب وقالوا أتخذ الله ولدا سبحانه كذا للجميع وهي قراءة الجمهور، وقرأ بن عامر: قالوا بحذف الواو، واتفقوا على أن الآية نزلت فيمن زعم أن لله ولداً من يهود خيبر ونصارى نجران ومن قال من مشركي العرب الملائكة بنات الله فرد الله تعالى عليهم]. لاحظ نص البخاري على إجماعهم: (واتفقوا ...)، والإمام البخاري من أهل الاطلاع الواسع، والاستقراء التام، أو شبه التام!
v وفي «تفسير الجلالين»: ونزل في النضر بن الحارث وجماعته: }ومن الناس من يجادل في الله بغير علم{، قالوا: الملائكة بنات الله، والقرآن أساطير الأولين، وأنكروا البعث وإحياء من صار ترابا!
v وفي «تفسير الجلالين»: }وجعلوا له من عباده جزءً{، حيث قالوا: الملائكة بنات الله، لأن الولد جزء من الوالد، والملائكة من عباده تعالى، }إن الإنسان {، القائل ما تقدم }لكفور مبين {، بين ظاهر الكفر!
ــ أما قولهما في «تفسير الجلالين»: }وجعلوا{، أي المشركون، }بينه{، تعالى، }وبين الجنة{ أي الملائكة لاجتنانهم عن الأبصار }نسبا{، بقولهم إنها بنات الله. فهو خطأ، لأن العرب تفرق بين الجن والملائكة، وإنما عنوا أنه، تعالى وتقدس، صاهر إلى سروات الجن فولدن له الملائكة، كما سبق مراراً!
v وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري»: [... قال أبو عبيدة في قوله تعالى ان يدعون من دونه إلا إناثا: (الا الموات حجراً أو مدراً أو ما أشبه ذلك والمراد بالموات ضد الحيوان)، وقال غيره: (قيل لها إناث لأنهم سموها مناة واللات والعزى وإساف ونائلة ونحو ذلك)، وعن الحسن البصري: لم يكن حي من أحياء العرب الا ولهم صنم يعبدونه يسمى أنثى بني فلان! وسيأتي في الصافات حكاية عنهم أنهم كانوا يقولون الملائكة بنات الله، تعالى الله عن ذلك، وفي رواية عبد الله بن أحمد في مسند أبيه عن أبي بن كعب في هذه الآية قال مع كل صنم جنية، ورواته ثقات].
فالمقطوع به إذاً، على كل حال، أن قريشاً تعتقد أن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى آلهة إناث شريكة لله، تعالى ربنا وتقدس عن هذا العفن، والصحيح (وهو الذي ندين الله به) أن قريشاً كانت تعتقد فوق ذلك، وعلى وجه التفصيل:
(1) أن (اللات) إلاهة أنثى، هي (صاحبة) الله، تعالى وتقدس عن ذلك،
(2) أن العزى ومناة كائنات إلاهية، مؤنثة من جنس الملائكة، وأنها بنات الله.
فكون (اللات والعزى ومناة) مؤنثة مقطوع به من نص القرآن لا محيص عنه، وكذلك كونها آلهة شريكة لله، معبودة من دون الله، وهذا وحده هو الذي يعنينا، بغض النظر عن اعتقادهم فيها كونها ملائكة، أو كونها بنات الله، أو أن أحدها (صاحبة) الله، تعالى وتقدس!
على أن كلام الإمام ابن جرير الطبري الذي قال فيه أن: (اللات من الله) له وجاهته، لأن الأرجح أن لفظة «اللات» العربية أصلها «إيلات» السامية التي هي تأنيث لفظ «إيل» في أكثر اللغات السامية، وهو ما يقابل «إل» أو «إله» في العربية، الذي تحول بعد تحليته بأداة التعريف إلى لفظ الجلالة «الله» في اللغة العربية.
وكذلك دلت الأبحاث الحديثة في علوم التاريخ والآثار والنقوش والكتابات التاريخية على أن «اللات» كانت معروفة عند كثير من الشعوب السامية باسمها ذلك، أو قريباً جداً منه، قبل أن تخلق قبيلة ثقيف أصلاً، وكذلك «مناة»، إلاهة الموت (المنية) والقدر، كانت معروفة منذ أزمنة قديمة، وهي إلاهة أنثى، وبعض اللغات السامية يؤنث بالتاء المفتوحة، كما هو في «اللات»، وبعضها بالتاء المربوطة، كما هو في هذا اللسان العربي المبين.
وذلك لأن «إيلات» لفظة سامية قديمة قبل أن يخلق العرب أصلاً، (تماماً مثل: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر)، والظاهر أن ذلك القول، وهو قول لغوي، كان مشهوراً منتشراً عند اللغويين والمفسرين، فلم يجد الطبري ضرورة لذكر إسناد، فهو عن الجمهور، وليس من عند نفسه، وهوكذلك مشهور معلوم عن العبرانيين والسريانيين.
وهو كذلك الذي يظهر من نتائج الحفريات وعلم الأثار، كما هو في المراجع التالية:
v كما هو في الموقع المذكور أدناه نجد (دليل الآلهة) الذي يذكر أن:
ــ إيلات إلاهة أنثى سامية، وأن اسمها تأنيث لاسم (إيل)، واعتبرت أخيراً صاحبة لكبير الآلهة (إيل). وتعتبر هي بعينها الإلاهة السامية عشيرة أو اللات.
ــ وهناك إلاهة في منطقة الرافدين (العراق) أسمها إلَّلات (بتشديد اللام) تختص بالعالم السفلي (عالم المردة أو الجن أو الشياطين؟! أو جهنم؟!)
Guide to the Gods 1.0
http://mrugala.uree.ur/Religions/Divers/Anglais/index.html
v وفي موقع آخر يهتم بدراسة آثار الكنعانيين، وبالأخص ما تم اكتشافه في أنقاض مدينة (أوجاريت) العائدة إلى القرن العاشر قبل المسيح، ورد تحت عنوان [عطيرة، أو عشيرة، أو عشتروت، سيدة البحر، «إيلات» (يعني: الإلاهة)] النص التالي:
[قرينة (إيل) المحبة، وهي الحامية والحريصة على أطفالها السّبعين،المعروفين بالآلهة المهذّبة (أو الفاضلة)، فهي لهم الأمّ والمربّية. ولأبنائها، باستثناء (بعل) في أول الأمر، حضرة و«بلاط» إلهي سماوي. وهي تكثر من ارتياد شواطئ البحار]
alt.mythology Canaanite/Ugaritic Mythology FAQ, ver. 1.1
http://pubpages.unh.edu/~cbsiren/canaanite-uaq.html
Athirat (Asherah, Ashtartian - 'the Lady ou the Sea', Elat - 'the goddess'): [El's loving consort and is protective ou her seventy children who may also be known as the gracious gods, to whom she is both mother and nursemaid. Her sons, unlike Baal initially, all have godly courts. She urequents the ocean shore]
وعلى كل حال فكون (اللات والعزى ومناة) آلهة مؤنثة مقطوع به من نص القرآن لا محيص عنه، وكذلك كونها شريكة لله، معبودة من دون الله، وهذا وحده هو الذي يعنينا، بغض النظر عن اعتقادهم فيها كونها ملائكة، أو كونها بنات الله، أو أن أحدها (صاحبة) الله، تعالى وتقدس، أو غير ذلك، كل ذلك لا يعنينا هنا.
فكون «اللات» أنثى أمر مقطوع به من سياق الآية الكريمة، التي لا تدع مجالاً للشك أنهم كانوا يعتقدون أن اللات، والعزى، ومناة إناث. وهو أيضاً المقطوع به من روايات التاريخ كلها، بغض النظر عن كون (اللات) ابنة أو صاحبة، فمن ذلك شتم أبي بكر الصديق لعروة بن مسعود الثقفي عندما أغضبه، فقال أبو بكر له: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)، كما جاء بأصح الأسانيد.
u فصل: طرق مقولة أبي بكر: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)
جاءت مقولة أبي بكر آنفة الذكر بأصح الأسانيد:
v كما قال الإمام البخاري في «الجامع الصحيح المختصر»: [حدثني عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر قال أخبرني الزهري قال أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زمن الحديبية حتى كانوا ببعض الطريق، ..]، فساق حديث الحديبية الطويل حتى ذكر مجيء عروة بن مسعود لمفاوضة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فجعل يكلم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال النبي، صلى الله عليه وسلم، نحوا من قوله لبديل فقال عروة عند ذلك: (أي محمد: أرأيت إن استأصلت أمر قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أهله قبلك، وإن تكن الأخرى فإني والله لأرى وجوها وإني لأرى أشوابا من الناس خليقا أن يفروا ويدعوك!)، فقال له أبو بكر: (امصص ببظر اللات: أنحن نفر عنه وندعه؟!)، فقال: (من ذا؟!)، قالوا: (أبو بكر!)، قال: (أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك!)، ..إلحديث]
v وهو من طريق ثانية في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا محمد بن إسحاق بن يسار عن الزهري محمد بن مسلم بن شهاب عن عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، عام الحديبية يريد زيارة البيت لا يريد قتالا، ..]، فساق حديث الحديبية الطويل حتى ذكر مجيء عروة بن مسعود لمفاوضة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فقال: (يا محمد: جمعت أوباش الناس ثم جئت بهم لبيضتك لتفضها، انها قريش قد خرجت معها العوذ لمطافيل قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ان لا تدخلها عليهم عنوة أبدا وأيم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا!)، قال، وأبو بكر الصديق، رضي الله تعالى عنه، خلف رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قاعد فقال: (امصص بظر اللات: أنحن ننكشف عنه؟!)، قال: (من هذا يا محمد؟!)، قال: «هذا بن أبي قحافة!»، قال: (أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ولكن هذه بها!)]
v وهو من طريق ثالثة في «مسند الإمام أحمد بن حنبل»: [حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق كل واحد منهما حديث صاحبه قالا خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زمان الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، ...]، فساق حديث الحديبية الطويل حتى ذكر مجيء عروة بن مسعود لمفاوضة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [فقال عروة عند ذلك: (أي محمد: أرأيت إن استأصلت قومك هل سمعت بأحد من العرب اجتاح أصله قبلك وإن تكن الأخرى فوالله إني لأرى وجوها وأرى أوباشا من الناس خلقا أن يفروا ويدعوك!)، فقال له أبو بكر، رضي الله تعالى عنه: (امصص بظر اللات نحن نفر عنه وندعه؟!)، فقال: (من ذا؟!)، قالوا: (أبو بكر!)، قال: (أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك!)]
v وهو من نفس الطريق السابقة في «سنن البيهقي الكبرى»: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو بكر أحمد بن جعفر القطيعي حدثنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال الزهري أخبرني عروة بن الزبير عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم يصدق حديث كل واحد منهما صاحبه قالا خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه، ...]، فساقه بنحو من ألفاظ أحمد السابقة.
v وهو في «مصنف ابن أبي شيبة» (ج: 7 ص: 387): [حدثنا خالد بن مخلد قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز الأنصاري قال حدثني ابن شهاب قال حدثني عروة بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الحديبية في ألف وثمانمائة، ...]، فساق حديث الحديبية الطويل حتى ذكر مجيء عروة بن مسعود لمفاوضة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم: [ فقال: (يا محمد: هؤلاء قومك كعب بن لؤي وعامر بن لؤى قد خرجوا بالعوذ المطافيل يقسمون لا يخلون بينك وبين مكة حتى تبيد خضراءهم وإنما أنت من قتالهم بين أحد أمرين أن تجتاح قومك فلم تسمع برجل قط اجتاح أصله قبلك، وبين أن يسلمك من أرى معك فإني لا أرى معك إلا أوباشا من الناس لا أعرف أسمائهم ولا وجوههم!)، فقال أبو بكر، وغضب: (امصص بظر اللات: أنحن نخذله أو نسلمه؟!)، فقال عروة: (أما والله لولا يد لك عندي لم أجزك بها لأجبتك فيما قلت!)، وكان عروة قد تحمل بدية فأعانه أبو بكر فيها بعون حسن]
v وهو في «مسند أبي يعلى» مختصراً: [حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الله بن المبارك حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج رسول الله، صلى الله عليه وسلم، زمن الحديبية في بضع عشرة مائة من أصحابه حتى إذا كانوا بذي الحليفة قلد النبي، صلى الله عليه وسلم، الهدي وأشعر، وأحرم بالعمرة، فجاء عروة بن مسعود الثقفي قال :(ني أرى أوجها خليقا أن يفروا ويدعوك !)، فقال أبو بكر: (مص بظر اللات: أنحن نفر وندعه؟!)]، وقال الشيخ حسين أسد: (إسناده صحيح)، وهو كما قال.
فكيف تحولت «اللات» وهي إما أحد «بنات الله»، وهي أنثى، وهي كائن إلاهي سماوي، من نفس نوع وجوهر ونسب أبيها، تعالى الله عن ذلك، أو «صاحبة الله»، وهي أنثى أيضاً، وهي كائن إلاهي من جنس الجن، إلى رجل، ذكر، من أهل الأرض يتكون من لحم ودم، كان يلت السويق للحجاج؟! وأي سويق هذا الذي يشربه الحجاج فيسمنون منه، بعد حسوات قليلة أو شرب أيام يسيرة؟! وهل في التخريف والشطح أوغل من ذلك، وهل يجوز بناء الدين على هذا اللغو المضحك، لا سيما إذا ترتب على ذلك تكفير وتأثيم؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق